365 يوم
2022
إنّني أكتب اليوم عن 365 يوماً الذي مررت به أنا، و جمعينا، أكتب كي ينسى أحدنا أنّه إنكسر يوماً ما منذ بداية العام، أكتب لأنّ أحدٌ منّا إكتشف بين كلمة، و كلمة أملاً مُخبأ ينتظره، أو حلماً ضاع منه في وقتٍ مبكّر من العُمر، أكتب لكي لا يفرغ أحدنا غضبه على أحدنا الآخر من الكتابة، حتّى لا يقرأ لنا أحدهم ما يخجل عنه في كتابته، فقط لأنّه يخفي كتابته بين مخبأ أوراق دفاتره المكتظة في دُرج مكتبه، فثمّة أشياء تعنينا وحدنا فلا نكشف سرّها.
و ثمّة أشياء آخر نكتبها للآخرين الحزينين المهمّشين الذين لا يستطيعون أن يعبّروا عن أنفسهم بجملة مفيدة، فهنا اليوم أكتب عنهم، و غداً أو يومٌ آخر ربمّا ستكتب عنهم أنت أيضاً عزيزي القارئ.
"ما الذي تغيّر خلال 365 يوم؟".
سؤال أصبح يتبادر بذهني قبل أيام قليلة، فأعتقد أنّني يجب الكتابة عنه، فهناك الكثير الذي حدث أثناء مرور 365 يوم، و لم أتحدّث عنه حتّى لصديقي المفضّل.
فما الذي حقاً تغيّر؟، أشياء كثيرة عزيزي القارئ، مثلاً:
- صديقي الحميمي:
طلبت منه أن أضعه في أولى أولوياتي، و أخبرته أنّ ليس هناك أيّ مشكلة إذا لم يبادلني الطلب نفسه، طلبت منه أن أهتمّ به جيدّاً عزيزي القارئ، أن يمنحني نفسه أولاً، و بالمقابل منحني ردّاً صادماً، طلب منّي أن أدير ظهري على وضعه في أولى أولوياتي، و أقصى إهتماماتي، ثمّ طلب منّي لاحقاً، و بشكل غير مباشر أن أكون مطمئنة لأنّ لا شيء سيحدث غير أنّ كلّ شيء سيكون على ما يُرام.
عزيزي صديقي الحميمي:
"إمنحني ما طلبته منك أولاً، و من ثمّ إطلب منّي ما شئت لأنّني بتّ أشعر بالفرق في غيابك، و حضورك أيضاً، ثمّ إجعلني ألتمس لهفتك، و إشتياقك كما كنت أفعل سابقاً، لأنّني سئمت من لومك حين أكتب عنك، و كأنّ الكلمات تسخر منّي عندما ألومك، و لا أعبر عن حبّي لك!.
ليس من المنطق أن تحرمني مما طلبته منك، و ليس من العدل أيضاً أن أنفق مشاعري عليك التي هي -أغلى ما أملكه-، و لا تقدّره، فأنت تعرفني جيّداً، فأنا لا أهدر مشاعري بسهولة على أيّ أحد، أراك معي أحياناً بخيلاً شحيحاً لأنّك إستسلمت للضعف اللفظي، و الأشخاص الجاحدين، و الطبيعة القاسية التي تربيّنا عليه معاً، إستسلمت في الوقت الذي كان يجب عليك المحاولة، إستسلمت، و ما زلت تستسلم، و تقول لا بأس سيكون كلّ شيء على ما يُرام!".
- التعب العام من الروتين المتكرر:
أصبحت أحبّذ قول مساء الخير أكثر من صباح الخير، و شيئاً فشيئاً بدأت أنزعج من منزلنا التي كان يملئها الفوضى.
من أصوات الشجّار بيني، و بين شقيقتي، من بحث أحدنا عن فردة حذائها، و من أحدنا الآخر الذي يصرخ على والدها طالباً منه مصروفها الشخصي.
من أكوام كاسات الشاي على الصينية بعد تناول العشاء كلّ يوم على مائدة الطعام.
من مصاريف المنزل التي كانت تكسر ظهري لأنّني كنت مسؤولة عنه.
