قُبح الإخوات حزيران و تمّوز
لا أجدني مهتمّة في معرفة سبب وجودنا على هذا الكوكب، أقصد أنّني مهتمّة، و لكن لا فائدة من إهتمامي، فأصاب بالقلق في كلّ مرّة، و أبحث جاهدة عن تفسيرات مُقنعة ثمّ ينتهي بي الأمر مؤمنة بنظرّية أحدهم كي يغنيني هذا الإيمان عن التفكير، و لو لبعض الوقت، أظن أنّ علينا مواجهة أسئلتنا عزيزي القارئ، علينا أن نطاردها، و نقتلها، و إلا سوف تعود إلينا، و تطاردنا مجدداً.
بلا شك نميل أحياناً لإستخدام كلمات مثل: "رحلة" أو "طريق" لشرح ما نفشل في فهمه، و هذه طريقة ناجحة إلى حدٍّ ما، لأنّها أقرب ما يمكن أن نصل إليه لوصف ما بدواخلنا.
عندما قرأت رواية الكاتب باولو كويلو "الخيميائي" شعرت بأنّني إستنشقت أسطراً من دخّان جنّية ظهرت للتو، و هذه المجازات عزيزي القارئ تنجح عندما نفشل، و لكن رواية باولو كويلو ليست قصّة حياتي، و بعد مدّة سيتلاشى الأثر الذي تركته قراءتها في نفسي، و أعود مجدداً إلى حياتي الممّلة.
نقوم في غالب الأحيان بالمساومة، و نرضى بأنصاف الإجابات، لأنّنا لا نملك غيرها، إنّها تعطينا الحيّز الذي نستطيع أن نخزّن فيه كلّ مخاوفنا، و شكوكنا، و تساعدنا على أن ننام ليلاً.
أمّا أنا فلا أريد أن أنام في ذلك العُش، لا أعرف ما هي مُهام النجوم في الفضاء، و لن أعرف أبداً، و لكنّني أعرف شيئاً واحداً؛ عندما أجلس، و أتأمّل دفتري لأبدأ بالكتابة، لا أعرف عن ماذا سأكتب، و لكنّني أملك فقط إيماناً بقدرتي على الإتيان بكتابة مُقنعة، و قبل أن أبدأ بالكتابة أدرك أنّني لا أملك قلماً لائقاً للكتابة حتّى، لذا أذهب إلى مكتبة “ilim kırtasiye” و أبتاع دفتراً جديداً للكتابة، و قلماً بعشرة ليرات، إنّه رأس مال صغير يبدأ به أيّ كاتب إستثماره عزيزي القارئ.
و كلّما أنتهي من كتابة موضوع معيّن، لا أعرف ما الذي أفعل به لاحقاً، لذا قررت أن أبحث عن قائمة من المدونات البسيطة على المتصّفح لتنزيل كتاباتي كلّ واحدة على حدة، و أخيراً وجدت مدّونة بعد إصرار -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- و -صديقي الحميمي- فبدأت أقوم بجمع كتاباتي المُبعثرة من كلّ مكان، و بدأت بتنزيلها على المدونة، و كلّما كنت أقوم بتنزيل كتابة كنت أقوم بتنزيلها دون أن أحتفظ بنسخة منه لنفسي، و لم أكن مهتمّة لأمره إن لم يقرأه أحد من أصدقائي غير -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- فهو الوحيد الذي يقرأ كتاباتي على الدوام مرّةً تلو أخرى دون توصيةً منّي حتّى، و كمّ أحبّ إهتمامه الحميمي تلك عزيزي القارئ.
في كانون الأول الماضي إستقبلت محادثة شيّقة من -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- يخبرني فيها أنّ مدونتي وصلت إلى أصدقاء أصدقائه، و دون إستيعابي لما قاله وجدت نفسي أحد أهمّ الكتّاب بنظري، كنت مندهشة بما قاله لي، و حسب.
