إستيلاء شبح الإشتياق

 


أعظم ما يتعلّق بالمطار عزيزي القارئ أنّها أرض الفرص الثانية، يأتي إليه النّاس لصنع بدايات جديدة، أسلافنا ربمّا فكّروا في هذا أيضاً، هي أرض تحبّ أن تغفر، يدع المرء يبدأ من جديد بعد أخطائه الكثيرة، و نظرّية المطار هذه لطيفة، لكن كيف نبدأ من جديد؟.
جميعنا نعلم أنّ لا يوجد زر إعادة للحياة، و لا توجد طريقة لمحو الماضي، هناك فقط أسباب للحياة الفعلية -مادية، و عائلية معروفة- فلماذا لا يستطيع كلٌّ منّا أن يطوي خيمته، و يقفز إلى المطار مثلاً، و يبدأ حياة جديدة في مدينة أخرى؟، و حتّى لو إستطعنا ذلك، هل هذا القفز حقاً هو هروب من الماضي؟.
فأنت الذي تحمل ماضيك معك إلى كلّ مكان تزوره، و ماضيك إنّه كالحقيبة اللامرئية تحمله معك أينما ذهبت، و التي لا يستطيع أحد أن يحملها عنك، أنت فقط يستطيع دفعها، و سحبها من مكانٍ إلى آخر.
كوالدتي، و شقيقتي على سبيل المثال، فمن اللحظة التي يستيقظون فيها كلّ صباح إلى الوقت الذي يطأ قدمهم في المطار، إلى الوقت الذي يعودون فيه إلى ديارهم السابق، ينتقلون من مكانٍ إلى آخر، و يحملون معهم أشياء لا يستطيعوا التخلّي عنها قط، مثل أوراق، هاتف محمول، شاحن متنقّل، شاحن لكلّ جهاز من الأجهزة السابقة، ألعاب متنوعة للأطفال، بلوزة ملّونة جديدة، طرحة غامقة اللون، أدوية كثيرة ياللهول، هدايا للأصدقاء القدامى سواء أوصوا والدتي، و شقيقتي بذلك أم لا.
يبدأوا يومهم كلّ صباح بحاجتهم لحمل أو لجر أجسادهم إلى دورة المياه كي يتمكّنوا من الإستيقاظ فعلاً، ثم يبدأوا بالتمّسك بكوب من الماء الساخن معصور عليه القليل من الليمون أو الشاي ليضمنوا ثباتهم العقلي، و إستقرارهم العاطفي الذي يحتاجوه قبل أن يطرقوا على باب حجرتي لإيقاظي لمساعدتهم في توضيب الأغراض، و الحقائب. 
و لكن في طريقهم للحجرة يحملوا مع أنفسهم أشياء كملابس مُلقاة على أرض حجرتهم، بضعة شعرات طويلة، و نحيلة جداً من شعورهم يشرّف حجرتي أيضاً بعدما كانت مبعثرة في حجرتهم، و إلتصق بأحذية المنزل الذي يرتدونه على الدوام، أوراق التأشيرة أو أوراق هاتفهم الذي يريدوا بيعه، و يستبدلوا بهاتف جديد، نظارات شمسية شقيقتي، و نظارات طبيّة والدتي، و بعض الأطباق الغير مغسولة المُلقاة على المغسلة منذ ساعة، الذي يعرفون تناول طعامهم عليهم، و لا يعرفون غسلهم، و قطع أخرى من مناشف المطبخ البيضاء الذي مع الأسف لم تنجح في الوصول إلى الغسّالة لغسله.