من الفوضى الذي كان، و مازال يكتظ بحُجرة شقيقتي كلّ صباح.
من السباق على باب دورة المياه عند كلّ آذان.
من تحضير الطعام أثناء كلّ مكالمة كانت تأتي على هاتف والدتي.
من تسديل الشعر قبل الذهاب للجامعة أو إلى أيّ مكان.
من مسح الثلج أو التراب عن الأحذية، و تصبّغها باللون الأسود عند الخروج من المنزل.
من ترتيب المنزل الذي لا أحد كان يرتبّه سواي.
من شراء الأغراض للمنزل كلّ أسبوع أو أسبوعين.
من إنتهاء المال على منديل دورة المياه أكثر من مشروبات الغازية عند كلّ تسوق.
من الرائحة التي تتركه سائل غسيل الصحون أسفل أظافري عند جلي الصحون.
من الحنين على الواجبات المدرسية الذي كنت أتشوق في إنجازه كلّ يوم.
من محاولتي لإلتقاط كلمات تركية جديدة من المارّة الذي لم يسبق بي سماعها من أساتذتي سابقاً.
من سخرية شقيقي الكبير عليّ في عدم حل المسائل الحسابية بشكل صحيح مثله، و الإنصات لمواقفه البطولية الذي لا وجود له في الواقع، و ثرثرته اللانهائية عند حدوث أبسط خطأ في كلّ موضوع.
عن ساعات الهدوء التي أنتظره نهاية كلّ يوم حينما كان ينام جارنا المزعج.
من إلتقاط الوسادات المتناثرة في أرجاء حجرة الجلوس.
من مسح الطاولة من آثار السهرة العائلية مع الضيوف الذين كانوا يصدموننا بمجيئهم المفاجئ في منزلنا، و جمع فتات رقائق البطاطس من الأرجاء.
- التصادف في الحياة مع شخصين:
الأول خذلني، و لم ينساني؛ فالأذى سيلاحقه من دعواتي بلا شك عاجلاً أو آجلاً، و سيتذكّر ما كان ينوي لي، و الآخر طيّبٌ قد رحل، كان جميل للحد الذي جعل الأرض عاجز عن حمله فخبأه بداخله للأبد، لم، و لن يعوّض غيابه من بعده أحد، عرفت قيمته لا مُحالة بعد إنعدام الفائدة من الكثرة الواهمة حولي، ذلك الذي كان قربه حتماً سيُغنيني عن العالمين.
- الرعب من الفراق:
أصابني الرعب في مقتل تعلّقي بشخص كان موجوداً حولي فجأة، و لم أجده، أثار ذُعري إدماني لتفاصيل مقتله، أتعبني التفاصيل، و دّقته أكثر عندما لم يكترث إبنه لتفاصيل ملبسه.
جعلني الفراق هشّة للغاية لعدّة أشهر لاحقة، مهما بدا لجارنا أو لأصدقائي أنّني حيّة، يهجم عليّ في معظم أوقات حياتي التي أودّ فيها أن أكون مطمئنّة، هادئة البال، فيذكّرني الفراق بالذي رحل، و لم أشبع منه بعد، بالذي فارق بلا أسباب يستحق ذكره، بالذي هجر دون أعذار، بالذي غاب دون أن يخبرني عن مساوئ بدرت منّي.
تهدمني كلمة وداع بعد مرحباً عزيزي القارئ، و تقتلني لحظة لم أكن فيها مستعدّة للفراق، و غيري قد قررّ، و إستعد.
- مرض والدتي المفاجئ:
لم أستطع أخذ مساحتي في تخطّي وفاة أبي -رحمه الله- حتّى مرضت والدتي فجأة، فإنشغلنا مع والدتنا جميعنا، و لم نستطع أن نستمتع باللحظات التي تلتها، فكبر صغارنا فجأة، و كبر همومنا أيضاً، زدنا نحن الفتيات حساسيّة، و زاد فتياننا ضخامة، و أصبحوا يتباهوا بالشوارب، و اللحية.
