الخبر الأسوء على الإطلاق
يتحتّم على المرء أحياناً إتخاذ قرارات صعبة، حتّى لا يقترب من الفوضى الحقيقي، لأنّ الفوضى الحقيقي عزيزي القارئ عديمة الصوت، و يترّتب على القرارات الصعبة أمثلة كثيرة؛ كالهروب من الكتابة، كالقدرة على التعبير عن المشاعر كما كان سابقاً في أيّ حال من الأحوال، كَكُره باقي أفراد العائلة بسبب رحيل أحدهم، الإدراك المتأخر أنّ الذي رحل إلى الأبد كان أهمّ الأشخاص في الحياة، كالعُزلة التامّة من الجميع، حتّى من أحبّ الأشخاص إلينا، و غير ذلك.
أمّا أنا فتعايشت إحدى اللحظات السابقة مؤخراً كما لو أنّ أصبح لديّ متلازمة من حيث لا أعلم، و هو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر، يعتبر متلازمة لدى بعض البشر بالفعل، يطلق عليه: أليكسثيميا، و الكاتب هاروكي موراكامي هو الذي إستطاع أن يعبّر بطريقة بليغة جداً عن هذه المتلازمة، إذ قال:
"أعرف أنّ لديك بداخلك ما تحتاج إلى الكتابة عنه، و لكنّك لا تستطيع أن تخرجه، أمر أشبه ما يكون بحيوان صغير مذعور يختبىء في جوف كهف".
و لكنّ العلّة كانت تكمن في العجرفة على الجراح، و عدم إعطائها حقّها، و مساحتها الكاملة، إلى أن أصبحت جراح نازفة إلى الأبد، و قلّة الحيلة منعتني عن كتابتها، أيّ أنّني لم، و لن أجرأ لأعترض على حرب جفني، تماماً كالعالق في الإعصار، ذلك الذي يشعر بالآخرين، و لا يستطيع أن يشعر بنفسه ليعبّر عن ما يشعر به!.
أربعون ألف سنة من لغة الإنسان، ثمانية و عشرون حرفاً من الحروف الأبجدّية، و لا يمكنه أن يجد حرفاً واحداً ليصف الشعور الذي بداخله تماماً.
مُنذ عدّة أيام، و أنا أتجنّب الكتابة عن ما أشعر به حقاً، ليس عجزاً، إنّما لا أريد، لأسباب لا أريدها، و لا أطيقها لكنّني غالباً مجبرٌ عليها، أعني، كم ضربة يستطيع المرء أن يتحمّل قبل الإنهيار؟، لكن هناك جانب سلبي لكونك شخصاً يتعرّض للإساءة، و الضرب، إن لم تتوقف الضربات، فستنهار على كلّ حال، و عندما تفعل، ستشعر، و كأنّ الضربات تسقط عليك معاً، و إنّه لأمر في غاية التعب، و غاية الأدب أيضاً، أن تكتم ما تودّ قوله، خوفاً من أن تخدش أحد، أو قلقاً من أن تكون سبباً في حزن أحد.
تخيّل عزيزي القارئ فوق تعبك من الحياة، تعبك من الكون حينما يسرق منك أشخاص أنت تحبّهم في السر، و تكرههم في العلن، كمية الصراع الهائل الذي تخوضه بيومك فور سماع خبر رحيلهم إلى الأبد، تحارب الكثير من الأحزان بداخلك، و فوق حزنك الحالي يُضاف حزنٌ آخر تحمله معك أينما ذهبت، و أنت صامت لأنّك لا تريد مواساة، أو نظرة ضعف، و شفقة من أحدٍ ما، تخيّل حجم التعب هذا كلّه، و أكثر من دون أن تصدر صوت!، تسعى جاهداً لإبتلاع كلماتك، كلمة تلو الأخرى، دون مراعاة لحقيقة أنّها قد تتحول إلى جمرة لا تنطفئ، و لا تهدأ، حتّى تتمكن منك.
