هابطة في دوّامة جنون الأحلام

 


حاول أن تتملّك الكون عزيزي القارئ، و سترى أنّ هذا مستحيل، حاول أن تتملّك إنساناً، صديقتك مثلاً، أو زوجك، والدتك أيضاً، أو شقيقك، ستكون قد خسرت، لأنّ العملة البشريّة هي قيمة المرء، و هي أكبر ممّا تتخيله.
يظنّ الكثير أنّ بإمكانهم إمتلاك أحدهم، و لكنّهم لا يستطيعون!، لا يمكننا الحفاظ على شخص، خاصّةً الشخص الذي يريد المغادرة، هل تفهم عزيزي القارئ؟.
بمجرّد الإعتراف بذلك أعلم أنّه سيؤلمك، كما تألمت أنا، آلام من شرابٍ ما سام مصنوع من الإكتئاب، و القلق، و الوحدة الذي كنت، و ما زلت أسرف في تناوله منذ أن مات أبي.
و كلّما فكّرت بالأمر وجدت أنّ فكرة موت الأعزّاء، و ذهابهم من الكوكب لا يُزعج الأموات مثلما يزعج الأحياء، فأتساءل بين الحين، و الآخر قائلة:

"متى سيصطدم مذنبٍ ما بالأرض، و يفجّرها حتّى نموت جميعنا، و نذهب إلى الذين سبقونا؟، لماذا كلّ هذا التأخير؟".

هذه التدوينة أكتبها عن أبي اليوم، و أهديها إلى أبي أيضاً، و سأكتب عن أبي، و أهدي إليه أيضاً كلّ رابع آيار من كلّ عام إذا كنت حيّة، سأكتب للبكاء الذي حاصرنا من كلّ الجهات بعد موته، سأكتب للإحتفال بالحياة الصاخبة، و المعّقدة أيضاً التي قضيناها معاً طيلة الأعوام الماضية.
سأكتب للشعور الذي ينتابني مؤخراً، الذي و كأنّني أطفو خارج جسدي، أنظر لنفسي، و أكره ما أراه فيّ، و كيف أتصرّف بدونه، و كيف أبدوا بدونه، و لا أعرف كيف أغيّر هذا، مذعورة جداً من الحياة التي أصبحت بدونه الآن رغم إصرار أصدقائي بمساندتهم لي لكن هذا الشعور عزيزي القارئ لن يزول إطلاقاً.
سأكتب أيضاً لأنّني لم أستطع ربط هذه الحياة الذي -بدونه- مع تلك الحياة التي كانت -معه-، لأنّها غير متلائمة، و لن تكون متلائمة قط.
مات أبي عام 2022 عزيزي القارئ دون شيخوخة أو مرض أو غرق، بطريقة صحيحة له تماماً، و لكن مفاجئة، و كأنّه كان يعلم أنّ أفضل طريق سلكه للموت هو الطريق الذي مات به.
مات، و أنا في الثانية، و العشرون من عمري، و كنت حينها في حجرتي أعدّ خطاباً طويلاً قد تحدّثت عن بعضه في “الخبر الأسوء على الإطلاق” الذي نشرته في رابع آيار من العام السابق، و قائمة من الأشياء الذي سأجرّبها معه من الآن، و صاعداً، الذي لم أتحدّث عنها قط.
أتذكّر أنّ كان لدي أيضاً الكثير من المشاعر المتضاربة، و أنا أعدّ القائمة آنذاك.
بعد أن نشرت "الخبر الأسوء على الإطلاق" في الرابع آيار من العام السابق، تبيّن أنّها كانت أشبه بقصّة لمست حيوات الكثير من القرّاء حولي، و تعلّموا أيضاً كيف يسامحوا أولئك الذين فشلوا، و نجحوا في الوقت نفسه في مساعدتهم على أن يصبحوا ما هم عليه الآن.
بعد شهر من موت أبي تحديداً كنت وحيدة في المنزل مع والدتي التي كانت طريحة الفراش لأشهر متتالية بسبب إنتكاس حالتها بشكل مفاجئ.
هذا المنزل الذي إحتضنني أنا، و والدتي، و شقيقتي 574 يوماً، هذا المنزل الذي شهدنا فيه خبر موت أبي، و إنهيار صحّة والدتي بعد مرور 15 يوماً من موت أبي، المنزل الذي إستمع إلى ضجيج شقيقتي التي لا تُطاق، و إلى إنهيار قوى جسد والدتي، و التي شهدت أسوء أيّام في حياتها على الإطلاق!.
في يومٍ من الأيّام وجدت الورقة التي عليها القائمة، تمّ رميها عشوائياً بلا إهتمام فوق الكتب المرصوصة، فوق رأسي بجانب فراشي البّني، التي كنت أعدّها في الرابع آيار من العام السابق قبل سماعنا لخبر موت أبي تحديداً، إلتقطتها من الأرض، و يدي ترتعش بشكل ملحوظ، فتحت الورقة، و لاحظت أنّني قد بدأت في كتابة القائمة بقلم رصاص باهت، ثمّ أكملته بقلم حبري النحيف، و كان المنزل آنذاك هادئ، تغطّية هدوء ليالي حزيران الموحشة، فتحت القائمة، و بدأت بالقراءة.