عندها قمت بالخلق، و الصنع، عندها فقط شعرت بأنّني حيّة، و لم أهتم لأسئلة الكون الكبرى، و لا أيضاً للظروف التي تجعلني عاجزة، و محدودة، قمت بالكتابة، و حسب، و شيء بسيط كالكتابة لم، و لن تُصيبني بالقلق قط، فكم هو سهل أن تكتب عزيزي القارئ لتعطي الأمل لقرّائك، و كم هو صعب أيضاً أن تعيش فعلاً حياة بإمكانها أن تحدث فرقاً.
لقد إستمتعت بالطريقة التي كنت، و ما زلت أكتب فيها حتّى هذه اللحظة، و لكنّني لست مُقتنعة تماماً بها، فكنت أختلس الساعات، و أسرق الوقت حتّى أتمكّن من الجلوس، و الكتابة، و لم يسبق لي أن قمت بالكتابة، و أنا في كامل تركيزي، فمشكلة أخرى ظهرت أمامي بمجرّد سؤال تساءلت به نفسي:
"كيف بإمكاني أن أحافظ على صحتي النفسيّة ثمّ لياقتي بالجلوس، و الكتابة فقط؟".
فسابقاً، و تحديداً في أيلول الماضي كنت أجد صعوبة في عدم القدرة على التحدّث مع أيّ شخص لأنّني ما زلت لا أعتقد أنّ أيّ شخص يفهم ما كنت أعاني منه، كنت أشعر أنّني لا أعرف نفسي لأصف نفسي بكلمات مختارة تحديداً، كنت خائفة من الإستيقاظ، و كارهة جداً لصوت المنبّه، و منزعجة كثيراً من رؤية أشعة الشمس صباحاً، كنت أشعر أنّ إستيقاظي من النوم هو صراع لا أستطيع الإستمتاع به أبداً، كنت لا أحبّذ مواجهة أيّ شخص في اليوم، كنت أشعر بثقل الجهد الشديد الذي أبذله في إظهار الجميع بأنّني بخير، كنت أشعر بالإرهاق للغاية عندما كنت أستمر في إعطاء الطاقة، و الإبتسامة للأشخاص، كنت أشعر أنّني قبيحة، كقبح الأخوات شهريّ حزيران، و تموز الذي لا أطيقهم.
و قبل أن أعاني، و أثناء الوقت الذي كنت أعاني بكلّ ما سبق، و قلته في الأسطر السابقة، تمنّيت أنّني علمت ما كان يجري بي من البداية، تمنّيت على الأقل لو صادفت شخص يعلم ما كنت أمرّ به، ربّما كان سيجعل العملية برمّتها أسهل بكثير.
لذا "الإتصال الروحي بالجسد" كان أحد التمارين الذي قمت به، و له العديد من نقاط القوّة، أوّلها أنّك لا تحتاج مساعدة من أحد للقيام به عزيزي القارئ، و لا تحتاج لمعدّات خاصّة أيضاً، لا يلزمك أن تذهب إلى مكان معيّن للقيام به، و طالما أنّك تمتلك رغبة في الإتصال بجسدك، و هدف طويل المدى للتعرّف على ذاتك، و جسدك، فإبمكانك فعلها حتّى تغمر قلبك النشوة، و بمجرّد ما قمت بتلك التمارين ساعدني ذلك في تسهيل التعامل، و معرفة إسم المصطلح الذي كنت أعاني منه سابقاً.
هكذا أصبحت حياتي الجديدة عزيزي القارئ، أستيقظ ظهراً بعد الساعة الثانية، و أخلد للنوم قبل الساعة السادسة صباحاً، لطالما كنت شخصاً لا يستطيع التركيز إلا في الليل، خاصةً قبل بزوغ ساعة الفجر، أستمر بالكتابة بعد إستيقاظي ثمّ أقوم بإتصال روحي بجسدي، أو أقوم بأيّ أعمال أخرى لا تتطلّب منّي تركيزاً، و في نهاية اليوم أسترخي، أستمع إلى موسيقى هادئة بينما أقوم بالتأمّل، أو أقرأ كتابٍ ما، أو أقوم بمتابعة فلمٍ ما، و لحظتي المفضّلة أثناء القراءة، أو متابعة فلم أنتظر مشاهدته هو حين يأتي جزء أو مشهد رهيب جداً، يذهلني، يجعلني أقفل الكتاب قليلاً، أو أوقف المتابعة، و أدخل في لحظة تأمّل صامتة حتّى أتذوّق، و أقف في حرَم الشيء المُبهر الذي مررت به.
