لماذا كلّ الطرق يقودني إليك؟



اليوم هو الأول من شُباط، شُباط شهر الحبّ كما يُقال لدى البعض الذين يحتفلون به كلّ عام في الرابع عشر من التاريخ.
الطقس بارد، مليء بالضباب، و البخار، يا إلهي من الأمطار إنّها تمطر بغزارة هذه الأيّام عزيزي القارئ، مهيئ تماماً لسقوط الثلج  في أيّ وقت، الذي تأخّر هذا العام، و الذي ليس من عادته التأخير، و مع هذا الطقس نويت الكتابة عن شيء مختلف ليس كالعادة، شيء كالطقس البارد الذي أقاوم برده كثيراً، لكنّني أحبّ برودته.
أعرف هذه المرحلة من العام الذي يعيشه المرء عزيزي القارئ، فيها حالة من الصمت، و التحديق، فلا تنزعج من التصرفات السخيفة، و لا تعاتب أحداً مهما كانت تصرّفاته، لا تشتكي من الضغوطات التي تواجهه، تتجنّب المناقشات الطويلة، و تحتفظ بتفاصيل، و أحاديث كلّ ما سبق لنفسك، و تستقبل كلّ شيء بهدوء تام، و كلّ هذا لأنّك تعاني من إكتئاب الشتاء.
لقد عرفت هذا النوع من الإكتئاب في عام 2019 عندما أتيت إلى دولة عابرة للقارات لأولّ مرّة، حيث كنت شاردة تماماً رغم تركيزي في كلّ مهامي اليومية، و روحي تائهة بعدما خرجت من أكبر دولة في الشرق الأوسط مساحة رغم حضوري وسط العائلة، و الجار، لا أشعر باليأس، و لا أعاني من الحزن أيضاً، إنّما في حالة هدوء، و صمت داخلي، و كأنّ أرهقتني تفاصيل، و سرعة حياتي، و كأنّني لم أجد إلا الصمت لأعبّر عن ما أشعر به آنذاك.
كان مقدّر لي أن آتي إلى دولة عابرة للقارات عزيزي القارئ، فلم أعلم يوماً كيف يعرف المرء أنّه بالمكان المناسب تماماً إلا حينما إلتقيت -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-.
لا أريد أن أطيل في الحديث عنه الآن فقد تحدّثت عنه كثيراً في كتاباتي السابقة، و لكنّني أدركت أنّ المرء سيعرف ما يناسبه تماماً بمجرّد شعور الإستقرار داخل نفسه، أن يطمئنّ جوارحه، و يهدأ حشود الأفكار الصاخبة في عقله، أن يثبّت عيناه إطمئناناً، و راحة -عيناه اللتان قضتا عمراً تائهة في كلّ الجهات خوفاً-، لا يعرف المرء ما يناسبه حينما تُصبح الحياة وردّية، و لكن حين يراها برغم وحشيّتها، و كلّ ما فيها محتملة، حينما لا يصبح كلّ أموره مثلما يريد، و لا يتبّدل، و لكنّه يصبح لا يهابها، و يتلاشى سخطه عليها رغم أنّها على ذات الحال.
حينما يستشعر بإنتمائه لشخص واحد أنّ العالم كلّه يتسع له -و لو يعيشا في أصغر زاوية منه-، هو الذي كان يضيق عليه براح الكون.
بعد سنة، و ثمانية شهور من معاشرتي معه، لاحظ -مُلاذ في الأحلام- تأثيراتي اللغوية على -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-، و بدأ يتوقف عن المشي ليلاً فجأة فقط لكي يسترق نظرةً لي من عدسة كاميرا هاتف -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- غير مظهراً نفسه لي، و يجلس يسمع عباراتي، و أحاديثي المليء بالتفاصيل التي أصبحتُ أردّدها غير قاصدة، و لا واعية، و من ثمّ وجدت لغة -مُلاذ في الأحلام- قد تشرّبت قدراً من أساليبي دون أن يقصد أو أن يكون واعِ حتّى، ثمّ حدث، و كأنّنا إمتزجنا معاً في الأحلام أكثر من الواقع، و كأنّنا لم نتخلّ عن ما أحببناه في حياتنا قط.
فاجأني إندفاع -مُلاذ في الأحلام- بالتوقف عن المشي ليلاً فقط ليسترق نظرةً لي أحياناً، حينها تذكّرت ما قاله الفيلسوف فريديريك نيتشه:

"لم يكن يعرف كيف يفكّر إلا، و هو يمشي".

