عاديّة العائلة الرديئة
كلّ الذين أكتب عنهم لا يفهمونَني عزيزي القارئ!.
فـ -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- الذي أحبّ روحه المرح، و إبتسامته اللطيفة، لا يفهم اللغة العربية لكي يقرأ ما كتبت عنه سابقاً، و ما أكتب عنه الآن أيضاً.
أبي الذي ظننته سابقاً الشخص الخطأ، الذي كان يحبّني، و لم أستطع أبادله الحبّ عينه، لأنّ كُره شقيقه، و عائلتي لأبي أعمتني عن رؤية ذلك الحبّ، الذي رحل، و لم أشبع من حبّه قط، لا يستطيع أن يقرأ ما أكتب عنه لأنّه ذهب، و لم يعد، لأنّه مات.
والدتي التي لا تستطيع أن تقرأ ما أكتب، لأنّها تقتلني ببطء كالجميع، تقتلني بكلماتها، و أفعالها، تجعلني أرغب بقتل نفسي بسرعة دون أن أتعذب بسماع كلماتها الحارقة، تقودني بنفسها للقبر من دون أن تدرك حجم الفوضى الذي تحدثه بي!، دون أن تدرك حجم الكُره الذي تغرسه بي!، دون أن تشعر بأثر الكلمات التي أشعر أحياناً أنّها تمتصّ طاقتي المختبئة ببطء!.
شقيقتي الكبرى التي لا تحبّ أن تقرأ أكثر من عبارة واحدة، التي أسميها أحياناً -المُنحدر- التي حطّمت نفسها في كلّ شيء، و تريد أيضاً أن تحطّم مَن هم حولها في كلّ شيء، فقط لأنّ عائلتها حطّموا قلبها سابقاً، تعتقد أنّها في مكان كالأعلى، و هي تلعب بمَن هم أسفلها، و لا تلقي بالاً بالصمت الذي أسمعه بعد صراخها الذي يؤذيني.
شقيقي الكبير، الذي لا يجذبه القراءة، و ما تخفيه الحروف من معاني عميقة أثناء القراءة، فكيف يجذبه كتابتي لكي يقرأ؟، عدم نضوج وعيه حتّى الآن، و عدم تقبّل الإختلاف الذي أنا عليه الآن، يجعلني أرغب لو أغيب عنه مدّة طويلة جداً، يجعلني أرغب لو أنسى كلّ شيء، و لا أشعر بشيء، ثمّ أستيقظ فأستأنف حياة جديدة، حياة كالذي يريده لي، و كما يريده لي، حياة تقليّدية عاديّة، حياة غريبة، و لا يشبهني قط، دون أن يدعني أن أختار حياة لنفسي بنفسي.
شقيقي الصغير الذي لا يستطيع أن يقرأ ما أكتب، لأنّني بتّ أشكر الخلافات التي حصلت بيننا، لأنّ الخلافات أظهر لي ما كان يُخفيه في قلبه، أظهر لي ما وجدته، و جعلني في ذهول، و وجدت ما جعلني أتنحّى عنه أيضاً، و الأشياء التي حصلت بيننا هددّتني كثيراً بالغياب، و أن أكون في مكان مختلف، و أتذكّر حينها من أين أتيت، حيث لن أكون الشخص عينه أبداً، مرّةً أخرى.
شقيقتي الوسطى التي لا تستطيع أن تقرأ ما أكتب، لأنّني ما زلت أحاول بدافع المحبّة، ما زلت أتغاضى، و لا أجعل للكلمة حيزٌ بيننا، و لكنّ الصمت لا يطلق قراره الأخير، و ما زالت تعتقد أنّها في مكان آمن، و لكن ذلك لا يعني أنّه المكان الذي تناسبها.
أمّا الأشخاص الذين لا أطيقهم يظنّون أنّني أكتب عنهم حين أكتب لأصدقائي، و أصدقائي يظنّون أنّني لا أحترم وجودهم حين أكتب عن وحدتي، و الوحدة عزيزي القارئ موحشة بقدر دفئها، و مُرعبة بقدر أمانها، و ثقيلة بقدر خفّتها، و كلّ الأشياء التي أنفرّ منها تأتيني حين أنادي الأشياء التي أحبّها، و أنا لم أعد أطيق رؤية إبتسامة ذلك الذي يقرأ غضبي فيما أكتبه، و يأتي ليسألني عن السبب غير مدركٍ بأنّه هو سبب غضبي الأول، لم أعد أطيق حذر اليد التي تستطيع إطفاء غضبي بلمسة واحدة.