و بفضل هذا النظام إستطعت أن أتعرّف على ذاتي أكثر خلال خمس الأشهر الماضية، إنّه نظام لا يسمح لي بحضور الزفاف، و الحفلات، أو الإستمتاع بالحياة الليليّة مثل عائلتي، و أصدقائهم، إنّه نظام يثير المشكلات بيني، و بين مَن هم حولي، و أرى أنّ لا بأس في إثارة المشاكل مع مَن هم حولي إذا كان على سبيل راحة صحّتي النفسيّة.
يشعر النّاس بالإهانة عندما أرفض دعواتهم مرّةً بعد أخرى، و لكنّي شعرت أنّ العلاقة التي يجب أن أحرص على بنائها، ليست علاقتي بشخص معيّن بل علاقتي مع نفسي، ثمّ علاقتي بعدد غير محددّ من القرّاء، فقرّائي سيرحبّون بأيّ أسلوب حياة أتخذه، طالما أنّني ملتزمة بتحسين كتابتي في كلّ مرّة أكتب، أليس هذا أهمّ واجب لي ككاتبة عزيزي القارئ؟، فلم أرى أوجه قرّائي، و لم أتعرّف عليهم شخصيّاً أيضاً، و لكنّي أعتبر علاقتي معهم أهمّ ما يمكن أن أقضي حياتي لأجله بدلاً من مُطاردة القيل، و القال الذي يجذب المجتمع الذي أعيشه.
عندما بدأت بالإتصال الروحي بجسدي لأولّ مرّة لم أتمكّن من القيام بالتمارين لدقائق طويلة، كنت أتمرّن لعشرة أو لعشرين دقيقة فقط لأجد نفسي بعدها مرهقة يكاد قلبي أن يتمزّق من سرعة ضرباته، و أشعر بقدميّ، و هما ترتجفان، لم أتمرّن منذ وقتٍ طويل عزيزي القارئ، و في البداية كنت أشعر بالإنحراج حين تشاهدني والدتي أو شقيقتي، أو حتّى سكّان الحيّ أتمرّن في ملابسي الرياضية لكنّي حين تابعت أتصل بجسدي أكثر بدأ جسدي يتقبّل الفكرة، بدأت بالوصول إلى بنية العدّاء، و إستطعت التنفّس بصورة أفضل، و شعرت بإستقرار نبضي، لم أكن مهتمّة بالسرعة أو المسافة التي أقطعها بالقيام بالتمارين، فكلّ ما يهمّ هو أن أتصل بجسدي، و أشعر به كلّ يوم دون فشل.
و بالرغم من أنّ القيام بالتمارين لدقائق طويلة هو ما يناسبني فعلاً، إلا أنّني بالطبع كنت أواجه بعض الأيّام حين أشعر بعدم الرغبة في الخروج من حجرتي، في تلك الأيّام كنت أحاول العثور على كلّ الأعذار الممكنة لكي لا أتمرّن، و تفرغّت في تلك الفترة للكتابة جيّداً، و ليس أيّ كتابة فحسب، فكنت أتساءل:
"ما معنى أن نمّجد الكلمات التي تلهم القرّاء في حين أنّ الكتابات الذي قمنا بكتابتها ليس دليلاً حيّاً على الطاقة المنبعثة منها؟".
أريد أن أعيش التجارب عزيزي القارئ، و أريد أن أكون محاطة بأشخاص من هذا النوع أيضاً، و لكن أين هُم؟، لا أراني قادرة على إيجادهم، لا يبدو أنّهم مهتمّون بنشر أفكارهم في صفحات دفاترهم، و لا يبدو أنّهم يبحثون عن الشُهرة من خلال كتابتهم أيضاً، إنّهم يجلسون الآن في قمرة ضيّقة في مكانٍ ما، مشغولون بشؤونهم الصغيرة، و لا تبهرهم كلماتي أحياناً.
