كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده

 الخميس، ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٠


قبل عامين، في الثاني، و العشرين من تشرين الأول، تحديداً في منزل جارتنا الذي جذب إبنهم العادي جداً الذي بدا لها أنّه جميل إنتباه فتاة عائدة للتو من دولة ظنّاً منها أنّه كان موطنها، حيث في منزلها هناك جرّبت أنا أعظم الحظوظ الذي يعيشه المرء، و هو عندما يجد المرء نفسه في شخصٍ آخر، فلم يخلص بي عاديّة العائلة الرديئة كما أخلصت لهم، و لم تؤمن بي عائلتي يوماً ما كما آمنت بعدم وجود أيّ نهاية بيني، و بين -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده-.
رنّ هاتفي معلناً قدوم إتصال من رقمٍ غريب لم أراه في حياتي قط، إستغربت من قدوم إتصالات تلو أخرى من رقمٍ لا أعرفه، قمت بحظر الرقم، و هذه هي العادة التي كسبتها بسبب عاديّة العائلة الرديئة الذي في يومٍ من الأيام سأكتب عنهم بكلّ تأكيد، ثمّ بعد لحظات قليلة رنّ هاتف شقيقتي الكبرى، و ذهبت شقيقتي إلى حجرة أخرى لتتحدّث مع المتصل بها، إنزعجت أنا من نظرات النساء الجالسات أمامنا على شقيقتي عندما أتتها الإتصال إختفت من وسط المجلس، عدت أناظر النساء، و هنّ يتساءلن بعضهنّ البعض:

"يا ترى مَن الذي جعلها تقوم من وسط مجلسنا؟".

أشغلت نفسي مع والدتي التي لا تتوقف عن التحدّث قط، مُظهرة للنساء جميعهنّ إبتسامتي الباردة التي يخلّفها الكثير من الكُره إتجاههنّ، حتّى أتت شقيقتي، و هي تنادي والدتي قائلة:

"امي شوفي هذه الحرمة تقول اننا نعرفها، احنا منجد نعرفها؟".

ألقت والدتي نظرة على المتصل بشقيقتي، و عندما نظرَت والدتي، و تساءلت المتصل عن هوّيته، ثمّ قامت واحدة من النساء الجالسات من مكانها، و الفضول يقتلها تريد أن تنظر على المتصل بشقيقتي، والدتي عرفت المتصل بشقيقتي، و بدأت تضحك، و تسترجع الذكريات الذي كانت بينهم سابقاً، و المرأة الذي كانت تقتلها الفضول إنبهرت من شكل المتصل بشقيقتي، و كأنّها حاسدة، تقول لباقي النساء:

"انظروا إليه ما أجمله يا ألهي، ستنبهرون كما انبهرت!".

إشمئزيت من حركات النساء، و كلماتهنّ، و لأغيظهنّ قهراً أكثر أدخلت رأسي بين والدتي، و شقيقتي الكبرى، و تحدّثت مع المتصل على هاتف شقيقتي رغم عدم معرفتي بها.
أنا شديدة الملاحظة عزيزي القارئ، لكنّني أخفي تلك الصفة، ألاحظ أصغر التفاصيل، و كلّ الحركات، و الكلمات أيضاً، حتّى طريقة النظرات أكترث لأمرها جيداً، لذا فإن وجدتني عزيزي القارئ كما كنت إعلم أنّ أشياء بسيطة كانت السبب في ذلك.
لاحظت تحديق المتصل المبالغ بي، و كأنّه رأى بي أحدهم، و كأنّه ضاع بي، و كأنّ بدا له كلّ شيء سعيداً حتّى اللحظة الذي رآني فيه، لفت إنتباهي تحديقه المبالغ بي، لا أدري ما الذي حصل قبل قليل، لم أدري ماهيّة الشعور الذي شعرت به إتجاهه أيضاً، رغباتي كانت تتضارب مع قناعاتي عندما لفت إنتباهي تحديقه المبالغ بي، و أعرف هذا الإحساس تماماً، أعرف ماذا يعني أن يستهوي المرء أمراً لدقيقة ثمّ يشمئّز منه الدقيقة التي تليها.
لكن كلّ الذي عرفته لاحقاً أنّه أشبه بشيء حقيقي، كشيء أشعرني بالطمأنينة للحدّ الذي جعلني دائماً أرغب بالعودة إليه، و من بعد تلك اللحظة تحديداً وضعت فيه كلّ التفاصيل، و كلّ الذي كان، و ما زال يجمعني مع عاديّة العائلة الرديئة، شاركته عن الذي يعيش بداخلي مهما كانت المسافات بيننا طويلة، عشت معه شعور -أول مرّة- من كلّ شيء، و أصبح الحبّ عبارة عن رغبة متجددة بالكتابة عنه دائماً دون توقف، صحيح أنّه لا يفهم ما الذي أكتب عنه الآن، و لكن على الأقل هذا هو الحبّ.
عرف تماماً كيف يجعلني أضحك، كان يجعلني أضحك بمجرد أن يتحدّث معي، أو حين كان يتصل بي هاتفياً، حتّى رسائله النصية كان يجعلني أضحك أيضاً، و الأهّم من كلّ ذلك أنّه لم يكن يحاول أن يكون ظريفاً معي بل كان ظريفاً بالفعل، ففي يومٍ من الأيّام رتّب كلّ شيء في حجرته، الملابس، الكتب، الرفوف، المكتب، الأوراق المتراكمة فوق بعضها البعض، السرير، الصور التي في هاتفه أيضاً، و قال لي:

