لو أنّني أحببته مبكّراً
في التاسع من كانون الثاني هذا العام إستعدت رغبتي في الإستمرار، و مُهادنة الحياة، و كسبت حجرة جديدة في قلبي، حتّى ظننت أنّ كلّ شيء سيستمر وديعاً بهذا الشكل، لكنّني كنت مخطئاً، فيقولون:
"أنّ المرء إذا مرّ بما هو صعب فلن يهزمه ما هو أصعب".
أصدّق هذه العبارة أحياناً، لكن في ظروف لا أفهمها، و لا نفهمها جميعنا، يحدث أنّ المرء يصبح أكثر هشاشة، و تكسره الأحداث الصغيرة، مثل شجرة أسقطتها نسمة خفيفة بعد أن كانت تقاوم الفأس.
قبيل الرابع من آيار، و تحديداً اليوم الأول من عيد الفطر أتاني أبي، و هو يحمل بين جنبيه ملئ الأرض حنيناً، لم يكن يرجوا سوى أن يرى باب قلبي مفتوحاً له، و قلبه ملهوفاً، كقلبي مثلاً أو أقل قليلاً، كان يمكن أن يرضى بأقلّ من ذلك، كان حقاً يحبّني، لكن أنا كنت كالحجر مع قلبه، قلبي أبى أن يفهمه، أن يشعر به، أن يعي شيئاً حتّى، فهو كان رقيقٌ معي كلمسة طفل، و أنا قاسية كصفعة خيبة، هو حنونٌ معي كظلّ شجرة، و أنا رمضاءٌ، و نار.
تصرّفي الغير متوقع به أشعر الآن جعل أبي حزين آنذاك، تماماً كالحزن الذي وصفه الكاتب بيتر هاندكه:
"كان يعلم تماماً أنّ الحزن لن يجعله خالداً، لكن صلباً، منيعاً، جعله الحزن جموحاً، شفافاً تماماً، و مُتشرّباً لكلّ ما يمكن أن يحدث، و في الوقت ذاته غير مرئي إذا تطلّب الأمر".
لم يكن يريد منّي أبي شيئاً مستحيلاً، هو فقط كان يخشى الخيبة، كان يرجوا ألا يتعرّض لخيبة أخرى منّي فقط، كان يمكنه الإنسحاب مبكّراً، كان يمكنه أن يخبرني أنّني خيبة مؤجلة كفتياته الأخريات، كان يمكن أن يمضي في طريقه لو أنّني تركته يمضي، لو لم أمسك يده، لو لم أشعره بأنّه قد وصل إليّ أخيراً.
لم يكن نفوري عنه بالأمر المؤلم فحسب بالنسبة إليه، بل كان شيئاً يشبه الأسف كأنّه يكتب كتاباً كاملاً لإبنته التي لا تقرأ، لم يجمعنا موقف مُذهل، أو ذكرى جميلة، لم يجمعنا التشابه قط، أو التلاؤم، أو القُرب، إنّما هُم هكذا أهل الحبّ، حينما يموتون يكفيهم أن تجمعهم سماء واحدة، يرسمون أحلامهم على الماء، و لا يبالون إذا تلاشى بهم المدّ أو الجزر، يبكون على عجل في كلّ مرة، يودّون فقط أن يرجعوا لأرض الدّنيا ليعانقوا عائلاتهم، و أحبابهم على السريع، ثمّ يعودوا إلى موطنهم الأبدي، إلى حيث الذين سبقونا جميعنا، و الموت بالنسبة لأمواتنا عزيزي القارئ، هو الحياة السرمدّية الخالدة، هنالك لا يبالي الإنسان ألّا يكون معه أحد، لأنّه يكون مع الله.