نعم، لقد تمكّن الحزن منّي هذه المرّة جيداً، كلّ شيء تمكّن منّي هذه المرّة، و هذه ليست لحظة ضُعف فحسب، يبدوا أنّني هُزمت من نفسي بينما كنت مشغولة بمقاومة العالم، فلقد قضيت حياتي كلّها أحاول أن أكون أقل قلقاً، و لكنّني لم أستطع!، أما الآن لم يعد بوسعي المقاومة، ربما سأقاوم الآن رغبتي في البكاء قليلاً، لكنّني سأبكي حياتي كلّها لاحقاً، سأبكي روحي أو تبكيني روحي، لا يهم أيٌّ منّا يبكي الآخر، المهم أن يغادر أحدنا الآخر، و لو على هيئة دمعة.
عندما حاولت المقاومة في الأيّام السابقة، تذكّرت قاعدة أساسية أخرى، ظنّاً منّي أنّني سأتأثر به عندما أذكّر نفسي به، تقول:
"لا تحاول أن تقاوم التغيّرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك، و لا تقلق إذا قلبت حياتك رأساً على عقب، فكيف يمكنك أن تعرف أنّ الجانب الذي إعتدت عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟".
للأسف حتّى هذه القاعدة لم تجعلني أقتنع بها، أو أتأثر بها كالمرّات السابقة، -ربما حزن هذه المرّة ليس كَكلّ مرّة- قلت لنفسي مواسياً نفسي.
إنّني أشعر برغبة عارمة في البكاء كلّما لجئت إلى الكتابة عن أبي، إنّني أغسل الكلمات بدمعي لتصبح بهذا النقاء، هذه ليست كلمات إنّه دمع أشفق عليّ من فرط صلابتي فأنهمر، و الكلمات التي لا أقولها، لا تموت، إنّها تعود إلى الداخل، إلى حيث تنتمي، و تتكئ على قلبي، لكنّني أختار الصمت في معظم الأوقات، لأنّ لا جدوى من الكلام أحياناً، و أحياناً لأنّه الخيار الوحيد، و ربّما لأنّه الأكثر أماناً.
إنّ معظم الأشياء التي يفعلها المرء بدافع تجنّب الندم، غالباً صادقة، و مقنعة للغاية، لكنّها خاطئة، و مؤسفة جداً، إنّ المرء ليخجل من نفسه حين يحاول أن يشرح حزنه لمن يعلم يقيناً أنّه لم يعد موجوداً في هذا العالم ليقرأ ما كُتب عنه، يخجل حين يحاول أن يشرح حزنه لأيّ أحد، حتّى لنفسه، لكن من قال أنّنا نحاول شرح حُزننا، أو أنّنا نتوّسل مواساة من أحد؟، إنّني حقاً أشفق على هذه الفكرة من نفسها، و أشفق على أشخاصها من غرورهم الجامح، ألا يرون هشاشة أكتافهم من أنفسهم!، هل يعتقدون حقاً أنّنا قد نتوقع منهم أن يكونوا سنداً لنا!، ليس إستخفافاً، و لكن ما يثقل أكتافنا مُحال أن تقوى أكتافهم على تحملّه.
ظننت أنّ بعد مرور أسبوع من شهر رمضان، و تعوّد النفس على الصيام هذا العام، سوف أكتشف أنّني سأكون قادرة على ترك التسويف عن الصلاة، و أنّني سأكون قادرة على قراءة القرآن يومياً، و أنّني سأكون قادرة على تعلّم الطبخ جيداً لأطبخ لنفسي، و أنّني سأكتشف لي الطاقات الدفينة في نفسي!، فحين كنت يافعة، و بعد كلّ نهاية العطلة الصيفية كنت أقول في نفسي:
"حين أكبر سأتخلّص من هموم المدرسة".
و الآن تخلّصت منها، لكن لم أعتقد أن تثقلني هموم أخرى!، كنّا في الماضي أطفال نرتعب إن رأينا قطعة خبز مُلقاة على الأرض نركض، و نحملها لمكان عالٍ، و نرسل قُبلة إعتذار إلى الله، ظننت أنّنا لن نخسر أرواحاً طاهرة في الطريق، و لكنّنا خسرنا!، فلو أراد الله أن نكون، كنّا، كنّا دون مُناهدة، و لكنّنا لم نكن!، لم نستطع أن نكون!.
