الحبّ الغير عادي
لطالما أحببتُ كوني خفيفة في حياة الآخرين، سهلة الحضور، سريعة المغادرة، قليلة البقاء، جميلة الأثر، لا أُثقل بأحد، و لا يُثقلني أحد، خفيفة على الأرواح، و خفيفة مثلها، لكن لا أفهم كيف إنتهى بي الأمر مثقلة على -صديقي الحميمي-، و بكلّ ما أُوتيت من قوة أمضيت عمري أحاول التخفّف منه.
تارّةً أشعر بالرفض في أكثر مكان أحظى بالقبول فيه، و تارّةً يقول لي أحدهم أنّني كنت جرحاً في روحه، و آخر يجعلني أشعر أنّني بكلّ خفّتي ثقيل على قلبه، و الذي كنت أعدّه رفيق الدرب كان يعدّ السير معي مجرّد نزهة قصيرة، كنت أحلّق معه في السماء، و لكنّه سرق السماء الآن، و وضع اللوم على أجنحتي، فتساءلت نفسي:
"لا أفهم لماذا يحاولون جعلنا نشعر بالذنب بسبب محاولاتنا فيهم الذي باتت بالفشل؟".
إحذر عزيزي القارئ أن يجعلك أحدهم تشعر بالسوء إتجاه نفسك لمجرّد أنّك كنت عبئاً، ليس بالضرورة أن تكون مميزاً في نظر أحد لكي ترى نفسك، لا تقيّم نفسك من نظرة الآخرين لك، لا تصدّق أنّ نظرتك للآخرين مقياساً لهم، لا تفعل كما فعلت أنا بنفسي.
ظهر بيني، و بين -صديقي الحميمي- مؤخراً جرحين، و صمت، و هذا أعزّ ما تبقّى لنا، أمّا الجرحين فكان لكلٍّ منّا نصيب منهما، أمّا الصمت فكلانا بريءٌ منه.، و إنّي لأتعجب كيف يكون المرء بريئاً من إختياراته!، أتعجب أيضاً كيف يُسمّى خيار البعد الخيار الوحيد!، لا أعلم، يبدوا أنّ للمصطلحات مفهوماً آخر حين ننظر إليه بمشاعرنا، فعندما يخطئ شخص غريب نرى شخصاً سيئاً بغضّ النظر عن حجم الخطأ، و لو إرتكب شخص نحبّه ذات الخطأ لكان مجرّد خطأ، و أحياناً سيكون ذنب لا يُغتفر، لا يوجد وسطيّة هنا، لا توجد نظرة حقيقيّة ترى الأمر كما هو.
المشاعر كالعدسة تُكبّر الأمور، و تُصغّرها وفق متغيّرات لا يفهمها إلا مَن يحمل تلك المشاعر، و أحياناً حتّى هو لا يفهمها، مثلاً، أنا لا أفهم هذه المشاعر، لا أفهم كيف أنّ جرحاً صغيراً منه جعلني أنزف ليالٍ عدّة؟، و كيف أحاول أن أضمد جروح الصمت بالصمت؟، لا أفهم لماذا أحاول ألا أفهم؟، بالرغم من أنّني أفهم أنّ جرح الصمت أقلّ وطأة على القلب من جرح الكلام، و أنّ أثره كان عميقاً لأنّ حبّي له لم يكن حبّاً عادياً، و أنّنا نكون أقلّ قوة عندما تكون ساحة المعركة قلوبنا، أمّا ما لا أفهمه حقاً هو أنا، و -صديقي الحميمي-، نعم نحن، دعك من الصمت، من الجروح، من كلّ شيء.
فهل تصدّق أنّ هذا أنت؟، و أنّ هذا أنا؟، هل تصدّق أنّنا كنّا ذات يوم لا نفرّق بيننا؟، أنّنا كنّا نحن؟، نحن!، يا له من كذبة رائعة، لم يتبقّى لنا منها سوى حقيقة جارحة، أنا، و أنت جرح، و الصمت كان جرح بالفعل أيضاً، لكنّه أصبح ضمادة بعدما أصبحنا لا نتحدّث.