"أشياء على المتشائمة سارا تجربتها مع أبيها من الآن، و صاعداً:

  • النهوض من السرير معاً بحماس لبدأ اليوم.
  • الذهاب للسير على الشاطئ معاً دون القلق بشأن إصابتنا بسرطان الجلد.
  • ركوب طائرة معاً دون المطالبة بمقعد قرب مخرج الطوارئ.
  • إنتظار أمتعتنا معاً دون أن نفزع، و نفكّر أنّها في طريقها إلى غوام (جزيرة أمريكية نائية).
  • الدخول إلى المصعد الكهربائي معاً دون الإستماع لصوت الإحتكاك، و الذي قد يعني أنّنا عالقين بين طابقين.
  • النوم على سرير الفندق معاً دون فحص الأغطية، و القلق بشأن وجود حشرة بقّ الفراش.
  • شراء بطاقة يا نصيب دون التحسّر بضياع أموالنا عليه.
  • عدم الإفتراض أنّ والدتي قد أخطأت في سكّر قهوتنا عندما نشرب القهوة معاً.
  • إستغلال الليالي التي نشعر فيها بالأرق لربط خيوط السجادّة بدلاً من مراجعة كلّ خطأ إرتكبته في حياتي، أو إرتكبه أبي في حياته.
  • أن يسمح لي أبي بالركوب على الحصان دون أن يقلق أنّني سأقع منه على الأرض.
  • أن أعدّ لأبي طعاماً دون أن يسخر من طريقة إعدادي، و أن يتناول الطعام الذي أعددته دون أن يعيبه قائلاً: "كأنّك نسيتي الملح!". 
  • الذهاب إلى الحفلات المقامة في الرياض معاً دون التوقّع بأنّنا سنكرهها لاحقاً.
  • أن يذهب أبي إلى عمله دون أن يقلق بشأن ما لم أتناوله اليوم؟.
  • الخروج تحت المطر، و أنا مؤمنة بأنّ سيارة أبي ستظهر أمامي خلال ثوان.
  • إن أخبرني أبي: "ستتجاوزِ هذه المشكلة" لا أجيب عليه بـ: "و ماذا لو لم أتجاوزها؟".
  • النظر إلى صور أسلافنا القديمة دون أن نعتقد بأنّ أفضل أيامنا أصبحت خلفنا.
  • لمرّة واحدة أيضاً، أجرّب أن أتعلّم قيادة السيارة مع أبي مجدداً”.