هذه المرّة ليس كَكُل مرّة عزيزي القارئ، فلَم يعد الأفلام، و المسلسلات مهرب لي، و لا الأغاني، و الموسيقى ملجأ لي، و لا الحديث مع أحدهم علاج لي، و لا العائلة إحتواء لي، و لا الأصدقاء حائط أتكئ عليه، ظننت على الأقل أنّ وجود صديق حول شخصٍ ما يعني ألّا يُعرّى جرحه، و لكنّ الأصدقاء لم يستطيعوا أن يخففوا عن ما واجهته أيضاً، عن ما عشته، عن ما مررت به!، لم يعد الكتب تغذية لعقلي، و لا النوم راحة لجسدي، ظلام الليل يستمر حتّى في الصباح، المشاعر متقلّبة، و الروتين متكرر، و عقارب الساعة مُنهكة، الحياة لم تعد حياة، بتّ أعيش في الأفكار أكثر من الحياة، منذ أن سمعت الخبر الأسوء على الإطلاق:
"يعلن مستشفى الملك فهد العام الواقعة في مدينة جدة - المملكة العربية السعودية اليوم الأربعاء بتاريخ: 1443/10/03 الموافق: 2022/05/04 وقوع حادث مروري لـ -أبي-، و زوجته -زوجة أبي-، و جنينها الحامل به ذو الثامن، و العشرون أسبوعاً -إبنتها- ممّا نجم عنهم وفاتهم جميعاً".
هل تعرف تلك اللحظة حين تدرك شيئاً سيئاً عزيزي القارئ؟ إنّها مؤلمة، أليس كذلك؟.
أحياناً تحصل لنا أمور قد تشعرنا بالضعف، لكن أحياناً أخرى قد تبّثنا بالقوة، و حدوث هذا الجرح الكبير على قلبي أشعرني بالضعف، و لم تبث بأيّ قوة قد تحدّثت عنه سابقاً.
كلّ يوم أحاول أنسى ما فوجئت بسماعه، أحاول أتخطّى ما حدث، لكن مؤكد أنّني سأتوقف عن المحاولة في مرحلةٍ ما، ليجتاحني الألم جيّداً، و أشعر بأنّ ليس بوسعي ما أفعله لأهرب منه، و يطلقون على هذه المحاولة تجاوز!، بينما ما حدث أنّ أبي خلع روحه، و تركها خلفي مباشرةً، و بقيت أنا لوحدي عارياً من حبّه الكبير لي الذي -لا أعلم عن حبّه قط-، و أمانه الذي -كُرهي للذي فرّقنا عمداً كان يعميني، و يجعلني أبدوا ضعيفة-، و للأسف أنّني سمحت للكراهية أن يغيّرني، غيّر الطيبة التي فيني، و كان تلك المأساة الفعلية، لا تكون الطيبة أبداً تجاوزاً لمركز أيّاً كان عزيزي القارئ، فلا يحصل أيٌّ منّا على كتيّب إرشادات حول المالك، إنّنا نبذل قصارى جهدنا فحسب.
لكن أتعلم عزيزي القارئ ما يمكننا الإستفادة منه دوماً؟، صديق، لكن أنا لم أستطع الإستفادة منه هذه المرّة، ربما أنت ستستطيع!، فكنت ضعيفة بالفعل، و لكنّني ضعفت أكثر بعد سماعي بتلك الخبر، هذا هو طبيعة الإنسان أليس كذلك؟، إنّه ضعيفٌ جداً لدرجة أنّه يمضي سنوات طويلة محاولاً نسيان أمرٍ ما، و في الوقت ذاته تجده عزيزي القارئ يجاهد ليتذكّر ماذا إرتدى ليلة البارحة؟.
في الليلة التي تسبق وفاة أبي:
كنت شديدة الإنشغال، لحدّ إستحالة أن أحمل الحقد أو ملاحظته لدى عائلتي، رغم تعبي، و مرضي الذي إشتدّ كثيراً جرّاء حملي لصندوق ثقيل قبل أيّام قليلة، إنغمست في صنع الحياة التي لطالما حلمت بها، فعشت صراعاتي الخاصّة جميعها تلك الليلة، تشافيت من الأحزان الذي خلّفه -صديق الغُربة- خلفه، تشافيت من فجعة ذهاب -صديقي الإستثنائي السابق- الذي كان يأكل روحي، كنت كاملة الإنشغال بحديث مع الذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- الذي حيرّني، نظرت كثيراً إلى الصورة التي كانت تشكلّه مدح -صديق بنفسجي يحبّ اللون الأبيض- عنّي، تلاشى غضبي مع الوقت ضوضاء شقيقتي الكبرى الذي لا يشكّل قيمة حقيقية لي.