و لكن أنا أكتب لأفهم ذاتي عزيزي القارئ، أكتب لأفهم شيئاً صغيراً عن ذاتي ثمّ أقوم بتغيير بسيط لأصلحه، أو أبتلع كبسولة القبول، و الرضا، و أقتنع بأنّه أحياناً عليّ قبول عيوبي كما هي.
أستخدم الكلمات للإختباء، و لكنّني توقفت عن الإختباء منذ زمن، و أستخدمها الآن لأعرف مَن أنا، أريد حين أقود سيارتي، و أقوم بتعديل المرآة الجانبية أن ألمح عيني، و أكون متأكدة بأنّني أنظر إلى عين شخص حقيقي.
عندما ولدت لم أكن أكثر الأشخاص ثقة في العالم، بل أنّني كنت أكثر أقراني شكاً، و خوفاً، و قلقاً، و أن أعيش في اللحظة عينها، هذا غريب، و صعبٌ عليّ، لم أشعر أبداً بعلاقة قويّة أو صادقة بيني، و بين الأشياء من حولي، فقلقي كان عظيم، قد أزهق أيّاماً كاملة، و أنا أفكّر في أشياء تافهة، و أحياناً كنت أكره الإنتظار عند إشارات المرور؛ إنّها مضيّعة كبيرة لوقتي أكثر من السائق الذي يقود حتّى، يؤلمني صدري حين أقضي وقتاً طويلاً لإنتزاع فكرة من عقلي كي أراها حيّة أمامي في العالم، و أوشك حينها أن أنتزع قلبي معها إن إستطعت.
الأشياء لا تؤثر فيّ، بل تسحقني، فأنت عزيزي القارئ لا تقبّل شخصاً من أعماق قلبك إلا لمرّةٍ واحدة، أمّا ما بعدها فإعادة لما قد كان، لا توجد إشراقة بإمكانها مضاهاة إشراقة التجربة الأولى، أقضي كلّ أيامي الآن، و أنا ألقّن نفسي مثل هذه الدروس، بينما بإمكان درسٍ واحد فقط أن يُغنيني عن كلّ هذا، أن أكون حرّة حتّى في كتاباتي عزيزي القارئ، فكلّ ما تعلّمته عن المسؤوليات، و الواجبات يشعرني بالضجر، لقد تعلّمت، و لُقّنت حتّى أصبحت الشخص الذي أنا عليه الآن، و إذا كان الخيار لي، فسأقضي أيّامي كلّها مستلقية على الأثات في صالة منزلي، أشاهد الأفلام، و أشعر بالشفقة على نفسي.
تساءلت نفسي قائلة:
"ككاتبة، كيف يمكنني ألا أشعر بأنّني منافقة؟".
إنّني أحاول جاهدة الوصول إلى إجابة مُقنعة، و أحتاج إلى الحرّية لفعل ذلك، فلا يمكننا أن نتعرّف على حقيقة أنفسنا أبداً بإتباعنا لكلمات غيرنا، بإمكاني أن أريك جانبين متناقضين من ذاتي عزيزي القارئ، و كلاهما حقيقي، أحدهما صادق يتمتّع بصّحة جيّدة، مهتم بالوصول إلى النجاح، و الآخر مُظلم، قلق، واقع في حبّ الظلام، و التجارب العاطفية المُهلكة.
بالرغم من تعددّ شخصياتي إلا أنّني أحبّ علاقتي بالقرّاء، و أغلب قرائي هو -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- أو إثنين من أصدقائه، و بإمكانهم الإنتظار في كلّ مرّة حتّى أنتهي من كتابتي الجديدة ليصلهم رابط مدونتي بعد حين، و هذا هو تعريف الوضع المثالي بالنسبة إليّ.
بغض النظر عن الكتابة أشعر بأنّني أستطيع الوصول إلى قدر معقول من الثروة خلال عام أو عامين عزيزي القارئ، و لكن بجدول مُنضبط، و إستعداد دائم للإلتزام، و بإمكاني فعلها كما يؤمن بي -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض-.
