طمأنينته العجيبة
في أيّام كهذه منذ عامين كنت متعبة على الأرجح، و كان الأمل ضئيلاً لا يكفي لإشعال شمعة، كان كلّ شيء يبدوا معقداً، و صعباً للغاية، ثمّ أتى الذي بدا لي -طمأنينته عجيبة-، و هو يحمل الشمس في كفّه فأضاء حياتي، و عمّ النور أرجاء قلبي المُتعب.
فكما تعلم عزيزي القارئ، الحياة حينها لم تكن هادئة، صدّقني لم تكن بتلك الرتابة التي تخيّلتها سابقاً حينما كنت في أكبر دول الشرق الأوسط مساحةً، إنّني كافحت كثيراً لأجعلها تبدوا كذلك، لكنّ الفوضى التي في الداخل كانت كبيرة للغاية، حينها كان ثمّة بستان في صدري، أفسدته العواصف بين الحين، و الآخر، لكنّني أعدت بناءه في النهاية، صحيح أنّني أهمل الأمر أحياناً، لكنّني دائماً كنت أعود، لقد إعتدت الكفاح من أجل الأشياء التي أحبّها.
رجوت أن أجد شيئاً يكافح من أجلي، شخصٌ واحد يكترث لأمري يكفي لأكون سعيدة، لمسة حانية على يسار الصدر تكفي ليُزهر في عينيّ العالم كلّه.
فلا أعتقد أنّ الحياة تصبح حياة دون أن يعمّها شيءٌ من الحنو، و لا أعتقد أنّ السعادة تصبح سعادة دون أن يتشاركها شخصان، و لا أعتقد أنّ ثمّة شيء يمكنه أن يملأ القلب دفئاً أكثر من المحبّة، و آثارها، المحبّة التي يمكنك أن تراها في عينيّ أحدهم، و أنت قادم نحوه عزيزي القارئ، الحنان الذي تشعر به حين تلمس يده، الطمأنينة العجيبة التي تلامس قلبك حين تقف بجواره، الفرحة التي تعلو ملامحكما، و الرغبة في توقف الزمن عند تلك اللحظة، اللهفة للحديث عن كلّ شيء، و أيّ شيء، نسيان العالم كأنّ ليس فيه غيركما، أمرٌ بهذه البساطة، و بهذا التعقيد يمكنه أن يعيد للحياة رتابتها، و يجعل المرء يرغب في البقاء ليومٍ آخر.
الحياة لم تكن هادئة حينها عزيزي القارئ، لكن وجود شعور الطمأنينة العجيبة على وجهه جعلها كذلك؛ فكنت أهدأ بمجرّد النظر إليه، كنت أشعر أنّ روحي إستقر في أأمن مكان في العالم، و ما زلت أشعر.
حين رأيته لأوّل مرّة شعرت أنّ لديه شيء يخصّني، شعرت أنّ ثمّة شيء في العالم يستحق أن أكافح من أجله، جاء من كلّ الدروب أجر تعبي، و أسترحت في عينيه، ما زلت أسكن في نظرته الأولى منذ أن إلتقينا، لقد شعرت بلّذة الوصول عندما إلتقيت به أوّل مرّة، هل يستطيع أن يدرك كم عمراً إنتظرت من أجل هذه اللحظة؟، كم تعباً تحمّلت من أجل هذه الرّاحة؟، كم درباً قطعت؟، كم مشقةً عانيت؟، فلم أسأل عنه، و لم أبحث عنه، لم يخبرني عنه أحد، لقد عرفته بقلبي فقط.
وقفت أتأمّل تفاصيله عندما بدأت أحادثه في حجرتي لأوّل مرّة، و أسبّح الله الذي أبدع خلقه، و تصويره، بدأ الأمر في عينيه، من هناك بدأت رحلتي في تفاصيله، من أعذب الأماكن، و أرّقها، من هناك يتسلل النور إلى العالم، ثمّ إنتهى الأمر فيه هو، و هو بتلك الوداعة لا يشين بأيّ ضرر، يبدوا من النقاء بحيث أنّي أكاد أقسم أنّه بلا خطيئة، براءة غريبة يغلّف مظهره، أو لعلّها يغلّف إحساسي إتجاهه، لأنّي بتّ أنظر إليه من تلك الزاوية، زاوية القلب.