كنت أعلم أنّ الأدوار ستتبّدل يوماً ما، و إلى الأبد، عندئذٍ سأفهم لكنّ الوقت سيكون قد تأخرّ جداً، تأخرّ على كلّ شيء، حتّى الندم سيكون لا جدوى منه، كنت أعلم أيضاً أنّ الحدث ذاته لن يستمر، لكنّ الأثر!، إنّه يبقى، و يتفاقم، و يتمدّد للأبد.
كان قلبي كبير، إتسع للجميع إلا به، تشبّثت بالتمنّي، فبدأت أقول ليتني كنت أصدّقه عندما كان يحدّث لي عن أفعال والدتي السيئة أحياناً، ليتني كنت أحبّه عندما كان ينام مبكّراً ليستيقظ اليوم التالي حتّى يعمل من أجلي، ليتني كنت أعرفه على حقيقته قبل أن يفرّقنا عمّي عن بعضنا البعض بأفعاله الحقيرة، ليتني كنت أعشقه حتّى عندما كان مبتسماً كلّما ناظر هاتفه، ضاحكاً عندما كان يجتمع مع أصدقائه، طلق المحيا أثناء تناوله طعاماً على سُفرة مائدة الطعام، رحب الصدر عند قدوم ضيوف في منزلنا دون إستئذان، كريم السجايا عندما يطلب أحدهم مساعدته، ليتني كنت أعشقه عندما كان هكذا.
هو عرفني منذ طفولتي عزيزي القارئ، لكن ليتني قبل أن أعرفه قررت أن أعرفه مبكّراً، فانتشلني من يد الغُربة إلى حنايا رحابة صدره، ليت التمنّي يُعيد ما مضى، ليت التمنّي يُفيدني، و لو قليلاً، لكنت سأتمنّى أن أحبّه قبل أن يتدّخل بيننا أحد ليفرّقنا، قبل أن يقتل أحد قلوبنا، قبل أن أموت أنا بموته المُفاجئ.
فكنت سأحبّه أكثر قليلاً، و كان سيهبني روحه لو لم يفقدها مبكّراً، كنت سأحقّق له حلمه الذي تحدّث عنه لي قبل أن يفاجئني القدَر بموته، و كان سيحبّني أكثر، و هو يشاهد محاولاتي اللانهائية من أجله، كنت سأزوره ليلاً عن طريق الهاتف متنكّراً بحلّة البدر، أو أهبه أملاً جديداً عند كلّ فجر، أو أهواه لعلّ محبّتي تضيف إلى مرارة قهوته الذي كان يشربه سكّر، كنت سأمنحه حبّاً أكبر، أكبر من هذا الحبّ الذي أملكه الآن، هذا الحبّ الذي بالكاد يكفي لحضنه الذي كان يدفئني، كنت سأمنحه قلباً أكبر، إنّما لم يعد بين أضلعي متسع لقلبٍ آخر.
ليتني كنت أعرفه عندما إشتدّ رغبته لسماع صوتي، عندما كان يستيقظ من نومه معتقداً أنّني أرسلت له رسالة، أو إتصلت عليه، عندما كان يعود إلى منزله، و ينظر إتجاه حجرتي، و لا يجد غير زوجته أمامه، ليت قلبي، و قلبه كانا حينها خليلان، أو على الأقل صديقان، نتبادل التحيّة كلّ صباح على الهاتف، و نحن نتناول الإفطار، نضيف للحياة لوناً آخر، نضيف للعالم جمالاً آخر، نزرع فيه أملاً صغيراً بأنّه كان يمكن أن أظلّ طفلة تحبّ أن تنام بحضن والدها، لو أنّني عرفته مبكّراً، لو أنّني أحببته مبكّراً، كان يمكن أن أظلّ أنا.
لكن موت أبي جعلني أدرك بشكل مُفاجئ، و سيء جداً، أنّني منذ وقتٍ طويل، و أنا أستخف بالأشياء من حولي حتّى لا أتهاوى، الإدراك يعطي الأشياء ثقلها عزيزي القارئ، نحن نسقط حينما نعي تماماً ما قد حدث، الإدراك هو الهاوية.
