لماذا نضحك أثناء البكاء؟
لحظات سعيدة عاشتها عائلتي اليوم عزيزي القارئ لكنّها لم تكن كافية، و تماماً في الساعة 07:59 مساءاً، و بعد أن إنتهيت من إعداد معكرونة بالكريمة، أتت شقيقتي لتصبّ الطعام على الصحون، هنا بدأت والدتي بالبكاء فجأة دون سابق إنذار، تعالت صوت شقيقتي قائلة لوالدتي:
"مو وقت البكاء امي، الحين وقت الاكل مو عزا".
شعرت كما لو أنّ غمامة إنزاحت عن عيني، أنظر إلى شقيقتي، و لا أرى شخص أعرفه، و لا أعرف سبب إرتباطنا بالدم، لم أستطع أن أعرف مَن الذي أمامي عزيزي القارئ!.
والدتي لم تلقي بال لتعليق شقيقتي، بل حاولت جاهدة قليلاً أن تمسح دموع عينيها بالمنديل الذي كان أمامها، و تكبح رغبتها المفاجئة بالبكاء، و تبدأ بتناول طعامها، و لكن لم تستطع!، و المفاجئة الكبرى كانت بعد تجمّع أفراد عائلتي على سُفرة الطعام، ضحكت والدتي بصوت عالي، و هي تذرف دموعاً غزيرة، تساءل شقيقي الصغير مائلاً شفتيه بإبتسامة:
"على ايش تضحكي يا امي؟".
لم تستطع والدتي الجواب على سؤال شقيقي، و إستمرت بالضحك حتّى تحوّل الضحك إلى البكاء!.
أثار غضب شقيقتي قائلة لي بصوت عالي:
"على ايش تبكي امي؟، مين الي زعلها؟، ايش الي صار اصلا عشان تتذكر امي و تبكي؟".
تعالت صوت والدتي، و هي تبكي، و كأنّها أدركت نفسها للتو أنّها حمقاء لأنّها ظنّت أنّها كانت تحلم كلّ تلك المدّة الطويلة الماضية، بل تبيّنت فيما بعد لاحقاً أنّها كانت تبكي بالفعل، و ضحكت في البداية لأنّها أرادت أن تخفي رغبتها المفاجئة بالبكاء، و لكنّها لم تستطع!، و السؤال الذي يجب أن تسأله شقيقتي عزيزي القارئ هو:
"ايش الي ما صار اصلا عشان ما تبكي؟".
تكون التجارب الأولى إستثنائية عزيزي القارئ، بل فريدة، لكن لا مثيل للمرّات الأخيرة، فهي لا تقدّر بثمن، لكنّ النّاس لا يدركون هذا عادةً، كذلك الحزن خاصّةً عندما تظلّ تفكّر في شيءٍ ما لأعوام، يتحوّل هذا الشيء إلى عالمك بأكمله، بل يستحوذ عليك ليجعلك لاحقاً حزيناً من لا شيء!.
رغم أنّني منهم إلا أنّني أشفق على الصامتين كثيراً عزيزي القارئ، عندما لا يستطيعوا التحدّث فيبكون، و حين يتحدّثون عن فرط أوجاعهم، نادراً ما يعبّروا، و قلما يبوحوا، و هذا يدفعهم للكتمان غالباً، و عندما يكون شخص كشقيقتي حولهم أريد أن يلطفوا بهم حين يتلعثمون في الكلمات، و تهرب منهم العبارات، و يقف المعنى في حلوقهم، فلا كلمات تشفيهم، و لا مواساة تجديهم، و لا تنهيدات تسعفهم، فالوجع المدفون بين ضلوعهم حتّى، و إن طاب، تركت ندباته ألماً عميقاً.