و قلت بيني، و بين نفسي بصوت غير مسموع لأيّ أحد:

"ما قاله صحيح!، فمن المعروف أنّ -مُلاذ في الأحلام- وجد في إحدى نزهاته للمشي متعة كان يبحث عنها منذ فترة طويلة".


فتساءلت نفسي:

"فلِما يتوقف عن السعي خلف تلك المتعة الآن؟".

عندما بدأ يسترق نظرةً لي بدأت أنا، و -مُلاذ في الأحلام- نزور بعضنا في الأحلام، و أقول له مثل:

"لطالما فكّرت في الأنوثة على أنّه توسّع أو تعميق أو تكثيف أيضاً، و أظنّ أنّ ذلك يخيفني أكثر، ففي مخيلتك النساء صغيرات، و نحيلات، و رقيقات، أتفهمني؟".

و لا يُجيبني عدا أنّه يبتسم إبتسامة عريضة، و يُطيل في نظراته إتجاهي.
أو يقول لي مثل:

"لم تنظر إليّ فتاة كما نظرتِ إليّ، أشعر بأنّكِ كنتِ أول فتاة لم تنظر إليّ فحسب، بل رأتني فعلاً، و لا أعني ذلك بطريقة مُبتذلة، لأنّه مبتذلاً، صحيح؟".

أجيب عليه بـ: 

"لا أعلم".

و أنا أبتسم إبتسامة عريضة، و من ثمّ أحوّل نظري إلى البحر الأزرق الذي أمامنا، يكمل حديثه قائلاً: 

“يذكّرني نظرتكِ تلك بنظرة الأم إلى طفلها، كما تراني أمّي تماماً قبل أن أحقق شيئاً، و تحبّني كما أنا، و ما عليّ أنا سوى الجلوس هناك، و البقاء معها حتّى أشعر بالنعاس، و أنام بقُربها".

المرء عزيزي القارئ بدون والدته عدم، إن فقدها سيُقيم في قلبه الحزن، سيبقى وحيداً، و إن حاوطه كلّ الخلق، غريقاً مهما إمتلك سُبل النجاة، معطلاً من الداخل رغم سير الحياة، يبحث عن أمان كامل فلن يجد، فكان حُضنها يفعل، يبحث عن حنان دائم فلن يجد، فكان كفّت يديها يفعل، يبحث عن حبّ من الزيف خال فلن يجد، فكان كلّ شيء مع عطائها بلا مقابل يشهد، أيّ ثبات يأمل فيه إنسان من الدنيا إن فقد كلّه؟، والله بعدها حياته كلّ أركانه سيضطّرب.
أسأل أيّ شخص رحلت عنه والدته بماذا شعر؟، سيقول لك كالتالي:

"بعدها لم أعرف إلا الضياع، و الخلل".