وجدت نفسي أخفّ، و أكثر سعادة، لم أنتبه للذين يحاولون التواصل معي على برنامج -Snapchat- منذ عدّة أيام، قضيت وقتاً أقل في محاولة الدفاع عن نفسي عندما سألني -صديقي الحميمي- عن حالي، أو إثبات وجهة نظري له، كتبت ما لدّي في مدّونتي التي كنت متشوقة حيالها كثيراً لأريه لـ -صديقي المتدّين- و مَضيت، ومَئت برأسي كثيراً، و أنا أتحدّث مع قمر تلك الليلة حتّى أتخلّص من حوار سخيف، و خرست كثيراً لأنّني لا أريد للترّهات أن يخرج من فمي أمام أبي عندما إتصل بي تلك الليلة.
إنغمست في حياة طيّبة، و وجدت نفسي حاضرة بذهني، أصبح الطقس في رأسي صافياً، و شفافاً، و مُهيئاً لأعرف ما الذي أريده، و كيف أستطيع الوصول إليه، الإنشغال الذي إنشغلته عزيزي القارئ يعني أنّني قضيت وقتاً أطول مع نفسي، و هذه ليست وحدة أو مرض نفسي كما يظنّها عائلتي، بل هذه خلوة جميلة كما أظنّها أنا، رحلة مع الذات يجعل المرء يتذكّر أنّ إكتشاف صحّته النفسيّة ممتعة، و مستحقة في آنٍ واحد.
غيّرت جهة نومي من اليمين إلى الأعلى محاولة النوم، و بدأت أتخيّل اللحظة الأولى التي سأعيشها بعد تحقيق حلمي، الصباح الأول الذي سأقضيه، و في جعبتي فرحٌ عظيم، أتخيّل طعم الإفطار الذي سأعدّه لنفسي، رائحة الصباح، و صوت العصافير مع أشعّة الشمس الساطعة في السماء، لون البهجة في عيّني المنعكسة أمام المرآة، شكل إبتسامتي الحقيقيّة، و أنا ألتقط صوراً لـ -صديق بنفسجي يحبّ اللون الأبيض-، أتخيّل كم ستكون الحياة غريبة، و مختلفة عن التي كنت أعيشها يوميّاً، أتخيّل طعم الفرح، أتخيّل إنهزام الهموم، و الأفكار السلبية، و أخطاء الماضي، -كم أتمنّى أن يتحقق كلّ هذه لأجل العيش براحة، و سلام- قلت لنفسي، و من ثمّ غرقت في النوم بعمق، و أخيراً نمت.
في يوم وفاة أبي:
إستيقظت الصباح مبكراً مستغربة من رؤيتي لأحلام غريبة عن أبي لأول مرّة في حياتي، نغزني قلبي، و حاولت تجاهل وسوسة الشيطان الذي يطرأ على الإنسان في أوقات مُفاجئة، ظننت أنّ الأحلام الذي رأيته عن أبي حنين إلى الماضي، فالحنين هو إكتشاف أنّ السعادة كامنة في أحداث الماضي التي لم أتصوّر أنّها ستحمل الذكريات السعيدة، -لا تخلوا ذكرياتي مع أبي من أيّام سعيدة قضيته معه، و كلّما زاد تدهور أوضاعي، و أنا بعيدة عنه، زادت السعادة التي كانت تحمله ذكريات أيّام الماضي في طيّاتها- قلت لنفسي ذاهبة إلى حجرة والدتي لأطمئنّ عليها.
رأيت والدتي مستلقية على فراشها البُنّي، مستيقظة تتحدّق بسقف حجرتها، جلست بجانبها لتبدأ فجأة بالتحدّث عن أبي، -غريب أن نفكّر في أبي في الوقت نفسه، لكن بطرق لا تتشابه إطلاقاً- قلت لنفسي، أصغيت لوالدتي، و أنا صامتة، لم أستطع أن أجيب عليها، أو أعلّق عن ما كانت تتحدّث عنه، لأنّ ما زال هناك نغزة في قلبي، ما زلت أشعر به بسبب حساسيّتي المفرّطة إتجاه الأحلام الذي رأيته قبل قليل.