أناديه أحياناً، و لكن لم يعد النداء يتجاوز حنجرتي، فلم أعد أنادي، و لم أعد أصغي أيضاً، لم أعد أدقّق في تفاصيل حديثه بحثاً عن كلمة تعنيني، لم أعد أبحث عن نفسي في عينيه، لم أعد أغلق الأبواب غضباً، و لم أعد أفتحها إشتياقاً، أصبحت عادّية للغاية، مع ذلك ما زلت أكنّ له القليل من المشاعر، لا أنكر هذا، لكنّها أصبحت رماداً بعدما كانت شُعلة لا تنطفئ، ربما أحنّ إليه بين الحين، و الآخر، هذا أمرٌ طبيعي للغاية بالنظر إلى عمق المحبّة التي كنت أكنّه له، لقد أحببته حقاً، و لا أعتقد أنّ أحداً ينسى شخصاً أحبّه بذلك العمق، و ذلك الإنتماء.
ليس ثمّة شيء قادر على أن يمحو أثره، ما زلت أحمل أثر كلماته الذي اعتاد قولها لي في الأشهر السابقة، كلّ يوم تنمو بين أضلعي وردة، تشعّ من فمي ابتسامة تخطر على بالي لحظة، يُراودني دفء مُفاجئ حين أنطق إسمه الذي يبدأ بحرف الجيم فجأة، يلمسني ذكرياته فحسب، ما زلت هنا بالرغم من غيابه، أراه جليّاً واضحاً في أحلامي رغم الحواجز الذي تحول بيننا، أحبّه رغم أنّني لم أعد أشعر بذلك.
إنطفأ في داخلي، و عزّ عليّ ذلك، و ظللت أرعى محبّته بهدوء تام، ألملم رماد نار عزّ عليّ إنطفائه، أخبئ ما تبقّى منها لكي لا يزول هو الآخر، أرعى القليل المتبقّي من محبّته بعدم محاولة لمسها مجدداً، ما زلت أرعى محبّته، ليس لكي ينهض من الرماد مجدداً، إنّما لفرط معزّتها، و عظيم منزلتها في قلبي، يعزّ عليّ أن أقللّ من شأن شيء أحببته يوماً.
يأتي خيار التجاوز دائماً في آخر القائمة، كحلّ أخير للأشياء التي استعصى على المواجهة حلّها، ما كان التجاوز يوماً هيّناً عليّ، لكنّ الحياة لا تتوقف بسبب شيء سقط منّي، حتّى و لو كان قلبي، فليس كلّ ما يتاح لنا إلتقاطه، أحياناً نجبر على المضي قدماً، لأنّ ثمن التوقف أكبر ممّا نستطيع تحمّله.
سأتذكّر -صديقي الحميمي- لكن ليس الآن فأنا حزينة للغاية، و أن أتذكّره، و هو ليس معي كالسابق هذا حزنٌ آخر، لأنّني لن أتذكّره الآن كما كنت أفعل سابقاً، فسابقاً لم أكن أنساه، لم أكن أحاول على الأقل، سابقاً كان يزهر في أفكاري بشكلٍ مستمر، سابقاً كان ينمو في وجهي على هيئة إبتسامات مفاجأة، و غير مبرّرة، سابقاً كنت أتذكّره دائماً لكن ليس هكذا، ليس بهذه الطريقة، ليس بهذا الشكل.
لم أتصّور يوماً أنّني قد أتذكّره كشيء لم يعد بمقدوره الحدوث مجدداً، كشيء عفا عنه الزمن، و لم يعفوا عنه قلبي، كشيء كلّما تذكّرته شعرت بشيء يشبه الصفعة لكن في قلبي، لقد جعلني أطوي صفحته منذ أشهر، إنّما ما زال له شيء ممتد في أنحاء القلب، فلقد أغلقت بابي في وجهه مراراً، لكن هذه الأبواب المفتوحة على مصارعها في روحي تأبى أن تنغلق في وجهه، و لو لمرّة واحدة، لقد تخطّيت حزنه، كان حزناً واحداً، لكنّه ما زال يُبكيني في كلّ مرّة أتذكّره.
يالله، كيف تنسى القلوب القلوب؟، كيف تهدأ الأرواح في البعد؟، كيف نمحو أثر الحبّ الغير عادي من قلوبنا؟، كيف ننسى ما يهزمنا تذكّره؟، كيف يهدأ النبض عندما نتذكّر من جعلنا نشعر بنبضنا لأول مرة عندما إلتقينا بهم؟.