لقد رأيت الرصاصة التي يطلقونها عندما يضغطون زناد المسدّس في الأفلام، التي بإمكانها أخذي إلى الأرض الموعودة، فعيناي تحدّقان نحوها كلّما شاهدت أفلام مشوّقة، و أسناني تقضمها، و ليس بإستطاعة أحد إيقافي، و لكن عليك أن تعلم عزيزي القارئ قد أترك هذا كلّه خلفي، و أمضي لأحصل على لحظة مُرعبة واحدة، تلك التي أعيشها قبل أن أقبّل شخصٍ ما من أعماق قلبي للمرّة الأولى.
"والت ويتمان" أحد أعظم شعراء أمريكا، إدّعى أمام الجميع أنّه كبير، و أنّه إحتوى داخله على حشود لا نهائية من البشر، أظنّ هذا جميل، و إيقاعي، بيان ديمقراطي جذري، و شعري، وفير، و قابل للإختلاف عليه، أحببته عندما بدأت أتصل بجسدي من خلال التمارين، و أحبّه كنظرّية، لكن ماذا إن فشلت في هضم ماضيك الشخصي، و الثقافي، و القومي عزيزي القارئ؟، كيف تتعامل مع خطاياك، و إساءاتك، و الآلام التي سببتها للآخرين؟، ماذا تفعل بالجزء الذي تكرهه من نفسك؟، الأخطاء التي مازالت تطرق باب قلبك؟.
في الحقيقة عزيزي القارئ أنا أيضاً أحتوي على حشود لا نهائية، كاتبة في نظر بعض أصدقائي السابقين، و الحاليين، أُم متقاعدة لأبناء شقيقاتي، يصفني مَن يراني بإمرأة أكثر من فتاة، صديقة لكتب عريضة السُمك فقط، عدّاءة للوقت، فتاة شديدة التعاطف في نظر نفسي، و قاسية القلب بنظر مَن هم حولي، مهتمّة في ترشيد الروح داخل الجسد من خلال تمارين التأمّل، محبّة جداً لأغاني “Lana Del Ray” الذي يظنّها الكثير أنّها لم تعد مغنيّة متلألئة كالسابق، فتاة بنظر نفسي قام الآخرون بجرحها عن طرق المزح معها، و جرحت الكثيرين في حياتها أيضاً، فتاة أكثر قوّة ممّا تعترف بها، فتاة ضحّت بصحّتها النفسيّة لأجل الحفاظ على علاقات كان يجب أن تدعها تنهار، فتاة أفسدت علاقات كان يجب عليها القتال للحفاظ عليها، فتاة تحبّ نفسها، و تكره نفسها في آنٍ واحد.
إنّه توازن دقيق عزيزي القارئ، هذا الجهد لإحتواء الحشود ليس فقط -الحشود التي نحبّها- بل أيضاً تلك التي نريد حرقها، و الفتك بها، و لسنوات طويلة لم أستطع فعل ذلك، و الألم كان أكبر لأنّني لم أستطع.
بإمكاني أن أغفر، لكن ليس للجميع، بإمكاني أن أغسل أخطاء الآخرين، لكنّي أتعمّد في ترك أخطاء البعض متّسخة كتذكير لنفسي بما فعلهم بي سابقاً، أنا قادرة على فهم الأمر نظريّاً، أفهم أنّني يجب أن أسامح نفسي، لكنّي لا أفعل بعض الأحيان لذلك أنا عالقة في أخطاء الماضي بينما يمضي الجميع في حياتهم.
لذلك نعم سيد "ويتمان" أنا أيضاً أحتوي على حشود لا نهائية من البشر، لكنّي لوقت طويل من حياتي تمنّيت ألا أحتوي على أحد، تمنّيت لو كنت بسيطة، سعيدة، غير معقّدة، غير منتبهة للماضي، أتجاوز أخطاء الماضي بسهولة.