لست أفهم لماذا يمشي كلّ شيء في الإتجاه المُعاكس ممّا أقصده، بالرغم من أنّني أشير بيدي إلى مقصدي دائماً، و بوضوح كبير؟، يبدوا أنّ البشر لا ينظرون إلى الأشياء كما هي، بل كما يشعرون بها، و كما يريدونها أن تكون، يلبسون الأشياء توقعاتهم، و رغباتهم لكي لا يواجهون الحقيقة التي يخافون منها، و تجنّباً للإعتراف بأخطائهم، و لكي لا تخيب ظنونهم التي يبنون عليها حياتهم، و هذا ما يجعلني أتوقف عن الكتابة للآخرين، فأصبحت الآن أتغزّل في غيمة، و أهوى نجمة، و أحنّ إلى صوت المطر، و أفتقد الأوراق التي فقدتها الأشجار في الخريف، و أتذكّر أماكن لم أعرفها بعد، و أعاتب ذكرياتي بصمت، و أخاطب جدران الحُجرة، و يبدوا أنّها تفهمني أكثر من البشر الذين أكتب لهم، و لا يفهمونَني!.
أليست الصمت علامة الرضى عزيزي القارئ؟، ها هي كلّ الجدران صامتة، تصغي إلى كلّ ما أقوله، و تفهمه كما أقوله، تفهم الجدران أنّني لا أحبّ سوى حبّ -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-، و أنّ -صديقي البنفسجيّ الذي يحبّ اللون الأبيض- هو صديقي، و أنّ الذين لا أطيقهم لا يعنون لي شيئاً، و أنّني لا أريد من عاديّة العائلة الرديئة شيئاً، لا خيراً، و لا شراً، لا محبّة، و لا إساءة، فقط أريد من أن يدعوني، و شأني.
إلى هنا و أكتفي من المحاولة، من التذكّر، من الإنتباه، من القلق، من الإنتظار، من الركض، من الأمل، و اليأس، من كلّ شيء، يكفي هذا القدر من اللاجدوى، لم أعد أحتمل الشعور بالعمر، و هو يتسرّب من بين يديّ دون أن أفعل شيء، دون أن أقول كفى، قد أكون سوداوية لمجرّد أنّني لا أرى نوراً في الأفق، و قد أكون مشعّة لمجرّد ضوء طفيف أحببته.
ليس ضرورياً أن تفهم العائلة أسباب مشاعرنا، لكن تقديرها، و إحترامها، و عدم التدخّل فيها، واجب، و ليس فضلاً من أحد، و إنّني في غاية الأسف لأنّني أشرح أمراً بديهياً كهذا، لكنّنا أصبحنا في زمن تغلّف فيه البديهيات بالأوهام، و الظنون، و الإعتقادات الخاطئة، التي يعمل بها الكثير، و يصدّقها الكثير فقط لأنّها تعجبهم، أو تناسبهم، غير مبالين بالحقيقة مع أنّهم يعرفونها، يكذبون الكذبة، و يصدّقونها، يقولون أيّ شيء خاطئ فقط لأنّه يبدوا رائعاً، لا أعلم ما الرائع في أن يحيا المرء في وهم!.
لا بأس كونوا كما شئتم، حياتكم لا شأن لي بها، كما أنّ لا شأن لكم بحياتي، أو بالطريقة التي أحيا بها، ما دمت لا أمسّكم بأذى، بل خذوا خيري، لا بأس، لكن كفّو عنّي شركم، و إلا فلكم منّا ما نراه منكم، من غير زيادة أو نقصان، و هذا حق لنا، و ليس حقداً عليكم أو تشبّهاً بكم.