و ما يبقي المرء على قيد الحياة، و يجعله يتحمّل كدرها هو قدرته على لمح الجمال في أبسط الأشياء، كدفئه بين العائلة، و أنّ قلبه رغم ما يكابده ما زال متمسكاً بالحياة، و يلتمس أيّ طريق ليطرح تعاسته جانباً، و يترّنم، و أنّ له بيتٌ يأويه، و يقبله على أيّ حال فيه، و أنّ وجود والدته يملأ أرجاء المنزل، و أمان صوت أبيه يجعله لا يهاب أيّ شيء، و شجارات، و إستفزاز إخوته يُعيده طفلًا، و أنّه يستطيع طهو ما لذّ من الطعام، و طاب وقتما شاء، و يأكله دون ألم، و أنّه متى ما أراد فمكونات مشروبه متواجدة.
لا يحتاج المرء معجزات لينجو، يكفيه أن يعيش اللحظات السعيدة -و لو قليلة-، و يشعر فيها بمعاني الحاجات، و حلاوتها، و ألا ينطفىء وهج الحياة داخله، و ألا يفقد أمله، و لو طال، حتّى لو لم يقوده لشيء، و يكون نوره هو الذي يرشده إذا تعسّرت الطرقات من حوله.
و في أغلب الأحوال عزيزي القارئ لم ينتبه لإمتزاج تأثير -مُلاذ في الأحلام- مع موجي سوى -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- حين كان ينتبه للأمر لم يكن ينفزع فليس هناك ما يفزعه، و لا يحاول تغيير لغتنا الجديدة الذي بدأنا نتحدّثه في الأحلام، و لا ينحرج منّنا فليس هناك ما يدّعي للإنحراج، بل كان يتعمّد بإحراجنا حتّى أتحدّث أنا مع -مُلاذ في الأحلام- رغماً عن أنفي فهو أصبح جزء من أثر لطيف من أثار الحبّ، يريدنا أن يُزيدنا أنا، و -مُلاذ في الأحلام- جمالاً فحسب.
و لكن كيف أتحدّث معه عزيزي القارئ؟، ألم أقل لك سابقاً أنّ الكلمات التي أريد قولها هي من سلالة حبر أبيض؟.
ننظمّها، و نطويها بين الفواصل، و تأتي عيون القّراء كعيونك عزيزي القارئ فلا تبلغ النقطة الأخيرة بشيء من كلمات، أو أيّ معنى منها، و الكلمات المُراد قولها هي من إنبوبة قلم فارغة، تترك أثراً، و لكن لا نعلم أيّ الكلمات هي، ربما شخابيط بلا معنى، أو خطوط خارجة عن حدود اللغة، و لكنّي أحاول أن ألفظ شيئاً لـ -مُلاذ في الأحلام- كـ:

"كيف حالك؟".

مثلاً، ممّا يقف في منتصف الحلق، و لا شيء منها يلفظ، و لا كلمة من خلفها تتسرّب إلى الخارج.
"كيف حالك؟"، هي كلمتين بهذه البساطة تلتمع في العينين، أحياناً من بريق، و أخرى من إنطفاء، تارّةً من بشاشة، و تارّةً أخرى تخرج في بكاء، و هذا الطريق الوحيد نحن الغير قادرين على أن نبوح بأوجاعنا، أو حتّى أفراحنا على هيئة كلمات!، فكيف يعبّر المرء عن شعوره، بينما لا طريقة تصلح للتعبير عمّا في قلبه؟.
ثمّ مع مرور الوقت أصبح أسلافنا أيضاً ينتقوا لي -مُلاذ في الأحلام-، و يقودونَني إليه بكلّ الطرق إذا أمكن، و كأنّهم يريدوا أن يثبّتوا وجهة نظرهم قائلين لي: 