فلطالما كانت حساسيّتي المفرّطة إتجاه كلّ شيء، و ليس الأحلام فحسب، هي مشكلتي الأولى، -كيف نواجه الحياة نحن الذين نشعر بكلّ شيء؟- تساءلت نفسي، إنّني أشعر بكلّ شيء بشكل مضاعف عزيزي القارئ، أشعر بالشيء قبل حدوثه، و أثناء حدوثه، و بعد حدوثه، و أشعر حينما أتذكّر شيئاً ما أيضاً، أشعر بالكلمة حين أقولها، و حين أسمعها، و حين أتذكّرها أيضاً، و حتّى تلك الكلمات التي لم أقلها أشعر بها كغصّة، غصّة توشك في كلّ مرّة أن تصبح كلمة لكنّ الشعور أكبر منها، كلّ شيء يترك فيّ أثر، القليل، و الكثير، حتّى اللاشيء أشعر به على هيئة عدم يبتلع وجودي بين الحين، و الآخر.
لكن ما يؤذيني أكثر أنّني أحياناً لا أشعر، و دائماً ما يكون هذا نتيجة إظهاري شعوراً ما، ربّما قد يكون مبالغاً به، و ربما لا، لكن أحدهم إستخفّ به، ممّا جعلني أبدأ بإدعاء اللامبالاة دائماً، حتّى أصبحت مثل الجميع لا أشعر بشيء، ظنّي يتبدّد أحياناً أخرى، و ذلك حين أبتعد عن الجميع، و أُرخي زمام مشاعري فتفيض، و يفيض بها الوجود، و أشعر بكلّ شيء دفعة واحدة، و بكلّ ما يحدث طوال اليوم، منذ أول شيء حدث حين أتى العيد الفطر إلى رؤيتي لأحلام غريبة عن أبي.
أنا الذي أشعر بمرارة الوجود في فمي كلّما رأيت دمعة والدتي في ظلام الليل، أو سمعت صوت بكاء أبي كلّما كان يتصل بوالدتي، أو قرأت رسالة وداع -صديقي الحميمي- عندما ظنّ أنّه سيموت، أو مرّ بجانبي حزن -صديق الغُربة- عندما كنت أصادفه أحياناً بشكلٍ مُفاجئ في وسط الشارع، أنا الذي أبتلع تلك المرارة بصمت، خوفاً من أن يراها أحدهم، و يقرر أن يخنقني بها يوماً ما.
ليت أنّنا نستطيع أن نختار مشاعرنا عزيزي القارئ، لأخترت أن أكون حجراً، أو شجراً، أو أيّ شيء آخر يشعر بشكلٍ أقل إلا أن أكون إنسان، ليس لأنّ فرط الشعور سيء أو رائع، في الواقع من الرائع جداً أن تكون إنساناً بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، لكن لا شيء أقسى من أن يكون المرء ذا شعور كثيف في حياة بهذه البلادة.
توقفت والدتي من الحديث فجأة، بدأت تكمل تحديقها نحو سقف حجرتها مرةً أخرى، و هي صامتة، قمت أهمّز قدمها لأجيب عليها أخيراً متحدّثة عن أبي أنا أيضاً، قائلة لها:
"أعرفه بهيّ، آسر، ذات أثر لا يُنسى، رغم أنّه لم يكن الرجل الذي يحتاج إليه عائلتي كلّما مرّ بأرضٍ جدباء أزهر، أعرفه كما يعرف المرء يقيناً أنّ قلبه في صدره، و أجهله أحياناً كما يجهل المرء في أيّ مكان هي روحه، أعرفه مند زمنٍ بعيد، لدرجة أنّه أمضى حياته كلّها في البحث عن شيء حقيقي، في كلّ ثانية من حياته، في كلّ قرار إتخذه، لدرجة أنّني نسيت كيف سيبدوا شكل حياتي بعده إذا توفى لا سمح الله، و بالرغم من ذلك ما زلت أراه كشيءٍ للتو عرفته.