أمّا الآن أريد أن أعيد إكتشاف شعور الحبّ دون خوف، بإتجاه الحياة، و بإتجاه نفسي، و عاطفتي، و إرادتي -إرادة أن أكون ضعيفة، و هشّة- أريد أن أصل إلى أفضل التجارب في حياتي، أريد أن أطرد الخوف الذي أفسد حياتي، أريد إستعادة نفسي من الخوف، أريد أن أتبع حدسي -حاستي السادسة- و عن الحدس يقول فيودور دوستوفيسكي:
"حاستك السادسة، وشعورك بوجوب الإبتعاد، رغبتك بالصمت، و تراجعك عن الكلام، إحساسك الغريب بأنّ ليس عليك فعل هذا أو ذاك، هذه الأشياء لم توجد عبثاً، فإتبعها".
"ويتمان" عزيزي القارئ يفهم أنّ الحياة، و الفن، و المشاعر بطبيعتها فوضوية، و هذا القبول للفوضى كان نقطة تحوّل مركزيّة بالنسبة إليّ، الآن بفضل "الإتصال الروحي بالجسد" أعترف أنّ لي روحاً فوضوية، و عقلاً فوضوياً، و قلباً فوضوياً كذلك، أنا ممتلئة بالبهجة، و الهزيمة، أتأرجح بين النجاح، و الفشل، بين دموع السعادة، و دموع الحزن، بين أرض تهتز بالحبّ، و أعماق تتشقق بالوحدة.
أن تحتوي على الحشود لا يعني فقط أن تمثّل أوجهاً عديدة للجمال عزيزي القارئ، بل أن تمثّل أيضاً أوجهاً عديدة للخطأ، و الفشل، و السبب الذي منعني من فعل هذا في السابق هو لم أكن أجرؤ على الجلوس بهدوء في الفوضى، لم أكن أفهم أنّ الجمال ينمو بالتحديد بسبب الكسور، و التشققات التي نجرّبها، نحن نرتكب الأخطاء بل أكواماً من الأخطاء، حياتك التي تلونّها عزيزي القارئ يشبه بيكاسو -غير مكسور لكنّه متشقق- ننظر له بطرق مختلفة بناءاً على الزاوية التي نختارها، يبدو مربكاً في البداية ثمّ جميلاً كلّما بدأنا بتقبّل فشل الوحدة التي تتشكّل حينما نبنيه.
نحن لا نملك شيئاً سوى أنفسنا، لدينا الحق بأن نثري أنفسنا، نمنحها السُلطة، نثقّفها، نزخرفها، نشكّلها، نتجاوزها أيضاً، نحوّلها إلى ما نريد، أو نسيء معاملتها حتّى.
قد نمتلك سيارات، شقق، منازل، طائرات، دراجات، ملابس، مجوهرات، أو أثاثاً في المنزل، قد يكون لدينا على الورق عقود زواج، و رهن، وصايا، شهادات جامعية، و لكن إن إختفت كلّ هذه الأشياء لن يتبّقى لنا سوى ذاكرة باهتة تذكّرنا بأنّنا إمتلكناها ذات مرّة.
في الواقع، لا شيء ينتمي لنا فعلاً، قد نكون في زواجات أو علاقات حبّ، و لكنّنا لا نملك شركاءنا، إنّهم أحرار، لهم حرّية الحبّ، و حرّية الرحيل، إنّهم ليسوا بعضاً من ممتلكاتنا، نحن لسنا ملتزمين بالوفاء بهم أيضاً، لا توجد طريقة تمكّنك من الحفاظ على شيء يريد المغادرة، هل تفهم عزيزي القارئ؟، بإمكانك فقط أن تحبّ ما حولك بينما هو حولك فقط.
على سبيل المثال قد يكون لنا أبناء الآن أو مستقبلاً، لكنّهم هدايا من الله، و ليسوا أملاكًا، لهم حرّية الرحيل أيضاً في أيّ وقت، لا يمكنك إستغلالهم، أو إساءة معاملتهم، أو إثقالهم بطبقات من عقدك الإجتماعية، و الدينية التي لم تستطع حلّها سابقاً.
أعترف لك عزيزي القارئ أنّني لا أحبّ سياسة البشر في تعاملهم مع ممتلكاتهم، الطبيعة أعطت كلّ شيء لكلّ النّاس، كنّا حفاة، عُراة عندما ولدنا، و سنكون كذلك عندما نموت.