عندما يبدأ النّاس بصنع قائمة للأشياء التي يريدون فعلها قبل الموت، تساءلت نفسي قائلة:

 "هل يفكّرون فعلاً في أنّهم قد يموتون غداً؟".

و أنا أعدّ القائمة، لم يحفّزني التساؤل هذا لفعل أيّ شيء آخر، لذا حاولت أن أكتب قائمة بالأشياء التي أهتمّ لفعلها مع أبي قبل أن أموت أنا، و لكنّه مات، و لم أصل أنا إلى أيّ نتيجة، كلّ الذي أردته عزيزي القارئ هو شهر واحد فقط لا تسوء فيه الأمور، و لكن هذه أمنية، و ليست نشاطاً يمكنني فعله، و مشكلة أيّ قائمة أكتبها عزيزي القارئ، أنّها تصطدم بالسؤال نفسه: 

"ما الفائدة؟".

و لكن رغم هذا ظننت أنّ هنالك أشياء على المتشائمين أمثالي أن يجرّبوها على الأقل مرّةً واحدة، حتّى لو كان ذلك لغرض تأكيد رأيهم بأنّه لا فائدة من أيّ شيء آخر.
لم أتحدّث بشأن القائمة لأحد، حتّى لصديقي المفضّل، و كأنّ الكلمات أصبحت مضطّربة بداخلي، الكلمات تحترق، و تخمش، و تدفع، و تسحب عزيزي القارئ، الكلمات تريد الحرّية كما يريدها المرء أحياناً، الكلمات تشتاق لخطر الحواف، الكلمات لا تهتمّ بأحد، بإمكاني أحياناً أن أقيّدها، و أصبح أستاذة أتحكّم في قوتها، و لكنّي في الغالب أسقط أمامها، و أصبح تحت رحمتها، الكلمات كائنات حيّة تتنفّس، و تعيش، و هي وحدها من تسيطر على كينونتها، علينا أن نفسح لها الطريق لتحيا خلالنا، و تحوّلنا إلى أشخاص جدد.
أردت الكتابة عن القائمة مبكّراً عندما لم أستطع أن أتحدّث عنه لأحد، فالكتابة هي القوة الأكثر تأثيراً علينا، إنّه الإنشطار اللانهائي للروح الخالقة، و لكن هنالك أشياء من الصعب الكتابة عنها، فعندما تتعرّض لتجربةٍ ما عزيزي القارئ، و تذهب، و تحاول أن تكتبها، فإمّا أن تبالغ في وصفها، أو أن تقللّ من قيمتها، إمّا أن تضخّم الأجزاء الخاطئة، أو تتجاهل الأجزاء الهامّة، و في كلّ الأحوال لا تنجح أبداً في كتابتها بالطريقة التي تريد.
هناك الكثير أيضاً مثل القائمة لم يتم التحدّث عنه مع أحد إطلاقاً، و بقي في الداخل يشطّره الألم إلى نصفين، أعلم نفسي جيّداً أكثر من والدتي لا أستطيع التحدّث مطلقاً عن الذي لا أستطيع التحدّث عنه، فعلى الأقل سيبقى بداخلي حتّى أستطيع الكتابة عنه يوماً ما بالطريقة التي أريد.
يتحاور معي أبي كثيراً في أحلامي عزيزي القارئ، و إن قلت لك عن ماهيّة الأحلام فلا تصدّقها، و لكنّه يقول لي: 

"أنا هنا بجانبك".