صدّق الصامتين إن إنفعلوا، و بكوا عزيزي القارئ، و أحضنهم بقوة إن أنّوا، و اشتكوا، و استأجر لهم بسمات، و لو عابرة تُفرحهم حتّى لا تضيق عليهم الدنيا أكثر، فأنت لا تعرف عن معاناة الشخص إلا أنّه طوال الوقت محاط بأشخاص يجبرونه على التبرير، و على الشرح، و التفسير، فتبقى لذّة الواحد منهم في تعبه، حتّى و هو منهك على آخره، و بالرغم أنّه على دراية كافية أنّ قيمتهم لا تتعدّى ردّ السلام، لكنّه لحسن تربيته، و فرط عفويته يقول لربما أنجو من خبث نواياهم، أو لربما يصرف عنّي سوء الفهم منهم، و الحقيقة أنّ سوء الفهم نفسه منهم قد تعب.
لله در كلّ الصامتين الذين خالفهم حظ الفهم في الدفاع عن أنفسهم، فتأثروا بالصمت.
أعلم أنّ والدتي تبكي عليك يا أبي، فمنذ رحيلك توقفت والدتي عن مشاركة حزنها، و سعادتها، فرحها، و بؤسها بل كلّ تفاصيل حياتها.
لم يعد هناك شيء حقيقي يلمس قلبها، لا يوجد بداخلها سوى الألم الذي لا أعلم كيف تهرب منه، و إلى مَن تلجأ إليه!، فسابقاً كنت موجوداً، و كنت فريداً من نوعك، كنت صديقها يا أبي بل شخص لا يمكنها التفريط فيه، كنت نصفها الآخر، كنت حياتها كلّها يا أبي، لكنّنا لم نشبهك، و لم تشبه أحد، و لأنّنا لا نشبهك أصبحت والدتي تخوض كلّ هذه الأحزان وحدها، لم تجد كتف تتكئ عليه بعد رحيلك، و عيناها أصبحت تحمل هذا الكم من الخذلان، و الأسى الذي لم تكن تريد أن تراه يوماً.
لأول مرّة تشعر والدتي أنّها تريد أن تخرج من حياتها دون عودة يا أبي، أن تعود غريبة عن كلّ الذين تراهم مقربين لها ثمّ يذهبوا بعيداً عنها مثلك تماماً، و كأنّهم لم يكونوا يوماً، تريد والدتي أن تكفّ عن حبّ الأشياء، و الأشخاص بكلّ هذا الإفراط، تريد أن تنجو من نفسها، و سخطها على حياة لست فيها يا أبي، و حزنها عليك.
أصبحت والدتي وحيدة، و حزينة للغاية يا أبي لم يشعر أحد بها، و لم يتحمّل أحد مزاجها السيء، و رغبتها بالصمت، و الكتمان، و إبتعادها عن كلّ شيء مثلما كنت تفعل أنت يا أبي، فهي معك كانت تتجاوز جميع مراحل الهاوية، و السقوط التي تحدث لها، و لكن منذ رحيلك أصبحت تلك العتمة أشدّ، و أقوى من أن تتحمّلها حتّى إستطاعت العتمة التمكن منها مراراً، و لا أعلم كيف، و متى ستنجوا منها.
والدتي ما زالت تتذكرك يا أبي، و هذا يعني أنّها لم تفرغ منك تماماً، و لكن رغم حبّها، و إحتياجها الشديد لك، لم تعد تريد غيرك بجانبها مرّةً أخرى.
تتألم والدتي عند كلّ خيبة يا أبي، و تحزن لكلّ مصيبة في كلّ مرّة كأنّها الأولى، تبكي كلّ مرّة عندما يهجرها الرفاق، تشعر بالغصّة حينما يهمش أوجاعها، و أحاديثها ممّن تحبّ، في كلّ مرة نفس الشعور بنفس حدته، فسابقاً كانت مواساتها لنفسها:
"سأنتظرك تأتي هنا عندي، حتّى تشاهد الثلج الذي إعتدنا مشاهدته معاً في أفغانستان، و تلعب معي أنا، و فتياتك بالثلج".
إنتظرتك يا أبي، و لكنّك لم تستطع أن تكمل طريقك معها يا أبي فما زالت تحزن، و لا تعلم كيف، و ما يجب عليها فعله عند كلّ خيبة، و أصبحت حدّة الأمور مضاعفة، و كأنّها تحدث معها لأول مرّة.