"نعلم أنّ الحياة مُرهقة بما يكفي قبل أن يسقط بيضة أمّكِ عزيزتي سارا، تجبرنا على خوض صراعات، و تحدّيات لا تنتهي، نحاول تحقيق أهدافنا البسيطة رغم كلّ المعوقات التي تظهر فجأة، نسعى طوال الوقت من أجل تحقيق أحلامنا البعيدة، نسعى من أجل تحقيق كيانكِ العلمي، نسعى، و نحاول طوال الوقت حتّى مع المحيطين بنا، نحاول أن تكونِ مع اللطفاء منّ النّاس فقط رغم كلّ ما فيّ النّاس من غضب، نحاول ألا نحمّل الأخرين عبء ما تشعرين به، ضغوطات، و إلتزامات، و مسؤوليات فوق عاتقكِ يكاد لا ينتهي.
لذا تدّخلنا نحن للإنتقاء فقط، و الإنتقاء عزيزتي يعني أنّنا أصبحنا نُجيد إختيار ما يناسبكِ في علاقاتكِ مع النّاس، فقد نعلم جميعنا أنّكِ شخص لا يُجيد العتاب لساعات طويلة، و لا تحبّذِ خوض صراعات طويلة مع أيّ أحد لإثبات وجهة نظرك، فنجدكِ تنسحبِ سريعاً من كلّ شخص يحبّ المماطلة، و الشدّ، و الجذب في العتاب، أنتِ شخص لا يعرف كيف يقلّب الطاولة رأساً على عقب فنساعدكِ في قلبها على الفور، تعترفِ بأخطائكِ، و تعتذرِ عنها بسرعة، فنجدكِ تهربِ من أولئك الذين يرفضون الإعتراف بخطأهم، يجيدون قلب الطاولة عليكِ، و يشعرون بلذّة إنتصارهم عليك فنساعدكِ في الإبتعاد عنهم أيضاً.
كما أنّنا نحبّذ أن نقدّم كلّ ما نملك لأتباعنا، عندما نجدهم يعتزّون بما نقدّمه له، و نشكره على ما يقدّمونه لنا، لكن لن تجدينا رفقة هؤلاء الذين ينكرون معروفنا فيما بينهم، فنحن أُناس بسيطون مثل الجميع نمنح ما في مقدورنا بإذن الله من إهتمام، و طاقة، و نهرب سريعاً من كلّ شخص متطلّب لا يراعي قسوة الدنيا، و تقلّبات الظروف، يمكننا الإستماع لكِ، و مساندتكِ، و دعمكِ؛ لكنّنا نهرب من أولئك الذين لا يتذكّروننا إلا في أحزانهم، و أوجاعهم، و يتعمّدون نسياننا في أوقات سعادتهم، و لحظاتهم الجميلة.
مع مرور الوقت أنتِ أيضاً ستتعلمِ الإنتقاء بإذن الله ثمّ بفضلنا، و الإنتقاء لا يعني أن تعيشِ الحياة وحدكِ، لكنّنا سنختار لكِ ما يناسبكِ، و يناسب -مُلاذ في الأحلام- ليرافقكِما الخير في الطريق دائماً".

بسبب معاشرتي مع -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-، و إمتزاج تأثيرات -مُلاذ في الأحلام- مع موجي بدأت أنا أيضاً أشكو لأسلافنا أموراً لا يعلمها إلا أنا، فهم يشكون إليهم حزنهم ذات مولد قديم، ذات خَلق مشوّه، الساكن -بلا جزية أو ضريبة- بين ضلوعهم منذ أمدٍ بعيد.
و أنا أشكو إليهم إنخداع النّاس في تظاهري بالقوّة رغم علمي التام بهشاشتي، و ضعفي، يشكون إليهم ضيق صدورهم في الأيّام، و تتابع العثرات فوق ظهورهم، و حبس العبرات بعيونهم، و تزاحم العبارات في رؤوسهم، يشكون إليهم حتّى لو كانوا لا يُجيدون النطق!.
و أنا أشكو إليهم كلّ من خيب ظنّي، و أضاعَ عمري، و أرهق فكري، و استباح حزني، و هانت عليه في الوداد عشرتي، و أحلامي، و نكر بكلّ -جحود- معروفاً بذلته أنا من أجله طمعاً في رضا الله.
و يشكون إليهم، و هم على يقين تام أنّهم يسمعونهم، و يراهم، و أنّ مهما هانَ على النّاس فعلى الله ثمّ عليهم لن يهون، يشكون إليهم، و هم يعلمون أنّهم سيُنقذون من الغرق، و يُرحموا من همّهم، و قلقهم من قبل الله، و يبدّل عسرهم يسراً بإذن الله.
أشكو إليهم أيضاً عن -مُلاذ في الأحلام- عزيزي القارئ، أشكو إليهم ذكراه الوحيد البعيد الذي يظهر عليّ من جميع الحاضرين أمامي، عن تربّعه في داخل أحلامي من قاع الأرض حتّى عنّان السماء، عن المسافات التي أصبحت قصيرة بيننا بعد أن كانت طويلة، عن إصراره لإضحاكي، و لو لمرّةٍ واحدة ليشعرني بوجوده بجانبي كما يشعر المرء بوجود الروح في صدره.
أشكو إليهم همسه بين تمتمة أفكاري عزيزي القارئ، بين كلمات، و جمل عندما أقرأ كتابٍ ما، في كلّ شيء لصوتي صدى، لا أنكر، و لكن أحياناً أتخيّل أنّه قادم كلّما سمعت خطوات أحدهم، أراه في كلّ شيء حتّى حين أغمض عيني، كلّما أردت أن أغفو أتت وجهه، و ضحكته، مثل أطفال شقيقي الكبير يطرق الباب ثمّ يهرب، و أستيقظ أنا أفتح الباب، و أستقبل الحنين، ضيفٌ ثقيل لكنّه يحملني إلى الأعلى كما الأم الواضعة جنينها للتوّ لحبّها الشديد لا تترك طفلها في الأسفل أبداً، و كلّما أشكو إليهم ظهر في حلمي فجأة قائلاً:

"ثم إنّكِ منّي، طوعاً، و كرهاً، و رضاً، و رغماً، و لا أحد يستطيع أبداً المساس بالركن الخاص لكِ بداخلي؛ أنتِ وحدكِ التي يليق بها أن تُستثنى عن الجميع، كأيّ شيء في الحياة لا شبيه له، كالقمر، و العمر، و زهرة تشرين، و فرحة الأمهات بأولّ مولود، و شعور التائب بلّذة أولّ صلاة، و إبتسامة مريض يئس من عافيته، و برؤ، و لهفة متّهم لسماع القاضي يقول: حكمت المحكمة ببراءة فلان بن فلان، و فرحة الأطفال بالشكر.
أنتِ في محراب الدنيا؛ قبلتي، و وجهتي، و إستفتاح دعواتي، أشهد أنّ كلّ جميل يليق بكِ وحدكِ، و لكنّكِ كثير على كلّ جميل".

أستطيع الهرب من الأحلام بالإستيقاظ منه، و أستطيع الهرب من نفسي، و أفكاري، من أوهامي، و آلامي، حتّى صورتي الحقيقية على المرآة، أكذبها، و أهرب منها ليس لأنّني ضعيفة بل لأنّ رغبتي في الوقوف، و الإنتظار أصبحت معدومة، و لكن لا أستطيع، و لا أجيد الهرب من الأشياء التي أريد نسيانها، و أستطيع وصف -مُلاذ في الأحلام- في عدم قدرتي على نسيانه كالتالي عزيزي القارئ:

"يقف على الرصيف المقابل وسط الجميع ليستقبلني لكنّي لا أرى أحداً سواه، و يقنع روحي كلّ ليلة بالوقوف عن عدم تفكيري به، و لكنّه يستدرجني، و يضع أمامي كلّ الذكريات التي قد يحطّم رغبتي القوية في الهرب، تارّةً أدير رأسي لجهة الحائط لأنام، فأجده مختبئ في رأسي يظهر نفسه لي قائلاً:

"هذا الصراع لن ينتهي أعلم، سأهرب دائماً منّي إليكِ، فربّما ستجدي الأسباب التي دفعتني لذلك كما وجدت أنا".

و تارّةً أخرى الأشياء التي أهرب منها، أجدها أمامي في كلّ مكان أذهب إليه، كأنّه يخبرني بأنّه لا مفر حتّى أواجهه، و ألتقي به، و هذا ضجيج الحقيقة التي سيقتلني أو سأقتل أفكاري حتّى أرتاح، فطوال اليوم أتنقّل من حجرتي إلى المطبخ، و من المطبخ إلى حجرتي هرباً من طيفه الذي ظهر فجأة، فأولّ ما قررت الكتابة عنه إصطدمت بالسؤال التالي ككّل مرّة: لماذا كلّ الطرق يقودني إليك؟".