تشعرني الثلاث الكلمات منه بالسكينة حين أتخيّلها تخرج منه على هيئة حروف دافئة كما إعتاد أن يقول لي سابقاً، تطرد لعنة الخوف منّي عندما أرتجف دوماً من أثر كلمات أسمعها كثيراً ممّن هم حولي الآن، و أعتقد أنّه لا تُقال إلا من كلّ محبّ صادق.
أو يقول لي: 

"لا تبكي الآن أمامهم، تمالكِ نفسكِ جيداً، و أصمدِ أمامهم قدر إستطاعتكِ، لا تجعلِ أحداً يراكِ ضعيفة، أعلم تحديداً عدد الخيبات التي واجهتيها، و عدد الأيادي التي لم تتوقعِ إفلاتها، والصدمات التي ظننتِها ستمّر مرور الكرام خفيفة، و لكن مازال في الروح باقي أثرها، أعلم عن إبتسامتكِ المُزيفة، و "أنا بخير" التي تكذبين بها، و "غداً أجمل" و أنتِ تخشين أن يأتي غداً.
أنا لا أنهاكِ عن البكاء مطلقاً يا إبنتي، فالحجارة تبكي، و الشجر، و الدواب يبكون أيضاً، لكنّي أريدكِ قوية، عزيزة بين الخلق، الذين لم يحسنوا في قلوبهم ضيافتكِ، أو بخلوا عليكِ من إصراركِ، الذين وهبتيهم كلّ ما تملكِ بلا تفكير، و هم بكلّ السبل منعوا عنكِ ما كنتِ تستحقِ.
إبكي الآن إن كنتِ في حجرتكِ وحدكِ، إبكي الآن قدر إستطاعتكِ".
أو يقول لي:
 
"أؤمن بكِ كثيراً، و أثق بكِ كثيراً أيضاً، فأرى فيك قوة جدتك "زيادا"، و شجاعة عمّكِ "سامي"، و إصرار محاولة "أبيكِ"!، يجتمع فيكِ ثلاث خصال، أو ثلاث آمال، أو كما أفضّل أن أقول دائماً: مثلّث النجاح!.
أؤمن أنّكِ تستطيعِ على ما تريدين، لأنّ منذ نعومة أظافركِ اجتمع بكِ ثلاث خصال فريدة من ثلاث أفراد فريدين وسط أقراننا، و أسلافنا سابقاً".
أو يقول لي مثلما قال لي آخر مرّة عندما رأيته في حلمي:

"أنا أيضاً أريد التحدّث معكِ إبنة أمّي، ربما لن يكون في منزلكِ على طاولة طعامكِ، و أنتِ تشربين الشاي ذات مساء، ربما سيكون على مقعدكِ، و أنتِ في الثالث و الستون من عمركِ مثلي، أيّاً كان هذا الوقت، أريد أن أقول لكِ هذا:
  • أحبّكِ يا إبنة أمّي.
  • لم يسبق لكِ، و أن خذلتني أبداً.
  • أعلم، ربما ستتساءلِ بسبب ندائي لك بإبنة أمّي، و ذلك لأنّني لم أحبّ أحداً مثل أمّي، و لم تحبّ أمّي إبناً من أبناءها الثلاث الباقيين مثلما أحبّتني، فأنا أحبكِ مثل حبّنا لبعضنا أنا، و أمّي.
  • و إياكِ أن تضايقِ إبنتي الرابعة، الذي كلَينا يعلم تماماً مَن هي، إياّكِ على إبنتي الرابعة يا إبنة أمّي.
أريد أيضاً أن أشكركِ لعدم خذلانكِ لي، لوقوفكِ بجانبي على الرغم من حبّكِ العظيم لوالدتكِ، أريد أن أشكركِ على حبّكِ لي أيضاً، هذه وصيّتي إلى إبنة أمّي ذات الثالث و الستون عاماً، ستظلّين عصفورتي المفضّلة لديّ، الحياة ليست سهلة، إنّها موحشة بشكل فظيع أعلم ذلك.
و الآن عليكِ أن تعلمِ هذا أيضاً أينما كان المكان الذي تتحدثين لي منه دائماً:
لقد حظيت بحياة لا بأس بها، و حظيت بإبنة من زوجتي كما سعيت لها طيلة حياتي، و لكنّي حزين أنّنا لسنا بجانبكِ لترينها كم أنّها جميلة مثلكِ، عشت حتّى أقصى حدود الحياة، و أنتِ أيضاً إبنة أمّي، عليكِ أن تعيشِ حتّى أقصى حدودها، حتّى ذروتها.
أحبّكِ إبنة أمّي ذات الثالث و الستون عاماً، أحبّ ما تفعلينه مع حلوتكِ المصاصّة، و أحبّ ما تشعرين به عندما تفكريّن بي، و أحبّ ما أنتِ عليه الآن بدوني.
كوني إمرأة لذاتكِ، إنتمّي لأولئك الذين تحبّينهم، فستجدينني بينهم حتماً، تحدّثي إلى أسلافنا أو تحدّثي إلى قلبكِ فأنا في كليهما إذا إحتجتِ إليّ".