يعرفون تماماً مدى إهمالهم لبعض الأمور الذي ذكرتها في الأسطر السابقة، و بعض الأمور الذي لم أذكرها أيضاً، واثقين أنّهم بعدما يبعثروا كلّ ما سبق فهناك فتاة تنتظر ذهابهم حتّى تقلّب المنزل رأساً على عقب بالتنظّيف، و لكن هذه الفتاة لا تنظّف حبّاً للتنظيف أو هكذا عبثاً بالوقت تريد تضييعه، بل تنظّف لأنّها لم تجد أكثر من التراكمات أذّت نفسها به.
و التراكمات عزيزي القارئ كفيلة بأن تجعلك شخص في غاية القسوة رغماً عن لين قلبك، تجعلك تبخل بالعطاء، و الودّ بينما أنت كنت تعطي، و تقدّم بلا مقابل، التراكمات كفيلة أن تبّلد مشاعرك إتجاه شخص كنت مستعداً للتضحية بكلّ شيء من أجل إسعاده، و تنهي علاقتك بشخص لم تتحمّل غيابه عنك، و لو لساعة واحدة.
التراكمات كفيلة أن تغيّر مكانة أقرب المقرّبون لقلبك، تجعلك تكّف عن معاتبتهم، و تتقبّل كلّ تصرفاتهم لأنّهم في ليلة، و ضحاها إنفجرتْ فأصبحوا بالنسبة لك كالغرباء، التراكمات قد تجعلك تثور كالمجنون لأتفه الأسباب لأنّك أمام المواقف التي تستدعي الغضب لم تغضب، قد تجعلك تبكي لأتفه الأسباب لأنّك أمام المواقف التي كانت تستدعيك للبكاء لم تبكي، و إنهيارك المفاجئ لسبب قد يبدو تافهاً للبعض، هو في الحقيقة نتيجة لأحداث قاسية لم تتحدّث لأيّ شخص عنها.
التراكمات هي نفسها التي تبني حواجز عتيقة بين الأحبّاء، و لا يدركونها إلا بعد أن تثور كلّ المواقف، و التفاصيل التي أزعجك حينها فتحطّم فجأة كلّ شيء حولك.
فيظل المرء يصمت، يتجاوز، يتغافل، ثمّ تثور التراكمات فتحطّم كلّ شيء حوله.
إذا كانت حياة النساء عبارة عن مجرّة، فالأشياء التي يريدون حملها سيكون حتماً حقائب الظهر، و حقائب الكتف، و حقائب السفر، و محافظ النقود، فكلّها نجوم في هذه المجرّة، أليس كذلك؟.
فهل سبق لك عزيزي القارئ، و أن نظرت لمحتويات حقيبة إمرأة؟، كحقيبة والدتي على سبيل المثال، تحقّق كلّ الشروط اللازمة لتصبح حقيبة إسعافات أوليّة، إستعداداً لأيّ كارثة أو حدث غير متوقع سيحدث، مثلاً هل لديك ألة معطّلة؟، حسنًا لديها مفك، ملقط، كماشة، و حتّى مطرقة صغيرة!، أو هل تشعر بأنّك مريض؟، ماذا تحتاج؟، مضاد للحموضة، للحساسيّة أو مسكّنات للألم؟، أقراص للسعال؟، أم أنّك تريد فقط أن تبدأ حديثاً قصيراً معها؟، فوالدتي لديها قصة جاهزة سوف تحكيها لك، ثمّ في نهاية الحديث تُناولك صورة جماعية، لزوجها، أبنائها، و أحفادها.
أتخيّل أن سلسلة مفاتيح أبي -رحمه الله- يحمل مفاتيح أكثر من تلك التي تحملها والدتي، و لكنّي ما زلت أراهن بقوّة عليها في حملها لأشياء أكثر منه، و دعنا لا ننسى بعض الأسئلة عزيزي القارئ:

"ماذا لو لم أستطع العودة للمنزل بعد خروجي من حجرتي، و إحتجت للذهاب إلى صديقٍ ما مباشرة؟، أو ماذا لو أردت الذهاب للجامعة؟، كيف تتوقع منّي أن أذهب دون أحمر شفاهي المميّز، طلاء أظافر لا أحبّذ إستخدامه قط، مشطي، و ربمّا حذائي المفضّل؟".

المجرّة الكونية للحقائب تتسّع كلّ مرّة كدمى ماتریوشکا الروسية حقائب كبيرة تحمل داخلها محافظ صغيرة، تحمل داخلها أشياء أصغر، كنظارات شمسية، نظارات للقراءة، مرطبات للشفاه، و مفتاح المنزل، و كأي قصّة خيال علمي، ماذا لو تعرّضنا لهجوم من كوكبٍ آخر!، فمَن سوف يحمل الأشياء التي لا يستطيع زوجكِ، و أطفالكِ حملها في حقائبهم؟.
على كلّ حال عزيزي القارئ نكمل الحديث عن والدتي، تحبّ والدتي أن تحمل حقيبة من النوع الذي يحتوي على العديد من الجيوب، و المساحات، حتّى لا تضيّع داخلها الأشياء.
كلّ الأشياء التي تمّ ذكرها بالأعلى دلائل مرئية على رحلاتنا اليومية عزيزي القارئ، إنّها تتحدّث عن كلّ ما نحبّه، و نكرهه، عن كلّ ما نحن مهوسون به، عن مخاوفنا، و عاداتنا، و أحلامنا، و طموحاتنا، و ببساطة إنّها تحكي قصصاً عن حياتنا، و ما زلنا نحملها معنا منذ أن ولدنا، و سنحملها حتّى نغمض أعيننا إلى الأبد أيضاً.
إنّنا نحمل معنا تراكيبنا العقلية عزيزي القارئ، مشاعرنا، و كلّ ما نحن عليه، ذاكرتنا، عشاقنا السابقين، و أعداءنا، قلقنا، و توقعاتنا، و أشباهنا أيضاً، يحمل البشر معهم مناظرهم الطبيعيّة بداخلهم، و شخصيّاتنا تتبعنا مثل الظلال، البيئة التي نعيش فيها تشبه القميص، و الذي علينا أن نعرف كيف يبدو قبل أن نرتديه.
كلّ شخص يمثّل وحدة سيكولوجية، خليطاً من المشاعر، و من القرارات المصيرية، و رغم أنّنا لا نرى أنفسنا سوى في أجسادنا التي تحملنا، إلا أنّ مصائرنا تعتمد بشكل كلّي على حالة عقولنا، عبر أفكارنا نشكّل الرسائل التي ترسلها أرواحنا بدافع العاطفة، و الحدس.
و الممثل الكوميدي، و المؤلف ستيڤ هارفي قال شيئاً مماثلاً تماماً لِما قلته في الأسطر السابقة:

"ما يخرج من فمك هو ما سيعود إليك، إنّه قانون الجاذبية.
"كل الذكور كلاب"، ستلتقي بهم جميعاً.
"لم أحصل على أحد"، أنت لا تحصل إذاً.
"لا أستطيع أن أفقد هذا الوزن هذا العام"، أنا متأكد من أنّك لن تفعل ذلك.
"سأصبح رشيقاً هذا العام"، ستكون، و إحتمال قوي على ذلك.
"لن أكون ثرياً أبداً"، أعدك، لن تكون كذلك.
"سأكون غنياً يوماً ما"، إحتمال قوي بكلّ تأكيد.
هذه هي الطريقة التي يعمل بها الإنسان، إنّه قانون الجاذبية، في اللحظة التي تقول شيئاً ما تبدأ أنت في التغيير.
إنّها معادلة بسيطة، إذا كنت تفكّر بشكل كبير، فستكون كبيراً، إذا كنت تفكّر بشكل صغير، فستكون صغيراً".

إنّنا نعيش في مجتمع يجعلنا مرتبطين به عزيزي القارئ، نحمل أسماء عوائلنا، مُهامنا، نقاط ضعفنا، و قوتنا، و ما ينقصنا، و ما نطلبه، و ما يأخذه الآخرون منّا أيضاً، نعم، علاقاتنا الإجتماعية هي أشياء نحملها معنا أيضاً.
أيّاً يكن، الهروب من قوّى الإستبطان، و الإتصال الغامض، كلّ هذا تحكمه قوانين كونية تنتظر أن نكتشفها، علاقتنا بالطبيعة المطلقة، بما في ذلك كلّ ما يحتويه عالم الإدراك، و عالم اللاإدراك المليء بالخيارات، و الإحتمالات .
إنّنا نحمل العالم بأكمله معنا في كلّ قرار نتخذه، إنّه داخل حقائب أجسادنا، و هوياتنا، لقد وضعه الكون لنا كوعد، كمحاولة لعرض إرادته، و دعمه لنا، إنّنا أكثر من وحدة إجتماعية، أكثر من فرد يدعى سين، أو مواطن ينتمي لبلدٍ ما، إنّنا مواطنون للعالم، و الإنسانية أكبر من البلدان، البلدان التي نحملها معنا أيضاً.
لذلك حين تنام اليوم عزيزي القارئ، و تستيقظ غداً، و في كلّ يوم بعده، عندما ترنّ ساعة منبّهك، تذكّر أنّك وصلت إلى هذا المنعطف في حياتك لأنّ ببساطة شيئاً ما بداخلك ظلّ يقول: 

"تستحق أن تكون خفيفاً، سعيداً، فأنت إنسان".