في الوقت الذي كان يجب على كلٌ منّا إختيار طريقه، و الإستقلال بتفكيره، بحياة جديدة تبزغ من قلب هذا المنزل، -منزل العائلة الكبيرة-، و مغادرة المنزل واحداً تِلو الآخر، منهم من يتزوج، و منهم من يسافر، و منهم من ينتظر أقرب فرصة ليحلّق بعيداً باحثاً عن حلم، و منهم من ينقضي أجله، فأصبحوا عادّيين أكثر من قبل، و أصبحوا رديئين، و أصبح عادّيتهم رديئة، فأصبحوا فجأة يلازموا العادات، و التقاليد المهجورة، و لم يعودوا يريدون المشي على أدراجهم، و أصبحوا يشتكون من أدنى شيء -كقرص الناموس في الصيف اللئيم- فإرتفعت حرارتهم حينما إختلفت الأراء، و سهرت العائلة للتناوب على غيبة، و نميمة النساء المشهورة في يومنا هذا، فجأة أصبحوا ضيوفاً في منازل من يجاوروننا، و هكذا اللحظات توالت، و لم تنتهي بعد.
- التشوق للنوم مبكّراً لأجل الأحلام المُلهمة:
عندما كانت تعصف بي مشكلةٍ ما أو حين تضيق بي الدّنيا، و أشعر كأنّ كلّ شيء تدفعني للبكاء، أو حين تزعجني التفاصيل، و أخجل من الحديث عنها، أو حين أشعر بالضعف، و أخجل من الإعتراف به كنت أترددّ في الإتصال على أحدهم، معتقدة أنّني لا أجد مستمعاً جيّداً لي، لن أجد مَن لا يمل من الإنصات لي بكلّ إنتباه، فكنت أنام، و كأنّ النوم الوحيد الذي يمكنه دعمي، و البقاء بجواري في لحظاتي الصعبة، فكنت أحلم غالباً أنّني أروي المصاعب الذي مررته لنفسي، و للقمر الأبيض، و للنجوم الكثيرة حول القمر، و أنا أرتشف الشاهي في ليلة مثلجة، و مليئة بالضباب أكاد أجزم أنّني لا أرى الشارع، بجلسة سمر مع بطانيتي الذي تدفئني، و هاتفي الذي تعلو منه صوت موسيقى هادئة تناسب الليلة، كنت أستيقظ من النوم بإبتسامة نصر، و تجاوزٌ عظيم، عندها كنت أهدأ.
أعرف أنّك لا تتفق معي عزيزي القارئ، و تخشى عليّ أن يكون محيطي قد يكون عبئاً ثقيلاً عليّ، ربما حتّى ستعتقد أنّ شقائنا ستخفّ، و أحداثنا ستثقل وزنها بدعم، و ونس الأصدقاء، لكنّ الحياة رحلة طويلة، و صعبة!، و أحياناً ستجد صديق يستمع لك، و أحياناً أخرى لا تجد صديق متوفّر لك حتّى فستجد نفسك تلقائياً بدأت تتثاوب لتستعد للنوم لأنّك سئمت من محاولة ضيق العالم بك.
- مُلاذ في الأحلام:
أكتب عن هذا الصديق للمرّة الأولى عزيزي القارئ إبتداءً من ظهوره في الأحلام متسلسلاً بإشارات كونية من قبل أسلافنا، ثم إنتهاءاً بلطافته العام إتجاهي، فلا يودّ المرء شيئاً أكثر من الطمأنينة، جميعنا هاربون نبحث عن أمرٍ واحد فقط مهما تعددت الأشكال، و المسميات، نبحث عمّن نستطيع أن نثرثر لساعات بحضرته دون أن يرمقنا بنظرة تجعل منّا حمقى، نبحث عمّن نستطيع أن نضحك معه من القلب، و بنفس الوقت نستطيع أن نبوح له عن مكنونات ذلك القلب الذي يظنّ الغرباء بأنّه لا يعرف شيئاً سوى الضحك، نبحث عن الذي حين نذهب له بروعتنا يهدأها، الذي يعرف الجرح، و يمرّ عليه بليّن لا يزيد الجرح جرحاً.
جميعنا نبحث عمّن نخبره قبل النوم عن أمور شخصية من الدرجة الأولى ثمّ ننام بطمأنينة عالمين بأنّ تلك التفاصيل ستبقى شخصيّة.