و تذكّر عزيزي القارئ دائماً أنّنا جميعاً مثلي، أريد أن أحيا بالطريقة التي أراها مناسبة لي، و ليس لغيري، أنت أيضاً عزيزي القارئ تكره أن تتمّ معاملتك بطريقة لا تحبّها حتّى، و لو كانت مناسبة، لذلك لا تتدخّل فيما يناسب غيرك، لا تحكم على أحد أبداً، و لا تفرض شيئاً لمجرد أنّك تعتقد أنّه صحيح، أنت لا ترى المشهد من هنا، أنت ترى من نافذتك فقط، ثمّة الكثير من الأشياء التي تجهلها في الخارج، لذا أرجوك ركّز في حياتك، هذا هو المكان الوحيد الذي لديك فرصة فيه، و سلطة عليه، و ترّفق عزيزي القارئ، فالجميع مثلك لديهم أرواح، و إنتبه فالجميع أيضاً يستطيعون إيذائك، لست محصّناً كما تدّعي، أنت هش للغاية مثلي، و مجرّد إنسان في نهاية المطاف، و أنت عظيم كذلك حين تظلّ كذلك، و أنت لا شيء حين تفقد ذلك، فآن للقلب أن يهدأ، آن للحياة أن تبدأ، آن للذكرى أن تزول، و آن لشمس الغد أن تشرق.
لا ندم على ما فعلته، و لا ندم على ما أفعله، لم أعد أتمنّى عودة شيء، و لم أعد أنتظر قدوم شيء، يكفيني القليل من الأصدقاء، و الأحبّة، القليل من المعارف، القليل من المسرّات، القليل من الأمل، القليل من المعرفة، القليل من الأحلام، تكفيني حياة صغيرة أحياها، بدلاً من حياة كبيرة أحلم بها، و هذا لا يعني أنّني يأست أو إستسلمت، ما زلت أحلم، و أريد، و أرغب، لكن ليس على حساب طمأنينة قلبي.
ما زلت أحلم لأنّ في الحلم أمل يبقينا على قيد الحياة، و لكنّني إكتفيت لأنّ في الإكتفاء طمأنينة تجعلنا نحيا، إكتفيت من خيبات الأصدقاء، من خذلان الأحبّة، من قسوة الأقرباء، من الركض خلف أمل لا أعرف مدى حقيقته، من الموت ببطء بسبب يأس لا أفهم سببه، من القلق على كلّ شيء، من كلّ شيء.
فلا بأس باللامبالاة إن كان الأمر يتعلّق براحة البال، لا بأس بالإنهيار إن كان الوقوف لا يغيّر في الأمر شيء، لا بأس بالوحدة إن كان لا بد من الخيبات، لا بأس من المغادرة إن كان البقاء مُرهقاً، لا بأس بالإبتعاد إن كان القرب مؤذياً، سنتعافى لكن إلى هنا، و نكتفي، و ليت كلّ شيء يتوقف عندما نقول كفى، فصوتٌ آخر دائماً يتمتم في رأسي، و تقول:
"إبحث عن نفسك، جِد نفسك، إسمح لنفسك".
فأجيب على الصوت بصرخة يملؤها الغضب:
"كيف، و كلّ شيء هنا مظلم؟، و هل ثمّة شيء هنا أساساً حتّى أجده؟".
فلم أتي في دولة عابرة للقارات برغبتي حتّى أعرف أين أمضي!، كلّ الجهات متشابهة، كيف يجد المرء نفسه في مكان لا يستطيع أن يجد فيه ظلّه؟، هذا الفراغ الذي بات وطناً لنا لفرط ما عشنا فيه، ما هو إلا منفى، سنغادره ذات يوم، و نملأ الحياة حياة، حينها ستعلمون من أنا، و سأخبركم أين أنا، حين أكون في المكان الذي أجد فيه نفسي، لأنّ كلّ مكان لا نجد فيه أنفسنا ما هو إلا منفى، و ما نحن غرباء سنغادره ذات يوم، سأخبركم إلى أين أمضي، حين ينقشع هذا الفراغ المحيط بحياتي، حين يغادر شارعنا هذا الموت البطيء، حين يصبح لديّ درب، حينها سأخرج، و أركض، و سيسمع العالم أجمع صوت خطواتي، و أنا أغادر مقبرة الأحياء هذه.
من هذا الفراغ القاتل ستولد الحياة، و في هذا الظلام ستوقد شمعة أمل تضيء الدنيا، و من تلك الخطوات المترددة سأصنع درباً لكلّ التائهين، و هذه اليدين المرتجفة الآن، ستعانق الحلم ذات يوم بلا شك، لذا أودّ من الله أن يمنحني من الخفّة ما يكفي لأنافس الطير في السماء، أن أمضي خفيفاً، و أحيا خفيفاً، و أموت خفيفاً.