فانخلع قلبي مرّة، حين رأيتهم فتحوا القبر، و أنزل شقيقي الكبير مع ثلاث من رفاقه أبي العزيز الذي شُفي من مرض الحياة للأبد، و وقفوا هناك جميع الحاضرين، مشّبكين أيديهم، مُنزلين رؤوسهم نحو الأرض، بل وقف التُراب المتحدّث يعقل عن التُراب الصامت، و يعرف منه أنّ العمر على ما يمتدّ محدود بلحظة، و أنّ القوة على ما تبلغ محدودة بخمود، و أنّ الغايات على ما تتسع محدودة بإنقطاع، و حتّى القارّات السبع محدودة بقبر!.
أهٌ لك أيّها القبر!، لا تزال تقول لكلّ إنسان تعال، و لا تبرح كلّ الطرق تُفضي إليك فلا يقطع بأحد دونك، و لا يرجع من طريق راجع، و عندك وحدك المساواة.
أول ليلة لأبي في قبره، وجدت نفسي وحيدة تماماً في ليلة مُوحشة كوحشة القبر، لم أنم في تلك الليلة، الخامس من آيار، ظللت طيلة الليل أحاول فهم الأمر، أحاول إخفاء ما حدث، لملمت بقايا ما سقط منّي، فكّرت كثيراً لعلّي أستوعب ما حدث، لعلّي أتعرّف على الوجوه التي تنكّرت، لعلّي أفهم الغُربة التي ملأتني فجأة.
فتّشت في كلّ الذين من حولي، فلم أجد وجهاً واحداً أعرفه، و يعرفني، فتساءلت نفسي قائلة:
"يا للعجب كيف يمكن للذين عرفتهم طيلة حياتي أن يصبحوا غُرباء فجأة؟".
حاولت أن أجد مَن تفاقم الأمر، لكنّه خرج من يدي، لم يكن في يدي أساساً، و هذا هو ما لم أكن قد فهمته حينها، لم يكن في يدي شيء سوى عجزي، و خذلاني!.
وضعت يدي على قلبي، شعرت بنبضات قلبي السريعة، و أنا أعلم أنّ يد الله فوق يدي، و قلبي، و إستسلمت للنوم اللحظي الذي داهمني، ثمّ إستيقظت في اليوم التالي بقلبٍ آخر تماماً، قلب لا أعرفه، لا يكترث لِما حدث، و لا لِما سيحدث، لا يكترث لتبدّل الوجوه، و خذلان الأحبّة، أو تنكّر الأصدقاء، الجميع في نظره عابرون، و الحياة بالنسبة له نُزهة، و الألم مدرسة، و الكفاح نهج، قلب وُلد بالضبط بعد وفاة أبي، و تربّى على المفاجأت التي تتابعت بعد وفاة أبي، قلب صنعته شدائد عاديّة عائلتي الرديئة، أتظنّ عزيزي القارئ أنّ الحياة ستهزمه؟، أتظن أنّني يمكن أن أبقى أنا بعد أن وقفت أواجه الجميع بمفردي؟، لقد صنعت منّي الحياة فجأة شخصاً قادراً على مواجهتها، شخصاً يواجه العواصف بقلبٍ ثابت.
الحياة مُحبطة، و مأساوية عزيزي القارئ، تتركنا ندخل عالماً رائعاً، نتلاقى، و نتعارف، و نقطع معاً جزءاً من الطريق ثمّ نتوه بعضنا عن بعض، و نختفي بالسرعة ذاتها التي جئنا بها في المرّة الأولى، هكذا نعيش نحن، ملوّحين بالوداع في كلّ خطوة، لكنّنا نعتاد في النهاية، لا أعرف إذا كان هذا أسوأ ما يحدث، أو أفضله!.
أعترف لك عزيزي القارئ أنّني إشتقت إلى أبي، و بدأت أشتاق إليه في ليلة لست أدري ما أسميها، أهي ليلة طويلة!، ليلة لا قمر فيها!، ليلة كلّ نجومها منطفئة!، ليلة حزينة!، إشتقت إليه، و أنا ليس لديّ ما أخبره به، ليس سوى هذا الحنين المتّقد في صدري، أودّ أن أراه، أودّ أن ألمحه لو من بعيد، أن أعانقه في نهاية كلّ يوم متعب بتّ أعيشه الآن، أودّ أن أرى مبسمه، و أسمع صخب ضحكته، إشتقت إلى ندائه الصاخب متهجئاً إسمي عندما كنت لا أظهر على مائدة الطعام بينما الجميع موجود، إشتقت إلى إصراره المتكّرر بأن أتعلّم قيادة السيارة من يده قبل أيّ أحد آخر، إشتقت إلى نُزهتنا معاً في سيارته البيضاء في صباح بعض الأيّام مُصطحبين برفقتنا أطفال شقيقي الكبير.
أودّ أن أتأمّله من قريب، أن ألمس يده على الأقلّ، أودّ أن أسمع صوته، و هو يهمس في أذني، أشياء بهذه البساطة، و بهذا التعقيد، إنّه الحنين عزيزي القارئ، يجعل كلّ شيء يبدوا مُعقداً للغاية.
أفكّر كلّ يوم في طريقته بالإقتراب منّي، أفكّر في الشعور الذي شعر به عندما ذهب إلى منزل صديقه حينما بدا لي في الصور التي أُلتقطت له، و هو حزين للغاية، أفكّر في مخاوفه الذي طرأ عليه عندما ظلّ مُختنقاً داخل سيارته لمدّة ساعة منتظراً قدوم سيارة الإسعاف، أربط خطوطاً ببعضها كلّما فكّرت أكثر، و لكن يهدمني عائقٌ واحد، و هو أنّني أراه كلّ يوم، و في كلّ شيء، و بالأحرى أراه في حُلمي، و كأنّه أمامي، أشكّ أحياناً أنّني أعاني من يقظة الأحلام، و لكن لا أستطيع تفرقة الأحلام من يقظة الأحلام، حتّى يدي كلّما مددتها لشيء، إنطلقت متلهّفة ظنّاً منها أنّها ستعانق أبي.
إنّ المرء عزيزي القارئ ينتقل من مشهدٍ إلى آخر، من عصرٍ إلى آخر، من حياةٍ إلى أخرى، دون فهم أو إدراك، و فجأة يدرك أثناه سيره في الشارع، بطريقة لا هي بالحلم، و لا باليقظة، و للمرّة الأولى، أنّ السنين تفرّ، و أنّ هذا كلّه قد مضى، و إنقضى إلى الأبد، و لن يعيش إلا في الذاكرة.
هل يزورك الحنين عزيزي القارئ كما يزورني؟، لا أعرف عنك، و لكن أنا بات يسكن معي حتّى، أو بالأصح يسكنني الحنين ليلاً، و نهاراً، و هو ماكثٌ هنا بين أضلعي، بين نبضةٍ، و نبضة، لا يفارقني، و لا أفارقه.
كلّي حنين الآن، أوزع في الدروب أمل لقى أبي، فلعلّي أرحل من هذا الدّنيا، و أذهب إليه، لعلّي ذات يوم أجده هناك بين والدته "زيادا"، و إخوته "سامي"، و "عبدالبصير" الذين سبقوه، فثمّة منطقة آمنة بين أبي، و أخيه "سامي" يمكنني أنا، و -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- الإعتماد عليها دائماً، لعلّ عيناي تستقر أخيراً في عيناه، لعلّ روحي تتوقف يوماً عن الركض لأنّني أتيت إليه، و لعلّي أهدأ، و أهدأ، و أهدأ أخيراً.

تعليقات
إرسال تعليق