نعم لماذا كلّ الطرق يقودني إليه؟، لماذا كلّ الطرق لا يقود شخصاً آخر إليه؟، فأنا لستُ بالشخص المثالي، و لا أريد أن يراني هكذا، أنا فقط شخص بسيط للغاية، و ربما لا أعجبه إن تعرّف عليّ أكثر من الآن، أقف في منتصف الأشياء كلّها، فلستُ بالشخص الملتزم، و لكنّي في جهاد مستمر مع نفسي، أخطائي كثيرة، و لا تنتهي، و لكنّي أرجو التوبة دائماً، و المغفرة، و لستُ فائق الجمال، فأنا أؤمن بالجمال الروحي، و لا يعنيني الظاهر، لستُ أيضاً بدون عيوب، و لكنّي أؤمن بأنّ الله خلق فينا النقص فالكمال له وحده، شخصيتي مزاجية، و ترهقني حتّى التفاصيل الصغيرة، و ربّما تؤرقني مجرّد كلمة عابرة، و لكن لديّ قلبٌ جميل، و نقيّ، لا يعرف الزيّف في المشاعر، يحبّ بصدق، و يبذل كلّ طاقته في إسعاد من يحبّ، قلب لا يعرف الصفو سريعاً، و يظلّ يشاجر حتّى يجرح، و يتغافل من أجل إبقاء الودّ، و -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- شاهدٌ على كلّ ما قلت.
لماذا كلّ الطرق يقودني إليه؟، فأنا شخص أكثر عقلانية، لا أترك لقلبي الحكم على الأشخاص، بل أحكم عليهم من تصرفاتهم، و مواقفهم معي، شخص لا أضع أمالاً كبيرة في المحيطين بي، أراهن على مكانتي العظيمة في قلوبهم ما دمت لم أرى منهم ما يثبّت هذه المكانة، شخص ليس بالضرورة أن يبادلوني نفس المكانة كما أنّني أكثر تأنّي في التعبير عن مشاعري، أقصد أنّني لا أبوح بمشاعري سريعاً، و أحتفظ بالكلمات، و الإعترافات النبيلة بعد أن أتأكد منها أنّ الطرف الثاني يستحقها، شخص لا أغامر في طرق مجهولة مع شخص لا أثق في قدرته على تجاوز الصعاب، و الأزمات، و لا أخوض معارك طويلة لأجل شخصٍ ما، ما دمت لا أملك ما يدفعني للقيام بهذا، و لا أخطو مسافات طويلة ما دام الطرف الثاني يعجز عن خطو خطوة واحدة لأجلي.
أشعر كثيراً أنّ أحياناً يمنّ علينا القدر بشخصيات تصلح للحبّ بعدما أصاب قلوبنا العفن، فأصبحنا لا نصلح نحن للحبّ، و كلّ الذنب على الذين تسببوا لنا في تلك الآلام، الذين إقتحموا حياتنا بعد محاولات عديدة ثم إستوطنوا قلوبنا، و حياتنا، و جعلونا نؤمن بالحبّ رغماً عنّنا، نؤمن بالحياة، و بالأمل، و بعدما تملّكوا قلوبنا، و تأكدوا أنّنا أصبحنا لا نطيق الحياة إلا في وجودهم، رحلوا عنّا بكلّ أنانية لا يمكن وصفها، رحلوا عنّا ليتركونا في ظلام، و بؤس أشدّ ممّا سبق.
بعد هذا الشعور أصبحت تحت مجهر إهتمام أسلافنا مرّةً أخرى عندما قالوا لي في الحلم يوماً ما:

"نحن لا ننسى الودّ أبداً، حتّى و إن كانت لحظة فنحن معها ضدّ النسيان، قلوبنا يذكرها قبل عقولنا، و روحنا تحفظها قبل أجسادنا، و حديثنا عنها لا ينقطع، فما بالكِ عزيزتي إن كانت شهوراً أو سنيناً؟، و بمرور الأيّام لن تبحثِ عن شخص يرتاح لكِ، بل ستنجذبِ تلقائياً لمن يرتاح له قلبكِ أنتِ، لن تهتمِ بالشكل الخارجي بقدر رضاكِ عن بساطة الروح، ستتغاضي عن المظاهر الكاذبة، و لن تنبهرِ بكثرة أو بعدد، ستتمنين واحداً يكمن فيه السند، ستضعي كلّ مشاعركِ جانباً، و ستبحثِ عن الأمان، ستكون إحدى أمانيكِ أن يضع الله في طريقك من لا يهوّن عليه حزنكِ، أو يعايركِ على معروف، أو يتخلّى عنكِ بسهولة، شخصاً لا يطيق لكِ فراقاً أو قطيعة، رحيماً إذا وصل، جميلًا إذا هجر، بمرور الأيام ستترجّين فقط أن يمرّ يومك بسلام بجوار شخص من الداخل يشبهكِ، ستجدين، و نحن سنتأكد بأن تجدين.
ألم نقُل لكِ سابقاً أنّ الدنيا مُتعبة؟، و لا سيهوّنها عليكِ إلا شخص يتقي الله بكِ عزيزتي، يأخذكِ من ضيق أيامكِ إلى سعة قلبه، يتقبّلكِ بكلّ عيباً بكِ، يتحمّلكِ وقتما تنفّر أنتِ من كلّ شيء يحيطكِ، يعطيكِ من الحنان ما يفيض به روحكِ، و لا ينتظر مقابل في ذلك، يخلق لكِ الأمان عندما يعتريكِ الخوف، يساندكِ في مواجهة معترك الحياة.
شخص يحافظ عليكِ من أيّ تهميش يصيبكِ أو صراع نفسي تخوضينه، يكون لكِ حافظ أمين على نفسكِ، و هيّن ليّن في ودّه، و صحبته معكِ.
شخص يشبهكِ، يشبه روحكِ، يعرفكِ، شخص يقدّر غيرتكِ عليه، يعرف كيف يتعامل معكِ، لا يهجركِ، و لا يترككِ في منتصف الطريق، شخص يعرف جيداً تأثير الكلمة على النفس، يعرف قيمة الصدق، و طمأنينة البقاء، و قسوة الوداع، شخص لا يحبّ الخصام، يغفر سريعاً، لا يفلت يديه عنكِ بسهولة.
شخص يرى هشاشة روحكِ في عينيه، و يزال يحبكِ، شخص لمرّةٍ واحدة يلاحظ تفاصيلكِ الصغيرة، و يعانقكِ بأحاديثه الراقية الجميلة، شخص يقدّم كلّ شيء في سبيل إسعادكِ، شخص يفهمكِ، شخص لا تزعجه ضحكتكِ الصاخبة، و ثرثرتكِ الكثيرة، تُريه جانبكِ المعتم فيختاركِ، يتقبّلكِ بعيوبكِ قبل مزاياك، و بحزنكِ قبل فرحكِ، بإختصار شخص لا يهوّن عليه قلبكِ، فذاك سيكون الأنيس الونيس لكِ".

إتضّح أنّ حياة المرء عزيزي القارئ هكذا، يبقى حاجته لشخص يؤنسه من وحشة الدّنيا، و غُربة الأيّام رغبته الملّحة، و فطرة، و غريزة ربّانية جُبلت قلوب الخلق عليها، فمهما أوتيت من صلابة فأنت محتاج إلى شخص تسرد له عن ضعفك، و إهتزازك، و هشاشتك، و مهما أوتيت من ستر لأوجاعك، و آلامك فأنت محتاج لشخص تُعرّي له تعب روحك، و تصدع قلبك أمامه بلا خجل، و مهما أوتيت من زحمة، و كثرة في الأصحاب، و العدد، فأنت محتاج لشخص تهرب إليه كلّما زادت كآبة الدنيا.
ألم يخلق الله حواء لآدم ليأنسا؟، و أمر أن يكون في فلك نوح من كلّ زوجين إثنين ليعمرا؟، و شدّ أزر موسى بأخيه هارون ليثبتا؟، و أنعم على داوود بسليمان ليحكما؟، و رزق نبينا بخديجة؟، فهكذا سنبقى نحن أيضاً في أمان طالما معنا من يسندنا، من يفهمنا، من يخبأنا في بؤبؤ عينيه إن حزنّا أو مسّنا همّ أو كدر، يفدينا بأعزّ ما نملك إن أصابنا شر أو ضرّنا شوكة بأذى.
فسعيد مَن له أحد بكلّ أحد، و تعيس مَن بلا أحد، و إن كان حوله كلّ أحد.

تعليقات