لا أبالغ عزيزي القارئ إن قلت لك أنّه يمنح الأشياء وهجاً، و بريقاً بمجرّد النظر إليها، لقد فعل ذلك بيّ كلّما إنطفأت أعدت نظراتي إلى وهجه، أذكر أنّ ذلك حدث أيضاً عندما نظر إلى حياتي، و لمسة يده أيضاً، تلك اليد الحانية، لو أنّني وضعته على بركان يوشك أن ينفجر لهدأ فوراً، أتذكّر كيف كان قلبي يهدأ كلّما وضعت يده على صدري، و كيف أنّ الحياة تتساقط من كتفي كلّما ربتّ عليّ، و تبسّمه المستمر يُضيء لي الحياة، تبسّمه في تبسّمي لي حياة، و رمشه حاد كسيف في يد فارس، رقيق كريشة في جناح طائر، و وجهه العذب لا يمكن نسيانه بسهولة، كلّ من يلمحه يبقى أسيره إلى الأبد.
عليّ أن أعترف لك حقاً عزيزي القارئ، بأنّ الوقت معه يشبه شعور المشي على أرضٍ ناعمة بعد الركض الطويل على أرض وعرة، أشعر معه بالألفة، بالحبّ، بالإنتماء، أشعر معه، و كأنّني أملك كلّ شيء، و ما يجعلني حزينة هو أنّني لم أعرفه منذ إثنا، و عشرون سنة.
إنّه يمتلك ذلك النوع من الجمال المحيّر، الذي يجعل المرء يقف أمامه حائراً، لا يعلم عن أيّ جمال يتحدّث، ليس جمالاً خارجياً فحسب، إنّه جميل من الداخل أيضاً، حنانه الطاغي يملأ كلّ شيء حوله، إنّه أحنّ من ظلّ شجرة، و لديه من الرّقة ما يكفي ليكون نسمة من نسمات الفجر الباردة، و لديه من الأدب ما يكفيه ليصبح قصيدة، و أمّا عن خلقه فقد زاد خلقها جمالاً، فهو نبيل، رحيم، أنيق الفكر، بريء القلب، حُسن الخصال، راجح العقل، ليّن الطبع، عذب المنطق.
هو ليس عاديّاً، فهو شخص يرّتب الحياة بداخلي، أصبحت أتلّمس الشعور الذي لا يستطيع أحد الوصول إليه، كونه يخصّ حاسّة معنوية، و ليس شيئاً يمكن الإمساك به، فلم يأتيني على كفوف الراحة، لقد إنتزعته من الحياة إنتزاعاً، لقد إنتقمت من كلّ ما أرهقني في اللحظة التي إلتقيته فيه، لا أريد من الحياة شيئاً آخر، لا أعتقد أنّ ثمّة شيء آخر يستحق أن أكافح من أجل الحصول عليه، تكفيني حياة هادئة برفقته، يكفيني من الحياة وجوده بجانبي، و يكفي أن يجد المرء شخصاً واحداً على ظهر هذه الأرض لا يضطّر معه إلى إخفاء نفسه ليكون مقبولاً، إلى تزييف أفكاره الحقيقية أو مشاعره، لا يحتاج عمراً ليجده، و عمراً آخراً ليعرف أنّه وجده، فالذي يمنحه جناحان، و مساحات شاسعة للحديث، هو الذي يستطيع أن يكون منطلقاً في نقاشاته معه، دون خوف من سوء فهم، أو ترك مجال للظنون السيئة.