و هكذا توالت الأحلام خلف بعضها البعض حتّى أصبحتُ هابطة في دوّامة جنون الأحلام الذي لا تصدّقني والدتي إن تفوّهت بشيء لها.
أشتاق إليه عزيزي القارئ كلّما رأيته في حلمي يقول لي مثل ذلك، و أكرهه لأنّه تركني بين والدتي التي لا تخرس عن لوم أبي إلى يومنا هذا، و شقيقتي التي تتهّم أبي كلّ مرّة في دمار حياتها، و شقيقي الذي يجري خلف مداهمة منزل أبي التي في الأعلى، أكرهه لأنّه كان شديد القرب منّي قبل أن يموت، و الذي أصبح الآن يلاحقني بكلمات كهذه، كلمات لا أملك أيّ خيار أمامه سوى أن أصغي له، و أنفذّه، فلقد كان معلمّي، دليلي، كاتم سرّي، مكّوني التي شكلّني كما شكّل الإله آدم.

حاولت كلّ مابوسعي أن أتعافى من صدمتي خلال مدّة وجيزة من الوقت، أو خلال سنة مثلاً، و لكن لم أستطع، و لا أظنّني أنّني سأتعافى عزيزي القارئ، فكلّ يوم أشعر أنّني سمعت خبر موته في الأمس، و ليس قبل 365 يوماً.
و التعافي بالنسبة إليّ يعني قدرتي على زيارة الأماكن التي هجره أبي بعدما رحل عنّا، التعافي يعني قدرتي على بدأ علاقات جديدة بعدما خذلني العلاقات القديمة، يعني أن أمتلك طاقة جديدة للحبّ، و الطمأنينة، و أن أكون على إستعداد أن أضحي، و أتنازل دون خوف أو قلق، التعافي يعني أن أستطيع مواجهة الذكريات، الموسيقى، و الصور، و الأشخاص دون أن أعاتبهم أو أن أشعر بالغصّة في قلبي أو أن أشعر بالحنين لهم، التعافي يعني أنّني أصبحت أفضل، و حافظت على ما تبقى منّي.
ما زلت أكذب على بعض الأصدقاء الذين يسألون عنّي بين الحين، و الآخر حين أجيب عليهم بأنّني ما زلت أتعافى من موت أبي، فلا يعاتبونني، و لا يتهمونني بالمبالغة مثل عائلتي.
أنا أحاول دائماً عزيزي القارئ، أحاول مثل أبي تماماً لأنّي أريد أن أكون أفضل لنفسي، لأنّ الإضطرابات التي أعاني منها الآن تؤلمني، و تجعلني عاجزة على تعديل مزاجي، صدّقني عزيزي القارئ، أنت لا تعرف قسوة أن ينهزم المرء من الأشياء التي دافع عنها طوال الوقت، أنت لا تعرف قسوة محاولاتك للحفاظ على نفسك أمام ظروف، و أحداث كفيلة بأن تجعلك شخصاً آخر.