هذه هي الطمأنينة أن أغفو، أغيب، أنكسر، أبكي، أنهار، و أنا أعلم بأنّ أحدهم سيتقبّلني بسيئاتي كيفما كنت، أحدهم سينظر لي بدهشة لا تغيب مهما كثرت عيوبي، و قلّة محاسني، أحدهم يطبطب على الروح هامساً لها أنا هنا حين تعصف بي الحياة، و حين يخونني الأشخاص يقول لي أنا الكتف الخفي الذي تستند عليّ، و أنا بكامل ثقتي بأنّ رأسي لن يسقط بسبب ذلك الكتف.
جميعنا نبحث عن تلك الطمأنينة مهما هربنا من هذه الحقيقة، و مهما أظهرنا للعامّة بأنّ لا حاجة لنا بتلك التفاصيل.
أمّا أنا فما زلت صابرة، صامدة أبى السقوط أو الإستسلام، راضية، ثابتة رغم ما بي من عثرات، أعطي بلا مقابل، أسأل عن الغائب، أطمئنّ الخائف، أمنح غيري ما يحتاج إليه، ما زلت أصيلة على الأقل لا أنكر معروفاً، و ما زلت لا أشبه أحداً.
- فقدان الشغف:
كلّ يوم كنت أبدأ في الإنعزال أكثر، فقدان الشغف أسوأ من الإصابة بالإكتئاب عزيزي القارئ، الإكتئاب قد يكون إبداعياً أحياناً، تتمكّن من التعبير عن نفسك بالكتابة أو الكلمة أو حتّى التفكير، أما بفقدان الشغف فأنت مسطّح تماماً، مثلاً الآن أنت تأكل لأنّك تشعر بالجوع، و ليس لأنّك إشتقت لنوع معيّن من الطعام، كلّ كعكات الشوكولاء، الكب كيك، الوافلز لم تعد تثير إهتمامك، و كلّ أنواع البيتزا، اللازانيا، السلطات لم تعد قادرة على إسالة لعابك.
المحلّات التي كنت تتمنّى دخولها في الماضي عندما كنت لا تملك الإمكانيات، باتت الآن شيئاً مملاً، سخيفاً، اليوم تملك إمكانية شراء ما تريده، لكنّك ببساطة لا تريد، لا تريد القراءة، لا تريد الكتابة، لا تريد سماع الموسيقى، لا تريد سوى الجلوس، و التحديق في الفراغ لفترة غير واضحة من الوقت.
فقدان الشغف قد يكون عرضاً مؤقتاً، طيلة فصل معيّن مثلاً، و قد يستمر على مدار عام كامل، و في رأيي إنّه يحدث بالإصابة بنوع من -التخمة المشاعرية- فأنت جربت كلّ أنواع المشاعر عزيزي القارئ، و الأحاسيس، و لم تعد راغباً في أيّ شيء آخر، أو قد يحدث بسبب الإستغناء، أنت لم تجرب لكنّك لا تريد أيضاً.
- كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده:
مجيئه إلى منزلي لرؤيتي فقط كان يعني لي شيئاً كبيراً، و ماذا يريد المرء غير العِشرة الطيبة التي لا يعادلها شيء؟.
تلك هي أرزاق مجتمعة في رزقٍ واحد على هيئة شخصٍ ما، يضعه الله في طريقك بلا بحثٍ منك، و لا حسبان، يمكث معك ما قدّر الله له أن يمكث فلا تشعر معه بالضيق أبداً، و لا تجد منه ما يسؤوك أبداً، و لا تحمل للدنيا همّاً بجواره أبداً، بل تشعر بالخفّة في رحابه، و الغربة في بُعده، و الفقد في هجره إن حدث وقت الخصام.
يبقى عالقاً في ذهنك طيب أثره، و في روحك حسن طباعه، و في قلبك ألفته، و إحتياجك إليه مهما حدث، تشهد له مواقفه معك، و سنده لك، و دفاعه عنك، و رضاه بك على أيّ حال أنت عليه، طال العمر أو قصر فلا بديل له بداخلك.