ربمّا تسألني عزيزي القارئ هل أحبّه فقط؟، لا أعلم إن كنت أحبّه قليلاً فحسب لكنّني أبتسم كلّما تذكّرته، أشعر بالرغبة في معانقته حين أراه، أشعر بالإنتماء إليه حين أعانقه، أشعر بالحنين كلّما غاب عنّي، و لو قليلاً، أشعر بالدفء لمجرّد نطق إسمه، يطمئنّ قلبي كلّما إبتسمت، و تهدأ روحي كلّما تحدثت معه.
أحبّ كلّ ما بيننا، كلّ ما أعيشه معه هو تحديداً، أحبّ أنّه في أيّامي بهذه الكثرة، و أنّ وجهه يملأ طمأنينة عجيبة كلّما نظرت إليه، أحبّ أنّه كلّ شيء لي، أتفهّم أنّني أقربهم له رغماً عن المسافة، أحبّه، و أحبّ أنّ الله وضعه في طريقي كنسمة باردة تهبّ على قلبي، و تجعلني مطمئنّة، الأمر ليس مقتصراً على الحبّ فقط عزيزي القارئ، إنّني أشعر أنّه جزءٌ منّي، لقد تشاركنا الجرح ذاته، و الضمادة ذاتها، و حين إلتئمنا، إلتئمنا معاً، و كأنّنا جسدٌ واحد، و عندما يشعر المرء بالمحبّة تتغيّر جودة الأيّام في عينيه للأفضل، تزهو اللحظات، و تتمددّ الراحة في كلّ لحظة، لا يطلب المرء أكثر من محبّة صادقة دون حاجة، أو دافع.
لا أبالغ حين أدير عينيّ فلا أرى سواه، لا ألوم عينيّ، إنّه يملؤه، يملأني، ليس ثمّة مكانٌ لشيءٍ آخر، إنّه الجميع، و الجميع هو، فلقد أحيا في داخلي أشياء كنت أظنّها ماتت، لهفة الأطفال، شقاوة الصبا، حماس الشباب، لقد أحيا الإنسان في داخلي مجدداً.
أحتاجه أحياناً، و لست ضعيفة من دونه، و لا حزينة، حتّى لو لا يفعل شيئاً لكن وجوده يجعلني أطمئن، لكنّ الحياة تصبح ثقيلة كشيء لا أريده حقاً.
إنّه أوّل من يخطر في بالي كلّما سُررت، و أوّل من ألجأ له كلّما ألّم بي حزن، إنّه اليد الذي يسندني، و العين الذي يرعاني، و القلب الذي يحبّني، إنّه أحنّ ضلعٍ في صدري، و أرق وجه في مخيّلتي، و أعذب نبضةٍ في قلبي، و تسألني عزيزي القارئ هل أحبّه فقط؟، ليس حبّاً فقط إنّني أحيا به.
أن تكون سبب في إستمرار شخص بالحياة مثله لأحدهم، أن تكون السبب الأساسي لإستيقاظ أحدهم من نومه سريعاً ليتفقّد رسائلك، أن تجعل أحدهم يتوقف عن كونه متشائم، يتوقف عن إلقاء الشتائم على هذه الحياة، أن يتغيّر أحدهم بشكل كامل لأجلك مثلما تغيّرت أنا للذي بدا لي الذي -طمأنينته عجيبة-!.
أتعرف معنى أن ينطوي العالم في شخص واحد عزيزي القارئ؟، أن يصبح شخصٍ ما هو العالم بالنسبة لشخصٍ آخر؟، بالضبط، إنّه عالمي، فهو إنتصاري الأعز، أقصى طموحاتي، لا أعتقد أنّ ثمّة شيء في الحياة أجمل من أن يأتيك ما كنت تحبّ كما تحبّ.
نعم عزيزي القارئ، يظلّ المرء يطارد هذا الدّنيا، سعيٌ، و حصاد، و آلاف المحاولات، و بعد كلّ هذا يعرف أنّ إبتسامة في وجه من يحبّه هو الوصول.

تعليقات
إرسال تعليق