و لأنّني لم أتعافى إلى الآن أتمنّى لو أستطيع الذهاب إلى مكان أحظى فيه بغيبوبة إصطناعية، مهلاً هل هذا خاطئ عزيزي القارئ؟، فقط لعدة أيام، سأتمكّن بعدها من الإستيقاظ، و أنا أشعر بالراحة، و الإنتعاش، و سأخسر بعض الوزن أيضاً وقت غيابي عن الوعي، و ستذهب عنّي هذه الدوائر السوداء أسفل عيني، سيكون الأمر أشبه بعطلة، ربّما عدة أيام ليست كافية، الآن بدأت أفكّر في الأمر أكثر، لن أمانع لو دخلت في غيبوبة لمدة شهرين كاملين، و ليكن شهر شوّال من كلّ سنة هجرية -الشهر الذي مات فيه أبي- و شهر آيار من كلّ سنة ميلادية، أريد أن أفقد الوعي طوال الشهرين.
هكذا سأتفادى عيد الفطر، و بعد إنتهاء شهر شوّال، و آيار سأستيقظ لأسأل عن الأشياء التي حدثت في غيابي، هل قام أحد بدفع فواتير هاتفي؟، هل قامت حجرتي بتنظيف نفسها؟، هل طُرد جارنا العراقي من العمارة؟ حسناً، ضعوني في غيبوبة أكثر من شهرين، ستكون الغيبوبة طريقة جيدة لتوفير المال أيضاً، من المستحيل أن أقضي يوماً واحداً، و أنا مستيقظة دون أن أذهب إلى جهاز الصراف الآلي، و لكن إن كنت في غيبوبة سألتزم بالميزانية، لن أستخدم هاتفي، و ما سأوفره من تكلفة الطعام، و شراء الأحذية بإمكاني وضعه ليسدّ التكاليف الطبية لي في المستشفى.
بإمكاني أيضاً أن أجعلهم يقومون بخلع ضرسي، و تصحيح نظري بواسطة الليزر بينما أنا فاقدة للوعي، سأستيقظ، و قد تخلصت من الألم المزعج، و حصلت على قوة نظر مثالية، أظنّني أريد الإستمرار في الغيبوبة أكثر عزيزي القارئ، لأجرّبها لخمسين سنة، لا تبدو هذه فكرة سيئة، سأستيقظ في الوقت المناسب تماماً لأموت.
بالنسبة للبعض الجزء المفضل في الغيبوبة هو التي يستيقظون فيها، حين تقوم بفتح عينيك، و تجد نفسك محاطاً بأصدقائك، و عائلتك، و الجميع يبكي من شدّة الفرح، و لكن في حالتي، من سيسهر طوال الليل بجانبي؟، و فقط التفكير في أمر كهذا يجعلني أفكّر بطريقة لأموت، و أذهب إليه.

أشعر به عزيزي القارئ، فهو يريدني حيّة لا أموت، يريدني على قيد الحياة، يريدني أن أنتمي، و هذا ما يعنيه لي في الأحلام الذي هبطت في دوّامة جنونها، و لكن جميعنا مهما بدا منتمياً لمكانه، و بيئته، و مجتمعه إلا أنّه قد كان في وقتٍ سابق تائهاً لا مكان له، العالم كما يقول بودلير:

"ليس إلا مستشفى ضخم يريد جميع من فيه تغيير أسرّتهم".