تلك العِشرة التي يزرعها الله قدراً، فأينما نزلت في ساحة البشر كان هو الأول، و الآخر عندك، بجوارك كان أو بعيداً عنك.
- الليل، و ليس النهار:
أصبحت شخصاً كتوماً لا يتقن شرح حزنه بسهولة، و لا يجيد التعبير عن فرحه بسلاسة، يصعب عليه فهم نفسه، أو ماذا يريد؟، و لكن سابقاً كنت أفتعل الصخب بين أصدقائي، كنت أكثرهم شغباً، و أكثرهم ضحكاً، و مرحاً، كانت لا تفوتني ساعة إلا، و أعلن فيها عن وجودي بشيء أو بآخر يليق أو لا يليق بالطفل الساكن بداخلي، كنت لا أهتم كيف يبدوا ذلك الطفل بنظر الآخرين.
أمّا الآن أصبحت أكره الضوضاء، و الصوت العالي، بات يزعجني رنين الهاتف، و صوت التلفاز، و البائع المتجوّل في حيّنا الذي لا يملك سوى صوت الرنان لجذب زبائنه، و بيع بضاعته، أصبحت لا أطيق النقاش مع أصحاب الحناجر القوية الجهورة، أصبحت أحبّذ الليل أكثر من الصباح، القمر، و النجوم، أكثر من الشمس، و ضوئه.
أصبحت أميل للهدوء، و السكينة، و الضوء الخافت، و أكره ما دون ذلك كرهاً شديداً، أبحث عن راحتي النفسيّة فأجدها في الوحدة، و العزلة، و الأشياء التي يكسوها الوقار، و البساطة، أصبح لديّ إيمان شديد، بأنّ الله قد خلق الصمت ليكون رداً قاطعاً لكلّ ما لا نستطيع عليه جواباً أو صبراً.
لا أدري ماذا أصاب الطفل القابع بداخلي عزيزي القارئ، أو ما الذي أودى به إلى ذلك الطريق!، و لكنّي أعتقد أنّه لم يعد طفلاً كما كان.
- صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض:
تشوقت كثيراً هذا العام أكثر من أيّ عام قد مضى، أن أصف لصديقي ما مررته، و ما عشته، و ما رأيته من مواقف، و أحداث، و لكنّ الظروف يغلب على المرء أحياناً فيبعده حتّى من والديه فما بالك بصديقه عزيزي القارئ؟، فبات الأحداث، و القصص الذي كنت مُعدّة له سابقاً مختبئاً هناك في الأعماق، لا أستطيع التحدّث عنه مرةً أخرى كالمرّة الأولى، مهما حاولت أنا، و مهما أراد هو أيضاً، و أرى أنّ لا بأس بذلك فقد أدركت أكثر من ذي قبل، فلطالما أنقذني الإدراك أكثر من أيّ شيء آخر.
لذلك يجب على المرء حينما يبلغ رشده أن لا يمنح الأشخاص أكثر من حقّهم، أو يعطيهم أكبر من حجمهم، فالذي يعقل أمور الدّنيا يعلم جيّداً أنّ الغياب سيغيّر، و عندما تقررّ العودة من الغياب قد تلاحظ أنّ قد حدث الكثير الذي فاتك، إفهمها كالتالي عزيزي القارئ:
"هذه المرّة قد فاتك القطار لأنّك وصلت متأخراً، ربما المرّة القادمة ستظهر في الوقت المناسب".
- صديقي الإستثنائي السابق:
يكاد يصبح سنتين على فراقك، و ما زال يزعجني الأمر أحياناً، و ما يزعجني في نهايتنا أنّنا إفترقنا في حضورنا، في اللحظة التي كنت أملك فيها أخبار سعيدة، و لم أتحدّث معك عنها لتشاركني سعادتي، في اللحظة التي تحطّم قلبي، و قضيت ليلة في غاية الحزن، و أحاديث، و خيبات، و مع ذلك لم أذهب إليك، لأخبرك بها، و تواسيني، حين كررت أخطائك، و لم أعاتبك عليها بل تجاوزتها، و كأنّ شي لم يكن، و حين تأكدت أنّ مكانتي في قلبك لا تشبه أبداً مكانتك في قلبي، فقد كنت أراك الشخص المميز، الإستثناء الوحيد، بينما لا أعلم ماذا كنت تراني!.