و أنت -صديقي الحميمي- إنّك كلّ ما أفكر به، نصف حزني أنت، و نصفه الآخر منك، نصف سعادتي أنت، و نصفه الآخر منك، يبدوا الأمر معقداً أعلم، أحياناً قد تكون نقطة ضعفك هي نفسها نقطة قوتك، و أعلم أنّ سبب حزنك كان سبب سعادتي يوماً ما، و أعلم أنّك لا تعلم كيف تشرح هذا الأمر، لا تقلق أنا أفهمك، أتذكّرك أحزن، أنساك تحزن أنت، و أن يكون أحدٌ منّا سبب حزن الآخر هذا أمرٌ وارد، لكن أخبرني بحقّ عينيك التي ما زلت أهواها مَن منّا ارتضى بالحزن للآخر؟، أنظر أنا لا أحاول نزعك من صدري، لا قدرة لي على نزع شيء تمسكه يد قلبي.
سبحانك ربّي زرعت فيّ الليّن فأصبح الرفق لي طبع، و أصبحت أحنوا على مَن لا أعرفهم!، فكيف بمن أحبّهم؟، كيف أقسوا على مَن أخاف برمش العين أجرحهم!، لكنّهم بتروا يداي، و قلبي، كيف نتمسّك بمَن بتروا أيدينا؟، بأيّ عذر نقنعهم، و نقنع أنفسنا بالبقاء، و قد استنفذنا الأعذار لجروحهم، و هجرهم!، و الجروح التي فتحوها في صدورنا، و غادروا، ألا نخجل حين نخبرهم أنّنا نريد عودتهم!، كلّ جرح هو باب مغلق إن فُتح نزف، لا يوجد ما يضمن لنا أنّنا نستطيع النجاة إن فتحنا أبوابنا مرةً أخرى، و إن عدت إليّ مرّةً أخرى، هل يجب عليّ أن أتوقع من يداي المبتورة أن تعانقك!.
لا أعلم ما الدافع الذي يجعلنا نمنح فرصاً أخرى، أعتقد أنّنا نقول في أنفسنا:
"على الأقل هذه المرّة لا نستطيع التمسّك، و لم نعد نملك أصابع ندم، نخاف أن نعضّها".
أعتقد أنّنا نمنح فرصاً أخرى لأنّنا لم نعد نخاف الخسارة، لأنّنا سبق، و خسرنا فعلاً، أعتقد أيضاً أنّنا حين نتخلّى عن شخص نحبّه لا نتخلّى عنه كاملاً، لسببٍ ما لا نفهمه لكنّنا نشعر بضرورة ذلك، ربما لأنّنا نرعى الألفة، و الودّ، و ربما لأنّنا نخاف من الوحدة، و الفقد، أو ربما أنّنا أرق ممّا نتصّور.
إنّك أعزّ من أن تُنزع دفعة واحدة، إنّك أعزّ من أن تُنزع حتّى، لم أعد أحاول نزعك منّي الآن، لقد تقبّلت الأمر أخيراً، و مضيت في الدرب لأنّني رضيت بما وجدت، و لست أسفه على ما فقدت.
كما قلت، لطالما كنّا خِفافاً عليكم، و لم نطلب منكم إلا أن تكونوا كما عهدّتمونا، إن أحببتمونا فأحبّونا كما نحن، و إن كنتم تريدون المغادرة فأفعلوا بهدوء، لا تجعلونا معلّقين في المنتصف كما نحن الآن هكذا، لا تفزعوا طمأنينة أرواحنا بالقلق عليكم.
إن كان دربنا مظلماً فلا نريدكم أن تسيروا فيه، و إن كانت سماءنا ضيقة فلا نريدكم أيضاً أن تحلّقوا فيها، و إن كانت منازلنا لا تسعكم فلا نريدكم أن تبقوا فيها، لكن لا تجعلونا ننتظركم أن تظهروا في حياتنا في الوقت الذي لا نحتاجكم.
لم أحاول تغييركم من أجل نفسي، و لم أحاول تغييركم لكي أتقبّلكم، و لا أحاول أن أتغيّر لكي تتقبّلوني أيضاً، فالقبول لا يُكتسب، إن لم يحدث من تلقاء نفسه لن يحدث أبداً.
لكن مع ذلك لطالما كنّا خِفافاً، لكنّكم أثقلتم أرواحنا.

تعليقات
إرسال تعليق