أعلم بما يكفي أنّني متعبة من كلّ هذه الأثقال، ليس لدّي كتف صلب، أنا أحمل كلّ شيء في قلبي، قلبي الذي أثقلته المحاولات، و أرهقه طول الوقوف، لم يعد في صدري من السعة ما يكفي له، لم تعد الأرض تسعني.
أمّا الآن أودّ أن أكون خالية، و أستيقظ خالية، لا أصارع الفزع في كلّ حين، و لا يعرف الأسى طريقاً إلى روحي، أن أحيا بسلام، دون أن أخاف من الغد، و أشعر بألم من الماضي، ألا يمس روحي أدنى أذى، و لا يسرق طمأنينتي أحد، أودّ أن أحيا حياة تشبه اللحظة الأخيرة قبل النوم، لا أقصد تلك اللحظة التي تتذكّر فيها عزيزي القارئ أحزانك، و مأساتك، بل أقصد تلك اللحظة التي يتذكّر فيها المرء شيئاً يحبّه، يطوي صفحة قديمة، يذرف دمعة أخيرة، يتنهدّ تنهيدة تخلّي، يبتسم إبتسامة أمل، يلمس طمأنينة، يستريح قليلاً، يهدأ، يهدأ كثيراً، أودّ حياة تشبه بداية حلم في مخيّلة طفل.
لم أعد أطيق المعارك، و هذا ليس ضعفاً، فهذا شخص إعتاد الكفاح منذ طفولته لا يمكن أن يكون ضعيفاً لكن ما الجدوى منها؟، فلم أجني سوى التعب، أود أن أغادرني، أو أن يغادرني هذا التعب، بسبب عائلة أصبحت هادئة عزيزي القارئ، لم أعد أشعر بالرغبة في فعل شيء يلفت الإنتباه، لم تعد تجتاحني تلك المشاعر الجيّاشة، لم تعد الأيّام قادرة على هزّ قلبي.
أمّا الآن أنا أكثر ثباتاً، عرفت ثمن هذه الطمأنينة، و خبأتها جيّداً لكي لا يكون للآخرين أو للحياة أيّ سلطة عليها، فهمت معنى راحة بالي، و قيّمتها فقررت ألا أسمح لشيء بإفسادها.
تصالحت مع العواصف، إعتادت سفني على الأمواج، فهمت أنّه ليس لي سلطة على الأمواج، و أنّ كل ما عليّ فعله هو المحافظة على سفني، علمت أنّه ليس بإستطاعتي تغيير العالم فتقبّلت العالم كما هو، فهمت أنّني لست مسؤولة عمّا يحدث، بل عمّا أفعله أنا فقط، صنعت من نفسي شخصاً قادراً على مواجهة الحياة بجميع أحوالها هذا هو كلّ ما يتطلبه الأمر، و ليس بالضروري أن أكون الأفضل أو الأمهر، لا أضع نفسي في مقارنة مع أحد، و لم أفعل ذلك، لي حياتي الخاصّة بمسرّاتها، و مشقاتها، و حلّوها، و مرّها، و للآخرين حياتهم.
يكاد يكون من المستحيل عبور الحياة دون جذب أيّ أعداء، مهما كنّا مهذّبين، و نوايانا حسنة، مهما كنّا نميل إلى السماحة، و اللطف، في مكانٍ ما على طول الطريق -بدون أيّ قصدٍ منّا- سنجذب مستويات مُرعبة من العداء، و السخرية.
كلّ عائلة عادّية، و لكن ليست كلّ عائلة رديئة عزيزي القارئ، لذا أنا مؤمنة، و الإيمان هو القوة التي يكتشفها المرء في نفسه حين يتخلّى بوعيه الكامل عن أحبّ الأشياء إليه، و لا ينكسر، هذه القوة التي عظمتها تخيفنا، و تطمئننا في آنٍ واحد، الإيمان هو الوسيلة الوحيدة في جعل كلّ الأشياء هيّنة عليّ، و عليك عزيزي القارئ.

تعليقات
إرسال تعليق