يريدني أبي أن أحبّ النّاس مجدداً، و أتخذ الكثير من الأصدقاء من النّاس، و لكن لا يعلم أنّني بتُ أنظر للنّاس كثيراً دون الشعور بالحبّ إتجاههم لكن لا أتخذ الكثير من الأصدقاء منهم، لذا بالنسبة إليّ أصبح هناك حاجة ماسّة للوحدة من بعد رحيل أبي لأنّ يوماً ما إعتدت أن أكون إبنة أمّه من بين جميع أبناءه، و فتياته، أمّا الآن فلا أملكه لأتباهى معه أمام أبناءه، و فتياته كما اعتدت سابقاً.
تحديداً بعدما مات أبي عزيزي القارئ عرفت حينها ما هو الحزن، و ما أقصده هو الحزن الحقيقي، و ليس أيّ حزن نشعر به، و نتفوّه به عندما نتضجّر من ضياع هاتفنا مثلاً، عرفت كيف يتحرّك الحزن في الجسد، و كيف يسكنه، و كيف يصبح جزءاً من بشرتي، و خلاياي، و يتخذ لنفسه موطناً هناك، موطناً دائماً حتّى، لكنّني بشر، و البشر يعتاد على العيش مع تلك الحزن، و هذا أكثر حزناً من الحزن الحقيقي عزيزي القارئ، و يشعر بالسعادة مجدداً، رغم أنّها لن تكون كالسابق، لكن هذا هو الهدف، أن نواصل البحث عن دروب جديدة مثل الحبّ، و العمل على سبيل المثال، أظنّ أنّهما الشيئان الوحيدان اللذان يحدثان لنا حقاً، أليس كذلك؟. 

بالنسبة لك عزيزي القارئ ربما ستقف، و يقودك التفكير أنّك قد تنجح في كتابة حدثٍ ما مذهل، سيدهش كلّ من سيقرأه كما كتبت أنا، و أدهشك كتابتي في "هابطة في دوّامة جنون الأحلام" و لكنّي سأختصر عليك الطريق، لن تتمكن من فعلها إن كنت تتبع وصفة صحيّة تقودك للسعادة، ما يجب عليك فعله هو أن تدع ذاتك الطفولية جانباً، و تتصل بروحك المعذبة بدلاً منها.
فكّر قليلاً عزيزي القارئ، هل كان بإمكان كافكا أن يكتب "المسخ" لو كان مشغولاً بتناول وجباته الصحية، و التمرّن يومياً لماراثون ما يريد المشاركة به؟، هل بإمكان فيرجينيا وولف أن تكتب "إلى المنارة" لو كانت تذهب إلى حصص الزومبا، و تخلط عصائر الفواكه كلّ صباح؟، لا، الحقيقة هي أنّ الأدب العظيم يحتاج إلى معاناة عظيمة.
عد إلى جذور الأعمال الأدبية عبر التاريخ، و ستجد الألم بإنتظارك، و لمساعدتك في خوض هذه الرحلة، سأعدّد لك أمثلة بإمكانك حفظه، و تذكّره دائماً:
كقصّة كارثية حدثت لك في الطفولة مثلاً، أو زواج تعيس، علاقة تعيسة؛ فالعلاقة الخاطئة بإمكانها أن تحولك إلى مخبول، أو تعاطي المخدّرات مثلاً؛ فلا تفكّر حتّى أن تكتب دون أن تنغمس في تعاطي المخدرات، الدين مثلاً، أو الرفض؛ فلا شيء يعذّب الروح أكثر من الرفض، كذلك الأمراض؛ فلا أحد يريد أن يصاب بالأمراض، و لكنّه سيساعدك حتماً للوصول إلى الوصف الأعلى لذاتك الإنسانية المعذّبة.
هذا كلّ ما لدّي عزيزي القارئ، إذهب الآن، و أكتب، و أجعل من العذاب ربّة إلهامك.

لم أستطع توديعك بشكل يليق بحبّك لي عزيزي أبي، لكن أستطيع أن أقول لك:

"لن أقايض حبّك بألم النسيان، فأنا مستعدّة أن أعاني من جميع أنواع آلالام في هذا العالم، أو أن أصاب بلعنة الزهايمر، و لكن لن أقايض حبّك مقابل ألم النسيان، و أعدك أن أظلّ هكذا حتّى أراك قريباً يا أبي، فأنا واثقة من أنّه بطريقة أو بأخرى، سيجمعنا الحياة مرّةً أخرى".

تعليقات