فتاة عادّية
٢٨ آذار
فاتك عزيزي القارئ فتاة تظنّها ليست عادّية إذا عرفتها، لكنّها فتاة عادّية، ليست فتاة خطيرة أيضاً، و لا خبيثة، ليست مثيرة أيضاً، ولا غبية، إنّها فقط فتاة عادّية، تجرّ أيامها خلفها، و تزيح ستار الأرق عن عيناها، فتاة عادّية تتكلم بتلقائية، و عفوية، لا تهتم بمظهرها أمامك، و لا تتكلّف بما ترتدي، تقرأ لتضيّع الوقت لا لتبدو فتاة قارئة مثقفة، فتاة عادّية بملامح إعتيادية.
ربما لأنّك لم تعتاد على العاديّ، لم تستطع أن تجد مثلها بعد أن فقدت فتاة أخرى، ربما لأنّك معتاد على الغير عادّي، على التكلّف، و الخطط لإغرائك، ربما كانت هي آخر العادّيات التي تقابلهم عزيزي القارئ، الآن سوف تستغرق باقي حياتك في البحث عن فتاة عادّية يشبهها بعدما تنهي قراءتك، لن يفهم أحد كيف ستجد فتاة عادّية مثلها تماماً!، و لن يفهم أحد ذلك الكمّ الهائل من الدهشة التي تحمله هذه الفتاة العادّية!.
أعرفها جيّداً فكلّما إقتربت منّي شعرت أنا بالدفء، أنا من النوع البارد معها أحياناً لكنّها تجعلني أشعر، و كأنّي في إحدى صباحات أغسطس المُشرق في باريس، أعرفها جيّداً فلا تضع الكثير من مساحيق التجميل، و لا تحتاج لمجهود لتكون جميلة، يكفي فقط أن تبتسم، يكفي أن تكون طبيعية، طبيعية جداً لتجعلني أؤمن بجمال الأشياء الطبيعية الحقيقيّة التي لا تحتاج إلى أيّ تعديلات، كالشمس، كالقمر، كحبّات الندى، کنسیم عابر.
أعرفها جيّداً فليست بشاعرة، و ليست أفضل كاتبة على الإطلاق، لا تجيد إستخدام الكلمات الرومانسية، لا تكتب لي قصيدة كلّ صباح، و لا تتغنّى بإسمي في المساء، لا تعرف كلمات المواساة، لا تعرف كيف تتلاعب بالكلمات، لكنّها عندما تتحدّث تملأ قلبي بالحبّ، و الشغف.
هي فتاة عادّية، و ربما أكثر ما يميّزها هو كونها فتاة عادّية، فتاة لا تحتاج أكثر من كونها طبيعية، و ما أصعب أن يقع الرجل في غرام إمرأة طبيعية!.
في كلّ شيء صنعه الإنسان منذ العصور الماضية شيءٌ يعيبه عزيزي القارئ، الموسيقى مثلاً؛ مهما كانت هادئة تضّر الأذن أحياناً، الرسائل الغرامية؛ إذا أصبحت ذكرى تصبح كرسائل الموتى لا قيمة لها، الرقص؛ يتعب القدمين، الغناء؛ يؤلم الحنجرة، مساحيق التجميل؛ تفسد البشرة، و مهما أتقن الفنّان لوحاته على الطبيعة يبقى للطبيعة جمال خلّاب، و هي الطبيعة نفسها.
أمّا عن هذه الفتاة العادّية فهي اللوحة التي لا تحتاج لرسّام ليرسمها، و صوتها يكفي فقط أن تنطق بأبسط الكلمات لأسمع أعذب الأصوات، وحده النظر لملامحها الطيبة، الهادئة، يشعرني بالسكينة، و الطمأنينة، و الهدوء، يكفي فقط أن أراها أو أرى صورتها لتنطفئ ثورتي المُكبوحة في داخلي، و جنوني الكئيبة من أخلاق النّاس.
و كما قال علاّمة صيني لصديق له بعد حديث طويل دار بينهما، سأقول لكِ أنا أيضاً:
"حقاً إنّ التحدّث إليك ليلة واحدة أحسن من دراسة الكتب عشر سنوات".
و سأقول كما قال أيضاً:
"إنّ المتعة التي نحصل عليها في حالة العثور على متحدّث لبق، تعادل إن لم تزد على تلك التي نحصل عليها من قراءة مؤلف مبدع"
أعرفها جيّداً أيضاً، فهي فتاة تهدم كلّ أحزاني، و تحطّم كلّ جبال اليأس، و البؤس، ترسم الضحكة على وجهي الشاحب، و تلّون حوائط حجرتي الكئيبة بضحكتها، أعرفها كفتاة كلّما مال العالم إستقام على كتفها.
نادراً ما يتم تداول الحقائق عزيزي القارئ، لأنّ عادةً ما تنتشر الأكاذيب، لذلك من الصعب أن تعرف من أين تبدأ إذا لم تبدأ بالحقيقة، و بالنسبة إليّ سأبدأ من هذه الحقيقة، مثل من ناحية أخرى فتاتي العادّية تمتلك عادة سيئة للغاية عزيزي القارئ، تُريحها قليلًا، و لكنّ تبغضني كثيراً، و هي "الإختفاء المُفاجئ".
