لهفة بداية النهايات
١٩ تشرين الأول ٢٠٢٠ - ٣٠ تموز ٢٠٢١
كبداية، كنت أقضي الليالي نائمة، و كانت الليالي في أول الأمر تتطاول، و حين بلَغت الليالي إثنتي عشرة ساعة، بدأت أنام نهاراً، و كنت إذا فتحت عيني لا ألبث أن أغمضهما، خوفاً ممّا ينتظرني، حتى آل بي الأمر إلى أن إقتصرتُ على ساعتين من اليقظة في اليوم، و يا للتعب الذي حلّ بي عزيزي القارئ.
فبدأت أفكّر، و قررت أن أكتب عن ذلك الصديق القويّ، الذي يستطيع الإيذاء، و لكنّه لا يؤذي، يأتيه السوء كفاجعة في ليلة لا يستدعي ذلك، و يتفاجئ بالشرّ في طريقه، يستطيع ردّ السوء بالسوء، و الشرّ بالشرّ، و لكن لا يفعل، و القوة الحقيقية عزيزي القارئ، أن يترّفع المرء بأخلاقه عمّن يدّنسه بأخلاقه، أن يدير ظهره لمَن حاول أن يتعس بشاشة وجهه.
فكّرت أيضاً أن أكتب عن ذلك الذي واضح عليه التوتر بشكل كبير، و لأنّه متوتر دائماً بالتأكيد سيتوقع الأسوء دائماً، فكان، و مازال بحاجة أن يريّح بعض جسده ليضيء باقي جسده.
فكّرت أن أكتب عن الذي أراد، و بشدّة أن يعتاد على الفراغ، و مرور اليوم دون قدوم رسالة من أيّ شخص، عن الذي يجب أن يعتاد على الوحدة حتّى لا يعاني كثيراً عندما يبتعد عنه أحدهم دون قصد، مثلما عانى كثيراً بوفاة شقيقه، و رحيله عنه بشكل مفاجئ.
فكّرت أن أكتب عن الذي حقّق الفوز الذي يجب أن يحقّقه أيّ أحدٌ منّا في هذا الدّنيا، و هو التجاوز، و أن يتجاوز المرء ما حدث، أن يتجاوز قصّةٍ ما بكلّ تفاصيلها، قصّة قللّت من قدر المرء أمام نفسه، و جعله يشعر أنّه مهزوم بالفطرة، أن يتوقف عن الإستمرار في لوم نفسه، و يرفع سوره، و لا يسمح لأحدٍ ما أن يحدث فوضى على بابه، أن يبني درعاً حول قلبه، و يحميه من كلّ ما يجرحه.
الفوز الحقيقي الذي يجب على المرء أن يشعر به، هو أن يكون قادر على إكمال مسيرته بعقل واعي، و نفسيّة إنسان لا يحبّ أن يكون تضحية عند أحدهم، و أن لا يكون من ضمن أولئك الذين يحبّوا أن يقدّموا الكثير للأخرين مقابل لا شيء.
فكّرت أن أكتب عن المُجتهد، فكلّما رأيته أنا عزيزي القارئ يغسل وجهه أكثر من مرّة حتّى يقاوم النوم من عيونه، تشعر أنّه يُذاكر من كلّ قلبه، تأسف عليه إذا نقص درجة واحدة في الإمتحان.
فكّرت أن أكتب عن الذي لم ينبهر قط بالوعود الزائفة، فكان ينبهر فقط بالأيّام التي عاشه باللحظات الصادقة، و الحنونة.
فكّرت أن أكتب عن الذي كان يعاني بصمت دون أن يلاحظه أحد، و المُحزن في الأمر عزيزي القارئ، أنّ لا أحد يعرف حقاً كم تعاني أنت أيضاً، أو كم يعاني غيرك ممّن هُم حولك، يمكنك أن تقف بجانب أيّ شخص، و تنتظر ليأتي دورك لتنجز عملك مثلاً، و حولك الكثير من الأشخاص الذين لا يعلمون ما بك، و لا أنت تعلم ما بهم، يحدث أن تقف أيضاً بجانب شخص محطّم تماماً من الداخل، و لا تعرف حتّى إذا كان محطّم.
فكّرت أن أكتب عن الذي يحبّ والدته أكثر من باقي الطلاب، و الطالبات، واصفاً أنّها إمرأة لا تشبه إلا نفسها.
فكّرت أن أكتب عن العاشق لكرة القدم، الذي قال في يومٍ ما:
"هذه الأيّام نقضي أيّامنا مع الأشخاص الغير مثاليين، رغم أنّنا نعلم بذلك".