"إنتهى الفوضى، كلّ شيء في مكانه الصحيح الآن".

ثم جلس في زاوية الحجرة، و التقط صورة لأرجاء حجرته مشاركاً معي لحظته العاديّة، قدّست عادّيته، و أحببت نظريّته.
وجدت نفسي معه شيئاً فشيئاً، و تقبّلت الجانب الآخر منّي عندما وجدت نفسي أرغب بالهروب إليه كلّ يوم تاركة العالم خلفي، لأجد نفسي أتأمّل النجوم معه، و أتحدّث معه عن سواد قلوب البعض، و أشاهد القمر معاً، أحدّق على الخطوط الموجودة حول فمه كلّما صورّ نفسه لي، و كلّما كنت أهرب إليه كنت مختلفاً معه عن الآخرين في كلّ شيء، إنسجامي معه كان ملفتاً لأنظار مَن حوله، كان لي شخصيتي الخاصّة بي، و التي كانت تجعلني مرموقة، على الرغم من أنّه كان يبذل جهده من أجلي لكي لا أكون محط أنظار عاديّة العائلة الرديئة.
و حينما ينشغل بشيءٍ ما، أو شخصٍ ما، و لا يستطيع التحدّث معي، و لو قليلاً، ينتابني شعور أنّ اليوم ستكون كالسنة القاسية عليّ لولا وجوده، شعور أنّني أريد المزيد منه، المزيد من المُحادثات الطويلة معه، المزيد من التسجيلات الصوتية التي تجعلني متشوقة لسماعه، المزيد من الصور الذي أرغم به نفسي على ضغط علامة الإعجاب، المزيد من الضحكات اللانهائية على أمور سخيفة قد لا يهمّ الآخرين، و المزيد من السهر من منتصف الليل حتّى بزوغ غسَق الفجر.
كنت أعلم عزيزي القارئ أنّ فقط الوحيدون المناسبون لي هم أولئك المجانين مثله، مجانين الحياة، المجانين بالرغبة في الحديث معي، المجانين بالرغبة في إنقاذي من المشاكل، الراغبون في كلّ شيء في نفس الوقت، أولئك الذين لا يتفوهون بشيء عاديّ أبدًا، و لكن يشتعلون، يشتعلون كشموعٍ رومانية صفراء تنفجر مثل العناكب، عبر النجوم فقط. 
لن أجده في شخصٍ آخر، أعلم ذلك جيّداً، و هذه الدهشة الذي عشت معه لا تحدث في الحياة إلا مرّةً واحدة، و لأنّني لا أجده في شخصٍ آخر رغبت كثيراً أن أكتب عنه، و عن ماهيّته، و أرى أنّ الكتابة عنه شيءٌ جميل، و مُريح لأبعد حدّ دون اللجوء لأيّ شخصٍ آخر، فالكتابة معركة بين عقل المرء، و نفسه، عبارة عن صراعات لا حدّ لها في صمتٍ تام بينه، و بين نفسه، تتلخّص من خلال أحرف فقط، ‏و إذا أُستخدم الكتابة للتفريغ بشكل سلبي معظم الوقت بدلاً أن يستفيد المرء فسيحترق دون أن يلاحظ أحدهم الرماد الذي ظهر نتيجة الإحتراق.
أمّا بالنسبة للكُتّاب فهم الوحيدون الذين يبحثون عن شيءٍ ما لا يعرفونه، و يحزنون عندما يعتقدوا أنّهم وجدوا، هم الوحيدون الذين يتلعثمون عندما يقرأوا ما كتبوه كلمة تلو الأخرى، فقط أحياناً يختلط عليهم كلماتهم فتندفع مثل موجة عظيمة لا يستطيعوا مواجهتها.
لا أبالغ في مدحه لك عزيزي القارئ، إنّما أحاول أن أصف لك روعة روحانيته، هيبة شخصيته، إحترامه الوطيد لأسلافنا، كنت أراه شخصٌ عادي كعاديّة العائلة الرديئة قبل أن أكتشف ما يخفيه خلف إبتسامته الساحرة، قبل أول كلمة، أول إبتسامة، و الآن أخشى لاحقاً أنّه سيجد مُترجم ليترجم له ما أكتب عنه، و يصيبه غرور، و هو يقرأ ما كتبتُ عنه، أعلم أنّ جماله لا يليق به شيءٌ أقل من الغرور، لكنّه ليس مغروراً.