عندما يزعجها شيئاً ما تختفي عن الأنظار، بل تنعزل عن كلّ شيء، تنتابها رغبة في الإبتعاد عن الجميع، و مواجهة حزنها وحدها، و هذا لأنّها تُصاب بنوبات غضب، أعلم أنّ لا أحد سيتحمّل إختفاءها المُفاجئ، بل في الواقع تخاف أن تجرح أحد بكلمات لا تقصدها، و لأنّها لا تُجيد كلمات الإعتذار، تلجأ لعُزلتها، و التي تعلم أنّه سيُغضب مَن حولها لكن حينها لا تستطيع سماع حتّى صوت الهواء، و لكن مادام هذا يُريحها، و لن يؤذي من تحبّه ستتجه إلى الإختفاء المُفاجئ دوماً.
أمّا أنا فأظنّني أغفر كلّ شيء إلا الإختفاء المُفاجئ، الإختفاء الذي يجعلني أشعر بالهزيمة، و الخيبة، و الضُعف، حين أكتشف أنّني فشلت في ترك، و لو شيء بسيط، أو أثر طيّب في الذي رحل عنّي بغير عذر، و غاب بدون علّة، في الوقت الذي كنت أقدّم فيه كلّ ما في وسعي لشخصٍ ما؛ تمنيتُ بقاءه، و حتّى لا يغيب؛ أقدّم عمري في سبيل وجوده، و إستمراره معي، أبذل له، و أضحي من أجله، و أفعل معه ما يجب أن يفعله شخص يخشى الفراق أو الغياب، أقدّم رحمتي، و غُفراني، و تجاوزي عن كلّ شيء، حتى إذا أيقنت أن كلّ ما قمت به كان هباءً منثوراً، و أنّ ذلك الشخص أخذ منّي أكثر ممّا يستحق؛ فجعلت قلبي يتوقف عن الرحمة، و الغُفران، فأنا أستحق أن أُنتظَر لا أنتظِر، أن يُقلق من غيابي لا من أجل أن أحيا قلقاً على من يَغيب.
مهما حاولتِ الحياة صعبة يا فتاتي العادّية، أصعب من توقعاتنا، و أصعب من قدرتنا على الإستيعاب، أقدّر تماماً الظروف التي تحيط بنا جميعاً، و كمّ الصعوبات التي نواجهها كلّ يوم بالرغم من بساطة مطالبنا، و سعينا في الفوز بحياة هادئة،
أعرف أيضاً لحظات اليأس التي تراودكِ من حين لآخر، و السؤال الذي يجتاحكِ كلّ يوم، و أنتِ على سريركِ:
"ما قيمة ما نقوم به؟".
أعرف معنى أن تنقلب الحياة فجأة عليكِ، و كأنّ العالم في هذه اللحظة إتفق أن ينهال عليكِ بالأزمات، و يكلّف عليكِ الكثير من الضغوطات، و الصعوبات، و كأنّكِ لا تحملي عبء العالم على كتفيكِ، أعرف كلّ هذا، و أكثر.
و ما أحبّه فيكِ أنّكِ تحاولين رغم صعوبة الحياة التي تحدّثت عنها في السطور السابقة، أحبّ فيكِ المحاولة رغم كلّ الصعوبات التي تواجهينها في حياتكِ، أحبّ رغبتك في الفوز بالهدوء رغماً عن عالم يدفعكِ للغضب كلّ يوم، أحبّ فيكِ أنّكِ لا تستسلمي لليأس، تتعثّري مرّة، و تنهزمي مرّة لكن في نفسك تؤمني أنّكِ لم تخلقي للهزيمة فتنهضي من حطامكِ، و تعيدي بناء نفسكِ من جديد.
أحبّ فيكِ رغبتكِ في الحفاظ على إنسانيتكِ، و لطفكِ مع لودي الغيور رغم ما فيكِ من غضب، و حزن منه أحياناً، و أحبّ فكرة إستماعكِ للآخرين، دعمكِ لهم، و مدّ يد العون للنّاس رغماً عن قلبكِ الذي يرتجف إتجاه بشاعتهم أحياناً، أحبّ إنجازاتك العادّية التي ترينها مهّمة كالنهوض من على سريركِ، و مواصلة سعيكِ، و محاولاتكِ بعد ليلة قاسية هاجمتكِ الأسئلة فيها، و كادت أن تحطّم رأسكِ.
أحبّ جرائتكِ على الدّنيا، و أنّكِ، و إن عاندتكِ الحياة مرّة وقفتِ أمامها ألف مرّة، و قررتي التمّرد عليها، أحبّ أنّك لا تحبّي الإنتقام منّي حتّى، و إن زعلت من إختفاءكِ المُفاجئ، أحبّ أنّكِ لا تبحثي عن أذى الآخرين رغم كلّ الأذى الذي أصاب قلبكِ من النّاس.