حين فقدت القدرة على معاتبتك بعدما أدركت أنّ لا قيمة للعتاب، و بعدما إتسعت المسافات بيننا فلم أفتقدك أو أبحث عنك وسط الحضور، بعدما شعرت بالوحدة في وجودك، ربّما لا تصدقني عندما أقول لك، و لكنّني بكيت كثيراً من فرط عدم قدرة تصديقي لخبر إنتهاءنا هكذا، بكيت لأنّنا إنتهينا في الوقت الذي إعتقدت أنّنا لا ننتهي أبداً.
و مايزعجني أنّنا إنتهينا بجفاء، و برود، نهاية لا تليق بالأحداث، و المواقف التي جمعتني بك، و مثل هذه النهايات تعني أنّنا لن نعود مرّةً أخرى مهما حدث.
أسمى أمنيات المرء أن يكون متأكداً ممّا يحدث في حياته، ألا يقف بين البين، ألا يستنزف في وجهات ليست له، و ألا يضع مشاعره في الأماكن الخاطئة، أن يحب من يستحق، و يبادله الحب بنفس القدر، أن يكون برفقة من يستأنس به، و يتقبّله كما هو دون شرح أو تبريرات أو خوف من كيف سيبدو في نظره؟، أن يعرف كيف يستمتع بما يحب بدلاً من كثرة التفكير خشية فقدانه، و يمضي دون إنتظار لأشياء مجهولة، أن ينجلي عنه الخوف، و قسوة التفكير.
لا يهمّ الواحد منّا تحقيق الإنتصارات، و لا يهاب الفشل، بقدر ما يهمه فقط أن يحيا آمناً، متحرراً من كلّ ما يضعف كاهله، و يثقل عليه العيش، يهمّه فقط أن يكون برفقة من يحبّ، و لديه ما يتحمّل لأجله سخافة الحياة، يذهب للنوم في سلام، و يستيقظ منه بسلام، و يقضي يومه بسلام، أن يحيا حياة هادئة جداً لا يتخللها إلا اليقين، و الأمان، حتّى و لو يعرفه العالم يكفيه أنّه بمأمن بعيد عن كلّ ما يفسد عليه صفو مزاجه، و أن يمر بخفّة شديدة على الأشياء، و لا تؤثر فيه أو تأخذ منه بقدر أثره هو بها.
أردت بشدّة أن أكتب عن هذا العام عزيزي القارئ، عن المحاولات التي لم تنتهي، و لا أعلم مصيرها، عن الخذلان الذي لا يعد، عن التفكير، و الخوف، عن كلّ طريق لم يؤول لنهاية مرجوة، و عن الأحلام التي لا أعلم ستتحقق أم سأظلّ أشقى بها!، عن وقوفي بين البين، و الضياع الذي أشعره بكل خطوة، عن الرفاق الذين لم يعودوا بالشكل الذي كانوا عليه.
أثقلني هذا العام نعم، لكنّه أنضجني أيضاً، فعلمّني أنّ الإنجازات ليس شرطاً أن تكون ضخمة، و ملموسة، و أنّ صمودي رغم ما ألاقيه إنجاز، و تمسّكي بالأمل رغم ما يدفعني للعكس إنجاز، و حفاظي على قلبي أخضراً رغم زرقته ممّا يكابده إنجاز، و أنّ الحرب الأكبر، و الجهاد الأعظم أن تقسو على الأشياء فلا تعلّمني إلا اللين، و الرّقة.
علمني هذا العام أيضاً أنّ الأشياء التي لن توضع في شهادات، و لن يعرفها العالم هي التي تشكّلنا.
و ها قد إنتهيت من كتابتي عن هذا العام، و لو كان لديّ أمنية بالعام الجديد، فهي ألا أضلّ، أن تتضح لي حقيقة الأمور من البداية، ألا أهبّ للتجارب، و النّاس، فأعود بالنهاية خالية حتّى من نفسي.

تعليقات
إرسال تعليق