والدتي كلّما حاولت التصنّع فشلت يا أبي، لا تدّعي الكمال لكنّها لا تجيد التصنّع، كلّ شيء في عالمها منحرف يا أبي، كلّ شيء يحتاج ضبطاً لليمين قليلاً أو لليسار قليلاً، سكّر القهوة الذي تعدّه شقيقتي لوالدتي دائماً أكثر ممّا ينبغي أو أقلّ مما ينبغي، قائمة الواجبات التي خلفها، و لا تلتفت لها أطول ممّا يجب، المسافة بين ما تقوله، و ما تفعله أوسع ممّا تدّعي، كلّ الدواء الذي تصوّبه لسلّة المهملات ينحرف عنها، كلّ المنبهات ترّن في منتصف حلمها عنك، إلا لو كان كابوساً، أمّا فتياتك يا أبي لا يلتفتون لوالدتي إلا، و هي تتثاءب، كلّ شيء يعاكسها يا أبي.
تعيش والدتي أيّام ثقيلة منذ رحيلك يا أبي، و نحن فتياتك ليس بمقدورنا فعل شيءٍ ما لها لكي نخففّ عنها حدّة رحيلك الذي كان فوق طاقتك، ليس بمقدورنا إلا أن نذكّرها أنّنا لم نخلق لنصارع بعضنا على من ينجز أشياء أكثر، و أنّ الحياة لم تكن يوماً حرباً، و لا حتى يتوّجب علينا أن نخرج منتصرين من أيّ شيء!.
ليس بمقدورنا أن نذكّر والدتي إلا أنّنا نتعبّد إلى الله بمقاومة كلّ هذا القبح من الحياة يا أبي، بصبرنا على المحاولات التي لم تجدي نفعاً، و أنّ لا أحد سابقها، و لا ينبغي من الأساس أن تنشغل بمطالعة أحد، بل يكفيها أن تفعل ما في محدوديتها، و أن تحترم إمكانيات الحياة الذي ليس بمقدورنا فعل شيء إتجاهه، و أن لا تقلل من محاولة الحياة لمحاكاة العالم!.
ليس بمقدورنا أن نذكّر والدتي إلا أنّ لا بد من الإخفاقات، و أنّ كلّ مرّة سقطت بها ستكون القيمة الحقيقية للنجاح لاحقاً.
ليس بمقدورنا أن نذكّر والدتي إلا أنّنا لا يمكننا أن نهدر حياتنا، و نحن نتمنّى أن نكون مع شخصٍ ما في بالنهاية المشاعر تتلاشى، و حسب، و أنّ ليس البقاء الذي يهلكنا بل التفكير بالرحيل ينهكنا بقدر أكبر من البقاء.
ليس بمقدورنا أن نذكّر والدتي إلا أنّك يا أبي عندما رحلت شُفي جرحك من الحياة الذي يوماً ما نحن أيضاً سيُشفى جرحنا من الحياة، و أنّك رحلت لتبحث عن السلام عند والدتك لأجل الحبّ، و لأجل إخوتك، و لأجل إلتزامك إتجاه والدتي، و أنّ أحياناً يكون الرحيل هو الوسيلة الوحيدة لإيجاد السلام.
في أيّام ثقيلة مثل هذه الأيّام، و رغم يأسها لا يسع والدتي إلا أن تتأمّل في الله أملاً أن يشفع لها إيمانها بها يا أبي، و عدم توقفها عن المحاولة حتّى حينما يدفعها كلّ شيء للعكس.
و ها أنا قد عدت للسؤال عينه متساءلة:
"لماذا نضحك أثناء البكاء؟، لماذا لا نستطيع فقط أن نبكي، و نطلق العنّان لأنفسنا، و حسب؟، لماذا لا نشعر بكلّ شعور على حدة دون أن تتراكم علينا لاحقاً؟".
و كالعادة هكذا تنتهي كتابتي عزيزي القارئ دون أن أجد أجوبة مناسبة لأسئلتي.
تعليقات
إرسال تعليق