أحبّ إهتمامكِ للأطفال، و طريقة دهشتكِ من براءتهم المعروفة، خاصّةً فتيات شقيقتكِ منال، كليان التي تحبّ تزينكِ بالحنّة لتثبّت لكِ حبّها للزينة، و التجميل في كلّ مرّة تزينكِ، أو كلارا التي تحبّ أن تسحبكِ للرقص معها كلّما إشتهت الرقص، أحبّ إفتخاركِ لنجاح شقيقتكِ ملاك الشغوفة، أحبّ حبّكِ لشقيقتكِ نوال أيضاً، رغم أنّها تحبّكِ مثلما أكتب لكِ الآن، إلا أنّ نوال لا ترتاح إلا إذا أزعجتكِ قليلاً بصوتها عندما تغنّي لكِ من أغاني أديل، أو تثرثر فوق رأسكِ واقفة قائلة لكِ:
"إنّكِ قادرة، تستطيعي، ستكوني على ما يُرام!".
و حبّ الصديق عزيزي القارئ هو الحبّ الوحيد الذي لا يؤذيك، فتتوسّع، و ترتاح فيه من دون أن تخاف من حوافّه الخطرة، لأنّك واثق كلّ الثقة أنّ الأذى موجود في كلّ العلاقات الأخرى ما عدا الصداقة، الصداقة هي الحقيقة الملموسة عزيزي القارئ.
أعرف صعوبة الحياة، و قسوتها، و أعرف أنّكِ أقوى منها يا فتاتي العادّية، و لن تنهزمي أبداً حتّى لو لم أكن موجودة حولكِ يوماً ما، بل كالأمّ التي يصبح لديها مخاوف فور أن تضع جنينها في هذا الدّنيا، لديّ مخاوف على فتاتي العادّية أيضاً عزيزي القارئ.
أخاف أن تصبح إمرأة بلا هدف، بلا كيان، أن تكون مثل الأخريات لا تفكّر إلا في الزواج، و الإستقرار، أخاف أن تنطفئ رغبتها إتجاه الحياة، لا حلم تسعى إليه، لا واقع تأمل في تغییره، أخاف عليها من الحزن، و الإعتيادية عليه، أخاف أن تؤمن أنّ الحزن فُرض عليها فلا تقاومه، و لا تسعى للهروب منه، أخاف أن تفقد ثقتها بنفسها فتحطّم آمالها قبل أن تبدأ في إتخاذ خطوة واحدة نحو المجد، أن تقصّ أجنحتها، و تسمح لغيرها أيضاً أن يقصّ أجنحتها، و تتقبّل الأوامر دون مناقشة، دون تقدير لرغبتها أو إحترام خصوصيتها.
الواقع محطّم للمحطّمين فقط، فأخاف أن تتحول لإمرأة محطّمة، خاضعة لا تقاوم حتّى ضربات الحياة، لا تعترض على أيّ شيء، أخاف أن تنطفئ رغبتها في الحياة، و تصبح إمرأة باهتة، أخاف عليها من الحياة عزيز القارئ.
المرء لا يقضي عمراً كاملاً محاولاً إصلاح علاقة قد بهتت، و إن كان هو السبب في بهتانها، المرء لا يستطيع أن يقضي عمراً كاملاً مخبراً صديقه بأنّه قد إشتاق له، يحبّه، و يتوق لرؤيته، لا يستطيع أن يبدأ في كلّ مرّة ليشعر صديقه، بأنّه آسف لما حدث، و ما يحدث، لذلك المرء يمّل أحياناً حتّى يصبح غير مكترث، و غير آسف.
أمّا اليوم فأنا لا أخاف من أيّ شيء آخر، فاليوم يوم ميلادكِ يا فتاتي العادّية، فكلّ عام، و أنتِ في قلبي نصيب من البهجة، و فرحة الإجازات، كلّ عام، و أنتِ مُشرقة، مُبهرة، فاتنة، تبدأين عيداً جديداً في كلّ خطوة، في كلّ إبتسامة، في كلّ إلتفاتة.
كلّ عام، و قلبكِ مطمئن، و روحكِ سعيد، كلّ عام، و أنتِ الأقرب منّي، و الأحب لديّ، و الأعز في قلبي، و الأحن لمحبّتي، كلّ عام، و قلبي قريب من قلبكِ، كما هو دائماً، و كما أريد أن يظلّ دائماً، كلّ عام، و أنتِ شريك الروح في الحنايا، حبيب الفؤاد في السرّ، و العلن، عزيز القلب الأولى، و الأخيرة.
كلّ عام، و محبّتنا عامر بضحكتكِ التي تشرق في أرجاء الحياة، كلّ عام، و قلبكِ موطني، و محبّتك قراري، و إختياري، كلّ عام، و روحي معلّق بكِ، و قمري معانقاً لسمائكِ.
آمل أن يكون الفرح نصيبكِ من كلّ عيد، و السعادة نصيبكِ من كلّ يوم، و الخير نصيبكِ من كلّ عام، و البهجة نصيبكِ من الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق