أنا، حيث ينتمي روحي.
٨ آذار
لأكون منصفة معك عزيزي القارئ، أود أن أعترف لك أنّ اليوم يصادف يوم ميلادي، نعم، ربما تود أن تقول لي:
"أوه، كل عام، و أنتِ بخير، كبرتِ عام اليوم!".
لكنّني منذ 8 آذار السابق كبرت أكثر من عام، كبرت، و لم يعد أيّ شيء يُخيفني كالسابق، فقلت في نفسي:
"فليحدث ما يحدث، فقد مررت بمعارك كثيرة كنت أظنّ أنّه من المستحيل أن أخرج منها حيّة، و ها أنا الآن ما زلت حيّة، أشياء حدثت كان لها القدرة على تدميري، و ها أنا إلى الآن أقف على قدمي بمنتهي القوة، أشخاص كنت أظن إذا فارقوني فالحياة لن تستمر، و ها قد إستمرّت الحياة بعد فراقهم".
كلّ ما حدث جعلني أقوى عزيزي القارئ لكن بطريقة مؤلمة، و مع كلّ ضربة إزداد عقلي نضوجاً لكن بطريقة قاسية جداً، و مع كلّ توقع لسقوطي كان صمودي يبهر الجميع بينما كان يأكل جزء من طاقتي الدفينة كلّ يوم.
...
أمّا الآن سأطلب ما أريد حتّى 8 آذار المقبل، و هكذا سأجددّ مطلبي من الله، كلّما باشر 8 آذار في القدوم، فالحياة نعيشها مرّةً واحدة، و لا نعلم متى ستتوقف قلبنا من ضخ الدم، لذلك أنا لا أحتاج سعادات ضخمة لأسمّي نفسي سعيدة، فقط أريد أن أصنع من الأشياء العادّية مسرّات تُعينني على السير، أريد أن أمتنّ لتجمّع أسلافنا الذين سبقونا، و البهجة تتسلل لقلوبهم كلّ ليلة الجمعة، أريد أن يكون لله رغبة في تجديد الحياة بي يومياً رغم أنّني أفكّر عن طريقة للخلاص، أريد أن أمتنّ لقدرتي على تعلّم صنع شراب، كعكة أو فطائر أحبّ تناولها قبيل غسق الفجر تحديداً عندما يتحول لون السماء إلى الأزرق.
...
لقد قضيت ما مرّ من حياتي في ريبة، و شك، و خوف، طواحين أفكار برأسي، حيرة من أشياء تقف فجأة في المنتصف، و لا تكتمل، لا أتأكد من أيّ شيء يجري في حياتي!.
الآن أريد فقط نهاية سعيدة آمنة، لهذا العمر الطويل من القلق، و التعاسة، و أن أجد سبباً يجعلني أقاتل،و أتحمّل الحياة لأجله مع -صديق بنفسجيّ يجبّ اللون الأبيض-.
أريد أن أشعر بنبض ذلك القلب نبضاً عادياً غير ممزوج بالقلق، و أن أستطيع ممارسة حياتي -للأبد- دون خوف مفاجيء يفسدها عليّ، أريد ألا تنساب من يديّ الأشياء، و لا أستطيع التشبّث بها، أن أعرف كيف أشاهد ما أحبّ بسعادة، و أستمتع به، لا أن أظلّ أخاف فقدانه، أريد ألا أظلّ أضع خططاً لمواجهة الحياة كأنّني بمعركة، و أن أنعم فيما تبقى من عمري بحياة أرغبها، لا أن أبقى للأبد مجبورة على تحمّل ما لا أريد، و التضحية بما أريد.
...
أريد أن أشكر الله كلّ يوم فور إستيقاظي من النوم، ثمّ أريد أن أمتنّ لنفسي، و لصمودي كلّ يوم، و قدرتي على نسيان كم هو قاسي برودة الثلج في مدينتي كلّ سنة، لشجارات الأطفال، و الكبار معاً الذي شجارهم الغير عنيف هو سعادة من نوع آخر عندما يصنعون -رجل الثلج-.
أريد أن أحيا بقلبٍ سليم، أن أشفى من الجروح القديمة، و أتعافى من أثر كلّ العلاقات المؤذية التي إستنفذتني، أن أنسى أولئك الذين تعمّدوا جرحي، و يسامحني كلّ أولئك الذين كنت سبباً في أذيتهم، أن أعيش في هدوء بعد تحقيق، و لو حلمٌ واحد من أحلامي العديدة، أن أحصد ثمار تعبي، و جهدي، و يطيب خاطري بنهاية كلّ الطرق التي سعيت، و ركضت فيها لسنوات طويلة.
أن تغمرني السكينة، و الهدوء، و يتوقف عقلي عن التفكير طوال الوقت، أن أنام، و أنا مطمئنّة، و راضية بما يحدث في حياتي، أنام، و أنا راضية عن نفسي، و حياتي، و أعيش لحظات دافئة، أن أبتسم، و أنا أتذكّر هذا الأيام الذي أكتب فيه عن ما أريد، و أقول:
"الآن يمكنني العيش في هدوء".
...
أريد أن يكون لي منزل يتّسع لي عندما أبكي، أنام، أضحك، أقرأ، أرقص، أطبخ، و في كلّ حالاتي يتّسع لي سواء كنت حرّة أو مجبرة أن أكون في وضع معيّن.
أريد أن أستيقظ ذات يوم في منزلي فأجدني شخصاً غير الذي أنا عليه الآن، أجدني هادئ البال، خالياً من الضغوطات، لا أفكر في أعذار لأحد أو أدخّر مبرراتٍ لأحد، فقط أفكّر في خيرٍ أفعله لمن يستحق.
أريد أن يمرّ يومي بسلام طالما أنا في منزلي، لا أسمع كلمة تؤذيني، أو تمرّ ببالي أيّ ذكرى سيئة تعكّر صفو مزاجي، أريد أن أشعر بالخفّة، و الراحة بعدما أخذت نوماً كافياً من أول وهلة أضع فيها رأسي على وسادتي بلا قلق أو إضطرابات.
...
إذا بدا لك كلّ هذه الأشياء التي تحدّثت عنها عادّية في نظرك عزيزي القارئ فتأكد أنّه ربما حلماً لك، و للآخرين، و ليس لي، فأنا مهما حُرمت فلا شيء أصعب من أن أحرم من الجمال، و أتوهم إستحقاق النعم، و تألفها، و لو كان لا يحدث في حياتي شيئاً مميزاً، يكفيني أمان منزلي الجميل، و عافية العائلة، و الأحبّاء، و أنّ وجوههم دفئاً -مهما كانت طبيعة علاقتي بهم- من نوع آخر.
...
أريد في وقت قريب أن يصبح رأسي أهدأ من رؤيتي لأحلام يرويها لي الكون بإشاراته التي لا تنتهي، أن تجلس الحشود الصاخبة بها، أريد أن أعرف ماذا يريد منّي أسلافنا، و تزول عنّي الحيرة، و التشتت حيال -مُلاذ في الأحلام- الذي كلّ الطرق، و الأحلام، و الأسلاف السابقين يقودونني إليه، أريد أن أمتلك أجوبة تقنعني عن رؤيته في أحلامي كلّ يوم.
أريد أيضاً أن أتصالح مع نفسي، و ألا يأكلني الإحساس بالذنب حيال كلّ الأشياء التي تجري لي، و النّاس الذين لم تكتمل علاقتي معهم، ألا أكلّ عمري ندماً على ما فاتني فيضيع مني الآتي أيضاً.
أريد أن تندمل الجروح أو تُصبح عادّية، و أستطيع التعايش معها، و تكفّ عن تذكيري بالأيّام السيئة، أريد أن أكون هادئة، مستريحة، راضية بكلّ ما حاربت لأجله، و نلته، وما سأحارب لأجله، و أناله مستقبلاً أيضاً ، و ما إنتظرت حدوثه، أبعدني الله عنه، أريد أن أكفّ عن الصراع مع الحياة، و أحيا بهدوء الذي قد جرب كل شيء، و نال من الحياة ما يريد، و أكثر، و لا يريد سوى أن يستمتع بما هو رهن يديه دون إنتظار شيء، و دون المحاربة لأجل أيّ شيء غير يُستحق.
...
أريد أن أتوقف أحياناً عن الركض خلف الأشياء، و أبتعد عن العلاقات المؤذية، و أتوقف قليلاً عن العطاء بلا مقابل، ألا أنظر من بعيد على كلّ أصدقائي، و ألا أتابع من لم يفتقدني، و من لم يلاحظ غيابي، ألا أتابع كذلك من لا يمكنني الإستناد عليه، و من يملأ فراغ كبير في تفاصيل يومي دون فائدة، أن أحددّ أولئك الذين يستهلكون مشاعري، و طاقتي، و أولئك الذين يحتاجون دائماً مجهود للحفاظ عليهم، حتّى أحلامي، و أمنياتي أريد أن أختار ما يمكنني تحقيقه، و الحصول عليه بأقلّ قدر من الآلام، ثم الإحتفال به مع نفسي بالإستماع لأغاني “Lana Del Rey” المُذهلة بحق.
...
أريد أن أعيد ترتيب حساباتي إتجاه الحياة، أن أتقبّل حقيقة أنّني معرّضة للهجر، و النسيان، و التجاوز، و كلّما حاولت التقبّل، و لم أستطع أذهب إلى البحر، و أمشي عليه حافي القدمين، أريد أن لا أنسى أنّ بعض الأشخاص لا يناسبون حياتي، و لا يتوافقون معي، أن أتقبّل فكرة أنّ بعض الأحلام لا تستحق كلّ هذا العناء، و أبحث عن أحلام جديدة تستحق الركض، و المجازفة، و بعض الأمنيات لن تتحقق لأنّها لم تناسبني من البداية.
...
أريد أن أذهب إلى أماكن حيث أستطيع مشاهدة الشفق القطبي، و هي تتراقص، و تتمايل، و أنا أشاهد أريد أن أغمض عيني، و أمتنّ لحقيقة أنّ المحبّة مُنجية أحياناً، فسواء وجود شي غريب، و جميل في نفس الوقت كالشفق القطبي، أو وجود شخصٌ واحد يحبّك عزيزي القارئ، يعود لك نهاية كلّ يوم للشكوى من نفس الأمور، و ينتظرك لينصت إليك بنفس شغف كلّ مرّة، قد ينقذك!.
المحبّة تؤنس صبرك الذي لا يجدي نفعاً عزيزي القارئ، و لياليك الكئيبة، و الأيّام التي تأتي بالنّاس، و ترحل بالأسى، المحبّة تعيد تشكيلك من جديد، لا تجعل الدّنيا وردّية، لكن على الأقل تجعل خُطاك ثابتة، آمنة، حتّى لو لم تعرف وجهتها، و نفسك هادئة متزنة، و قلبك مطمئن مهما إنهالت عليك المخاوف!.
المحبّة تجعلك كلّ يوم خفيفاً كنسمة -مهما تضاعفت حمله- أنت الذي كان يقل عليك كجبل أقلّ شيء فيه!، المحبّة تذيب دوائر السخط داخلك، فتصبح راضياً بأبسط الأشياء، تنقلب الدّنيا رأساً على عقب، و تضيق عليك، و أنت لا يهمّك منها سوى أن يظلّ لك متّسع من تحب أو ما تحبّ!.
...
أريد أن يأتي اليوم الذي أصبح فيه للأبد محفوفة بصوت، و وجه -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-، و نحيا أخيراً الحياة التي طالما حلمنا بها، لا نرغب بحدوث معجزات أو أحداث مدهشة تغيّر مجرى حياتنا، يكفي أن تمرّ أيامنا بسلاسة، و خفّة، أن تكون عقولنا هادئة، و تبقى قلوبنا مطمئنّة لا تنبض إلا سكينةً، و حبّاً.
أريد أن نصرّ على إختيار بعضنا مهما صعبت الإختيارات، و نسعى أن تبقى مكسبنا الوحيد، و لو سنخسر مقابل هذا المكسب كلّ شي!، أريد أن تكون الحياة خفيفة لنا، و معنا، و لا أقصد أن تصبح وردّية لكن أن نعرف كيف نسايرها، نقاومها تارّة، و تهزمنا تارّة، نصنع معاً أسبابنا الوحيدة للعيش حينما تنعدم الأسباب، و تصبح فكرة الحياة غير محتملة!.
...
أريد أن أعبر الحياة على نحو يليق بي، بسيط، يريحني، لا أرغب بسعادات ضخمة، و لا حدوث أحداث مُزعجة، أريد أن أكون كالشخص الذي يضحك في الصورة الأعلى، يضحك، و لا يبالي بكئابة مترو الأنفاق الذي نراه في المسلسلات.
أريد أن أكون -أنا- حيث ينتمي روحي، ببشرتي الفاتحة، و شفتي الممتلئتين، و فخذي المستديرين، و شعري الأسود المموج، أريد أن أحيا حياة يسمح لي فيها أن أفعل ما أريده أنا دون أن أتجاوز حدود الذنب أو الأذى.
أريد ألا أختار شيئاً فأجبر على نقيضه، و ألّا أهدر قلبي دفعة واحدة لشيء لا يراني من الأساس، أن تكون الأشياء في حياتي واضحة، لا تدهسني صعوبة الإحتمالات، و ضبابية الأشياء التي بين البين.
أريد أن يكون بداخلي ما يكفي من السلام، و الحبّ، و يتلاشى ما يدفعني للقلق، و الخوف، و أمتلك فيها مكاناً واحداً يألفني، و لا يسمح لي بالشك في محبّته أو الخوف منه.
أريد أياما عاديّة، و قلب يشعر بمعنى الحاجات، و تكون قد شفيت فجوات الوحشة، و الفزع، و الحزن داخلي التي لا أجد لها سبباً، و لا أعرف لها علاجاً.
أريد حياة تسمح لي بالحياة، ألا تفقدني نفسي، و كلّ أسبابي للعيش، ألا أموت فيها، و أنا مازلت حياً.
...
بالمناسبة أحبّ الحديث عن أبي -رحمه الله- و أكنّ له حبّ غير معبّر عنه، لا له و لا لغيره، لذا إذا بكيت فأراه شيء جميل، فهذا هو الحبّ الغير المعبّر عنه أليس كذلك؟، الموت حزين عزيزي القارئ، بل شعور لا يتصدّق كما وصفه -صديق بنفسجي يحبّ اللون الأبيض- لي، تودّ أن تقول ليس صحيح أو هذا الخبر كاذب، تجعلك لا تريد أن تصدّق خبر الموت حتّى.
و الحزن بشكل عام سيبقى معنا حتّى، و إن إستطعنا التخطّي عنه، فبقي معي حزني لوفاة أبي إلى هذا اليوم، و سيبقى لأنّني لم أستطع الحصول على الوقت الكافي مع بعضنا البعض، بغض النظر عن عُمر الشخص الذي سيتوفّى سواء كان عمره 60 أو 15 أو 99 حزن وفاته سيبقى معنا كندبة حصلنا عليه للتو، لذلك أريد أن أحمل ذكرى أبي أينما ذهبت، أريد أن أحمله معي حتّى، و إن كان حزني عبئاً عليّ، حتّى و إن كان حملاً ثقيلا عليّ، حتّى و إن غلبني الزهايمر يوماً ما، و نسيت كلّ شيء، و كلّ شخص فلا أريد أن أنساه، لا أريد أن أنسى حبّه له، حتّى و إن كان ذكراه سيُحزنني، و سيُبكيني كثيراً، فلا بأس بالحزن، و البكاء قليلاً كان أم كثيراً، فلا تعرف عزيزي القارئ ربما الحزن، و البكاء سينقذونني يوماً ما.
آمل أن يظلّ معي حزن وفاة أبي، حتّى أخبره عن الحب الغير المعبّر عنه سابقاً في كلّ مرّة أبكي، و ما زلت أقول له كلّ يوم، و سأظل أقول له كلّ يوم، فلقد كان أفضلنا، كان أبي أفضل منّا جميعنا.
...
أريد أن تمرّ أيّام هذا العام في هدوء تام، لا أريد خوض أيّ صراعات جديدة فلقد إستهلكت تماماً، أريد أن أحصل على بعض الراحة بعدما قضيت في تعب، و شقاء لا ينتهيان، أن أحقق ما ركضت، و حلمت به طويلاً، و أحصد كلّ الخير الذي زرعته، و أن يختارني الله للسير على طريق تحقيق حلمي، و إذا إختارني فإمّا سيسّره لي أو سيقويني عليه.
أن يرزقني الله بالسكينة، و الطمأنينة في أشدّ لحظات خوفي، و يحفظ ما تبّقى من أصدقائي، و عائلتي بعيداً من الفقد، و الخيبات، و الحزن، أريد أن يمرّ العام في هدوء، و سكينة، و راحة بال، و نفسٌ راضية بالذي نالته.













تعليقات
إرسال تعليق