فكّرت أن أكتب عن الذي ظننت أنّني معجبٌ به حينما قال ذات يوم:
"العمر يتقدّم بالإنسان فيتّسع إدراكه للحياة شيئاً فشيئاً، فماذا تجدي سعة إدراكنا للحياة إذا كنّا نموت دون أن نعرف شيئاً عن وجودنا؟".
فكّرت أن أكتب عن الذي شعوره إتجاه كلّ شيء حقيقي، ليس لديه طاقة ليعطي شعوراً مزيفاً لأيّ شيء، يفي بحقّ اللحظات الذي يعيشها عن طريق إلتقاط صور بزاويته المميّزة.
فكّرت أن أكتب عن الذي كان يتضّح عليه أنّه صبور لدرجة أنّه يُخيّل للأخرين أنّه لا يملك مبرراً للغضب، بل كان يثور فجأة دون سابق إنذار في وجه أيّ شخص، كان يتضّح عليه أنّه يُجيد الصبر حتّى بدا للجميع أنّه راضي، و سعيد حقاً، مع ذلك كان يحاول أن يتخلّص من الغصّة التي كسبها من أمور الحياة التي تزعجه أحياناً.
فكّرت أكتب عن الذي بدا له مشهدنا جميعنا بديعاً للغاية، فكان المشهد يفوق قدراته، ظننت أنّه قويّ بما فيه الكفاية، لكن لم أعلم أنّه سيقضي الليالي بالمذاكرة المُجهدة للنفس، و التفكير عن المستقبل الذي لا حصر له.
فكّرت أن أكتب عن الذي آمن أنّ أول خطوات فشل المرء، ترك الصلاة؛ الذي توفّى في الرابع عشر من تمّوز في عام 2021، قبل أن يأتي العيد الأضحى الذي كان متشوقاً حياله، و الذي قال ذات مرّة عندما إنضمّ إلى صفّنا:
"سيظلّ النّاس تحت أثقال العُزلة المُخيفة حتّى يتصلوا بالله، و يفكّروا دائماً في أنّه معهم، و أنّه يراهم، و يسمعهم؛ هنالك تصبح الآلام في الله لذّة، و الجوع في الله شبعاً، و المرض صحّة".
و فكّرت أيضاً أكتب عن صديقه الذي حزن كثيراً بوفاة صديقه، و كان يحاول ألا يلاحظ أيّ أحد حزنه الواضح عليه، حينما قال أمامنا جميعاً:
"أنا لا أخشى الموت، أنا أخشى ما يمكن أن يفعله الموت لمَن أحبّهم".
مُفزع جداً عزيزي القارئ غياب ميّت من بيننا، و إختفاؤه للأبد، و هروبه السريع لعالم آخر، و إستحالة عودته، فعقلي بخلاياه الكثيرة، و قدرته على التقبّل تقف عاجزة أمام هذا الإستيعاب، و لكنّه حال هذه الدنيا حتّى ينزل رحمة الله علينا في يوم من الأيّام، و نتقبّل ما حدث.
فكّرت أكتب عن صديقي الذي توفّى جرّاء تناوله لجُرعة زائدة، عندما سمعت خبر وفاته حزنت بصمت قائلة لنفسي:
"اللهم أجعلني مؤمنة بك، و بقضاءك، و بقدرك للحدّ الذي يجعلني أصدّق أنّه رحل، و لم يعد موجوداً في هذا الدّنيا".
بعد سماعي خبر وفاته، في نهاية اليوم فكّرت في الميّت، و في منامته، و في وحدته المُطلقة السحيقة، كيف عندما كان محاصراً من بين الجميع أصبح وحيداً في حُجرة مُظلمة بعد مماته، قد يصل بنا للحدّ قد يصبح عشرين سنة كاملة على وفاة أحدهم، و لم يُسأل عنه قط لِم إختفى عنّا دون أن ندرك؟، ثمّ وصلت إلى النتيجة، و إستنتجت بأنّ لا يوجد أقسى من الجوع، و العطش، و البطالة، و الألم، و الحبّ، و يأس الهزيمة إلا الموت.
فإذا شعر المرء بأيّ شعور غير الموت فهو حيّ ممّا يجعله قادراً للمحاولة مرّةً أخرى، بينما الموت يأخذ روح المرء في غمضة عين، لا ينتظره، و لا يعطيه فرصة لتعديل أخطاءه أيّاً كان، و الأسوء من هذا كلّه عندما يشعر بأنّ لا أحد يهتم به رغم وجود الجميع حوله، رغم قوّة المشاعر الذي يستنزف طاقته، و يهلكه، و يجعله ضعيفاً أمامه يفكّر أنّ همّه أكبر من همّ الميّت، بينما العكس صحيح، لا أحد يعلم بألم الموت إلا من جربّه، إنّه حقيقة مهما دار بنا الأرض.