أتذكّر جيّداً الآن، و أنا أكتب عنه أول مرّة إلتقينا فيها، أتذكّر أول كلمة منه، أتذكّر كيف شعرت بالذهول فلم أكن أعلم أنّ النجوم تسير على الأرض، فعلاً أراه مبهر، و رائع، و مميز إلى حدّ لا حدّ له، و علمت ذلك منذ بُزوغ غسَق الفجر تلك اليوم، منذ أن إلتقينا، و أنا أحبّه، ربما لا يعلم هذا حتّى اليوم، فأنا إنسانة لا يهتم بأمور القلب، دائماً أضعه على الرّف.
لا أخشى حين أتحدّث معه، أشعر بأنّني طفل في حضن أبيه، لا أخشاه، و لا أخشى شيء حينما أكون معه، و علمت حينها أنّ مَن لم يعش الأمان من قبل يخشى منه حين يصادفه لأول مرّة.
أتذكّر جيّداً أيضاً تلك اللحظات التي فقدت فيها شغفي، و بُهت في عيني كلّ شيء، و إنطفأتُ تماماً، أتذكّر كيف كان الجميع من حولي يلقون الإتهامات المستفزّة، و العتاب الممل، بينما هو لا.
أتعلم عزيزي القارئ كيف يضيء الإنسان إنساناً آخر؟، لقد أضاء كلّ شيء في حياتي، حتّى أنا أضاءني، لا أعلم كيف يفعله، و لا أقول أنّه وحده كان القادر على فعله لأنّني أحبّه، لا الأمر ليس كذلك فحينها لم أكن أحبّه فعلاً، كنت أحترمه فقط، و منذ تلك اللحظة أصبح هو شغفي، و الألوان في عيني، و النور في طريقي، كان أرق من أن يجعل ابتسامة غيره معلّق به، أتفهّم عزيزي القارئ ماذا يعني أنّ أحدهم يخاف أن يحزن بسبب حزنه؟، لا أقصد شيئاً أعمق، و ليس تبادل الهموم، و المشكلات، و المواساة، فعلنا كلّ ذلك كثيراً، و إنتهى بنا الأمر في كلّ مرّة بالضحك حتّى البكاء.
لكن هل جرّبت عزيزي القارئ أن يعرض عليك كلّ شيء حولك خيارات متعددة، و في كلّ مرّة تختار الإختيار نفسه واثقاً مطمئناً متيقناً من قرارك؟، نعم هكذا بالضبط إخترته، و أن تختار شيئاً لا يعني أنّك تملكه، إن كان يحبّني أو لا، لا يهم فأنا لم أخبره أنّي أحبّه بعد، مع أنّه يعلم ذلك، فيكفي أن نفهم، و نتفهّم بعضنا بعضاً، لا تعقيد لا تبرير لا شرح، الأمر فقط أشبه بأن يجد المرء نفسه في شخصٍ آخر، و هذا أعظم ما حدث.
كان لقاءنا الأولى لم يدم أكثر من عشرِ دقائق، إلا أنّه أهداني ابتسامة لم أحصل عليها طوال حياتي السابقة، فشكراً لأنّك تجعلني أنسى الحزن فور أن أحادثك، شكراً لأنَك تجعلني لا أكفّ عن الضحك عندما تحادثني، شكراً لأنّك تجعلني أبكي للحدّ أن الدموع تنهمر من عيوني من فرط ضحكتي، للحدّ أنّني أبلل سروالي دون أن أشعر حتّى، شكراً للبهجة الكثيفة الذي تجبرني أعيشه رغماً عن أنفي.
حتّى الآن، و أنا أنهي كتابتي عنك، لا أستطيع حصر عدد الإبتسامات التي حصدتها عندما كنّا معاً طيلة العامين الماضيين، و طيلة الأعوام الآتية أيضاً -إن شاءالله-.

تعليقات