حينها تذكّر أنّك ولدت لتضيف شيئاً، و قيمة لهذا العالم، و لتكون أفضل ما يمكنك أن تكون، كلّ ما مررت به، و كلّ لحظة مرّت بك، كانت تعدّك لهذه اللحظة الآن.
أصبحت اليوم إنسان بعد أن كنت طفلاً ثم مراهقاً ثم شاباً، فتخيّل معي ما يمكنك فعله من اليوم، فصاعداً، ماذا ستفعل باللحظة؟، و كيف ستستغّل اللحظة؟، فلا أحد يستطيع أن يؤدي رقصتك الخاص بك، و لا أحد يستطيع أن يغنّي أغنيتك بصوتك، و لا أحد يستطيع أن يكتب قصّة أحد غير قصّته.
تذكّر أنّك روح أيضاً قبل أن تكون إنساناً تحمل معها معنى، تأكد من معرفتك لشكلها، لصوتها، لإحساسها، و طعمها أيضاً حتّى لا تفقدها داخل فوضى حقيبتك.
حقيقة جوهرك، و ما ستفعله يبدأ الآن، لأنّني أؤمن أنّك إنسان عظيم لا تحمل معك أشيائك الثقيلة، لأنّ هناك شيء رائعٌ بك، بغضّ النظر عن ما حدث لك في حياتك، و بغضّ النظر عن عمرك الذي تظنّه في اللحظة التي تبدأ فيها بالتفكير بشكل سليم، لأنّ ثمّة شيء بداخلك، و ثمّة قوّة بداخلك أقوى من العالم، يجعلك تبدأ بالإنطلاق، و يغيّر حياتك، سيطعمك، و يكسوك، و سيرشدك، و يحميك، و يوجّهك، و يحافظ على وجودك كإنسان خفيف، سعيد، لأنّك إنسان، لكن فقط إن سمحت لها بذلك.
ستحبّ مرّةً أخرى، و ستعثر على وظيفة أخرى، و ستفعل ما تحبّ مرّةً أخرى، و ستشعر بالقوة مرّةً أخرى، ستعود إلى المسار الصحيح، لا أعرف متى لكنّك ستشعر، و كأنّك على طبيعتك مرّةً أخرى، في النهاية هذه ليست النهاية، إصبر.
فربّما والدتي، و شقيقتي حملوا معهم كلّ ما إستطاعوا حمله، و فوق طاقتهم أيضاً، بما في ذلك الهلع الصامت الذي تصدره القوة المُخيفة للأشياء التي كانت معهم، ربّما استولى عليهم شبح الإشتياق الذي تطاردنا فجأة في بعض الأحيان، أو ربّما تأثروا أكثر بقول النّاس الكثير من الهرّاء حولهم، لكن أنت عزيزي القارئ لا تكن مغفّلاً، إن إستطعت فأقفز إلى المطار لتجرّب فرصتك التي لا أنت، و لا أحد يعلم عنها شيء، و إن لم تستطيع فلا تسمح لشبح الإشتياق بالإستيلاء عليك، كن أقوى من إستيلاء شبح الإشتياق عليك، و أعدك أنّ هذا كلّ ما أعرفه بشكل مؤكد.

تعليقات

  1. (( التراكمات كفيلة بأن تجعلك شخص في غاية القسوة رغماً عن لين قلبك، تجعلك تبخل بالعطاء، و الودّ بينما أنت كنت تعطي، و تقدّم بلا مقابل، التراكمات كفيلة أن تبّلد مشاعرك إتجاه شخص كنت مستعداً للتضحية بكلّ شيء من أجل إسعاده، و تنهي علاقتك بشخص لم تتحمّل غيابه عنك، و لو لساعة واحدة.
    التراكمات كفيلة أن تغيّر مكانة أقرب المقرّبون لقلبك، تجعلك تكّف عن معاتبتهم، و تتقبّل كلّ تصرفاتهم لأنّهم في ليلة، و ضحاها إنفجرتْ فأصبحوا بالنسبة لك كالغرباء، التراكمات قد تجعلك تثور كالمجنون لأتفه الأسباب لأنّك أمام المواقف التي تستدعي الغضب لم تغضب، قد تجعلك تبكي لأتفه الأسباب لأنّك أمام المواقف التي كانت تستدعيك للبكاء لم تبكي، و إنهيارك المفاجئ لسبب قد يبدو تافهاً للبعض، هو في الحقيقة نتيجة لأحداث قاسية لم تتحدّث لأيّ شخص عنها.
    التراكمات هي نفسها التي تبني حواجز عتيقة بين الأحبّاء، و لا يدركونها إلا بعد أن تثور كلّ المواقف، و التفاصيل التي أزعجك حينها فتحطّم فجأة كلّ شيء حولك.)) !!! شكرًا على قوة البلاغه في وصفي بأسطرك !

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لتضييع وقتك وقراءتك للموضوع بينما غيرك ماعنده وقت يقرا!

      حذف

إرسال تعليق