أحياناً أفكّر بأنّنا لا نحبّ الحياة حبّاً كافياً لأنّ عندما نسمع أنّ أحدهم توفّى، نلاحظ أنّ الموت وحده الذي يوقظ مشاعرنا، نصبح نحبّ أصدقاء غادرونا للتوّ، نعجب بأولئك الأساتذة الذين لم يعودوا يتحدّثوا بعد أن أحتضنهم التراب، و أبعدهم عنّا، حينها سينبثق التعبير عن الإعجاب طبيعياً، ذلك الإعجاب الذي كان مدفوناً في أعماقنا عندما كانوا أحياء، و ظهر عندما عرفنا أنّهم توفّوا، الإعجاب الذي كانوا يتوقعوه منّا طيلة حياتنا، و لم نظهره لهم عندما إحتاجوه منّا، أتسائل:
"لماذا نكون دائماً أكثر عدلاً، و أشدّ كرماً نحو الموتى؟".
إتضّح بعد ذلك أنّ الأمر بسيط جداً، لأنّ ليس هناك أيّ إلتزام نحوهم، لأنّهم يتركوننا أحرار فحسب.
فكرت أن أكتب عن الأمّ الشابة الذي حضورها بيننا جميعاً كان يحدث أمراً لطيفاً، و عندما إقترب موعد ذهابها من بيننا جميعاً قالت:
"تعذّبني لحظة الإنطفاء".
فكّرت أكتب عن أولّ صديق الذي لم أكابد نفسي لأبحث عنه، لكن إلتقينا صدفة، كنّا نسير في خُطى واحد، و جمعتنا رحلة واحدة أيضاً، و غالباً ما كان يشدّني النصوص الذي تجسد الغيرة التي كنت أراه يشبهه لأنّه مبتذلة، لكن معه الوضع مختلف:
"لكنّك تحبّ الأخرين، كما لو أنّ قلبك كاملاً من دوني!".
فكّرت أكتب عن الذي كان من المُفترض أنّ ينسى، و ينسى كلّ ما تلّقاه في قاعات الصف، و كلّ شخص كان هناك، كان يجدر به أن يخرج دون أن يحبّ أو يتورّط في الحبّ.
و فكّرت أيضاً أن أكتب عن الذي ظننته ذات مرّة أنّه مثقّف للحدّ لا نهاية له، جرّاء إعترافه لنا جميعاً أنّ النّاس يشعر بالتعاسة، لأنّهم غير واعيين، فنحن نلاحظ كم مرّة يشعلون التلفاز بمجرّد دخولهم إلى المنزل ليدخلوا في حالة تشبه الحلم، و دائماً ما يكونون مبرمجين بسبب البيانات التي صبّت بداخلهم، و هم يخشون مواجهة أنفسهم، و يفزعهم الجلوس بمفردهم، و لو لدقيقة، و هذا ما تسبّب في وجود أنشطة مجنونة مستمرّة مثل: النشاطات الإجتماعية التي لا تنتهي، و الحديث، و الرسائل النصيّة، و القراءة، و عزف الموسيقى، و العمل، و السفر.
أمّا أنا، فكنت، و ما زلت أهرب من العلاقات كمَن يهرب من مُصيبة أو حريقة، كنت، و ما زلت أشبه نفسي أكثر من أيّ أحد، لم أفكر، و لو لنصف مرّة أن أكون أحداً آخر، أحياناً أنزع سماعتّي الأذن، و أصغي للصمت، فأكتشف أنّ الصمت هو شيء يمكنك سماعه أيضاً، و خطر في بالي كثيراً أنّه يجب عليّ أن أمضي، دوماً يخطر في بالي أن أمضي، إلى أين؟، حتّى أنا لا أدري عزيزي القارئ.
أنا فقط متأكدة من شيءٍ واحد فقط، أنّني لن أنسى أبداً أي شعور زرعه فيني أيّ شخص هنا، في هذا المكان، فكلٌ منّا كان يقاتل أشباحاً في مجرّته الخاص به، كلٌ منّا كان يحاول أن ينجو فحسب.
لهفة بداية النهايات جميلة عزيزي القارئ، و لكن عندما يعتاد عليها المرء يتغيّر كلّ شيء، كأنّ الشخص الذي صادفته اليوم ليس كالبارحة أبداً.

تعليقات
إرسال تعليق