أريد أن أصبح حرّة، و بالنسبة إليّ الحرّية تعني التخلّي عن كلّ شيء، لن أتمسّك بأيّ شيء سوى ذلك الذي يبقيني حياً، لا أريد أن أمتلك سوى جسدي، عقلي، و زوايا روحي، أريد أن أحشو ذاتي بالحبّ، بالأمل، بالمتعة، و بالحزن أيضاً، بالتعاطف، و الرغبة، و أتوّج هذا كلّه بقُبلة، و كما قال دون جوان:
"عندما لا يملك المرء شيئاً ليخسره، يصبح شجاعاً، نحن مترددون فقط عندما نملك أملاً".
أو كما قال طاغور، إذا لم يعجبك مقولة دون جوان عزيزي القارئ:
"الحبّ لا يطالب بالملكية، بل يهبّ الحرّية".
فماذا عنك أنت عزيزي القارئ؟، هل بإمكانك فعلها الآن؟، إذا كنت تريد نصيحتي فأفعلها، إفعلها مع كلّ ما تملك، فلا تستطيع حبس نجمة تنتمي للسماء، لا تستطيع حبسها، و إلا ستضمر، و تموت أليس كذلك؟.
أسأل نفسك بعض الأسئلة كي تفهم نفسك أكثر في هذا الأمر:
"هل بإمكانك الآن ترك المسروق، المنسي، القديم؟، هل بإمكانك الآن التوقف عن التفكير في حبيباتك أو أحبّائك السابقين، و أصدقائك الذين رحلوا؟، هل بإمكانك ترك كلّ شيء عدا الحياة التي في داخلك؟، هل بإمكانك أن تطلقها حرّة برفق عندما تنفد رغبتها في التخفّي؟".
إذا إستطعت التخلّي فهنيئاً لك، و إذا لم تستطع أيضاً فهذا أمر لا يهمّني فإنّني أعيش الآن عزيزي القارئ، أتحرّك، أنمو، أتطوّر، أنا ألون روحي بشكل مستمر، و رغم الموت الذي أتى -كصديق قديم متشوّق لأخباري الجديدة- الذي سرق أبي منّنا بعد ليلة هانئة قضاه برفقة إبنه البكر، و زوجته، و أبنائهم الأربعة، أصبح غداً، و أتى يوم سعيد، و مُشرق قضاه في طريق طويل لزيارة أصدقائه ليُعايدهم في عيد الفطر ليذهب بعدها في النوم العميق الذي لا يستيقظ منه قط، كأيّ رجل أو إمرأة لا يريد من هذا العالم إلا مرضاة الله، و لا يأمل غير رضى الله فلقد أصبحت أحبّ جمالي المكسور، الآلام، الأخطاء، و السعادة، و الحبّ صنع شيئاً فريداً من قلبي.
أصبحت أتعلّم الجلوس على الألم، التكاثر في الحبّ، نحن جميعنا نملك أرواحاً زجاجية ملطّخة، جميلة ذلك التفاعل الفريد بين المشاعر المتناقضة، و الدوافع، و حالات الحبّ، و الندم.
عندما فهمت ذلك، إستطعت أن أغفر لنفسي، و هذا لا يعني عدم وجود ألم، لا بل هناك ألم، هناك دموع، هناك أخطاء، و هناك أيضاً حبّ الذات، و إبتسامات مخفيّة، و ضحكات أخيرة للروح مع -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- لا يوجد سبب للإنكار أو للبكاء هرباً من ذاتي، و من الأجزاء التي لم تعجبني في الماضي.
أنا المادّة الخام لعيش حياتي مليئة بالحبّ، و هذا يبدأ بي، لديّ الآن تقبّل جديد لذاتي، بجراح جديدة، ندوب جديدة، أنا أنضج عزيزي القارئ، أنا أنضج الآن.

جميل الكلام لامس مشاعري من اول جمله قرأتها 😭😭
ردحذفشكرا على قراءتك
حذف