إنّه رجل قويّ، صمد في كلّ الأوضاع، و سيصمد فيما يمرّه الآن أيضاً يا والدتي، إنّه مثل الفلّينة التي لا تغرق في البحر، ذلك ما هو عليه، إنّه كالفجر، لا يصبح باهتاً بالتكرار، و لا تُغيّر عذوبته الأيّام، في كلّ مرّة يحدث للمرّة الأولى، في كلّ يوم حاملاً أملاً جديداً، و بالوجه المُشرق المُبهج ذاته أصبح يطرق باب الحياة، كما أصبح طيفه يطرق باب قلبي، فيزول عنه الليل، و يبدأ فيه صبحٌ، أكاد أسمع صوت عصافيره في صدري لو أصغيت قليلاً.
إعتاد أن يقول لي:
"أنّ الجانب المعاكس لأفضل صفة في الجميع هو أسوأ صفة فيهم، أنتِ تهتمِّ".
لأسأله:
"ما أسوء صفاتي؟.
ليجيب عليّ بـ:
"تقلقين، ثمّة وصفة واحدة لذلك، إنهضي!".
إعتاد أن يقول لي أيضاً:
"في أفغانستان تستجمع الحرب كلّ ما هو نبيل، و مُشرف في الإنسان، توحدّه مع إخوته، و تربطهم في حبّ غير أناني".
لأجيب عليه:
"لدينا إخوة، و أخوات، و حبّ غير أناني بمختلف أنواعه في عائلتنا أيضاً، نحتاج إلى شخص يجيد تجاوز هذه المحنة، شخص مثلك يا أبي".
إعتاد أن يقول لي أيضاً، مقتبساً من رواية -ألف شمس ساطعة- للمؤلف خالد حسيني:
"رغم دخولك للعشرينات أعلم أنّكِ ما زلتِ صغيرة، و لكنّ أريد أن تفهمِ و تتعلّمِ ذلك الآن، يستطيع الزواج أن ينتظر، و لكنّ التعليم لا ينتظر، إنّكِ فتاة لامعة جداً، بصدق أنتِ كذلك، بإستطاعتك أن تكونِ ما شئتِ يا سارة، أعلم ذلك، و أعلم كذلك أنّه عندما تنتهي هذا الحرب فإنّ أفغانستان ستكون بحاجتكِ كما هي بحاجة إلى رجالها، و ربّما أكثر، لأنّ المجتمع ليس له فرصة للنجاح إذا كانت نساؤه غير متعلّمات".
إعتاد أن يقول لكِ يا والدتي:
"ربما كنتْ دوماً أسفل رحمة عائلتي أكثر من أيّ شخصٍ آخر".
إعتاد أن يقول لشقيقتي الكبرى أيضاً:
"من لم ترين منه سوءاً، فلا تصدّقي كلام النّاس عنه".
إعتاد أن يقول لشقيقتي الوسطى أيضاً:
"أحتاج إلى عناقكِ لأعود عامراً بعد الخراب الذي ما زلت أمرّه".
إعتاد أن يقول لشقيقي الصغير أيضاً:
"إذا إبتليت بالسهر، فلا تنم حتّى تصلّي الفجر".
إعتاد أن يقول للذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- متحدثاً عنّي أيضاً:
"هذا ما تفعله، تغادر، و حسب، لكنّ المشكلة هي أنّ مصدر الزعزعة هي في داخلها، أشياء في داخلها لا تسمح بأيّ أحد برؤيتها".
علّمني أبي دوماً أنّ أيّ شيء أسوء من قلّة الثقة هو فرط الثقة، فلم يمانع إتصالي له في الساعة الثانية أو الخامسة فجراً أبداً، أو إيقاظه من نومه كي أخبره أنّني أشعر بالملل ليجيب عليّ أنّه يشعر بالصداع أيضاً، و عندما كنت أتصل عليه ليلاً كان ينهي حديثه بنصيحته المعتادة:
"أيّ شخص يقدّم لك نصيحة إنّما هو يحدّث نفسه في الماضي، كما هو أنا عندما أنصحكِ بشيءٍ ما".
عندما كنت أذهب إلى المدرسة، إعتاد أن يقول لي يا والدتي:
"إنتبهي لنفسكِِ قبل أن تدمّري نفسكِ".
و عندما لا أجيد التعامل مع الأرقام جيداً أثناء مذاكرتي لمادة الرياضيات، متفوقاً عليّ في حلّ معادلةٍ ما، إعتاد أن يقول لي أيضاً:
"أحياناً، لا يحتاج النجاح سوى إلى عينين جديدتين تنظران".
و عندما يسمع عن مشاجرتي مع شقيقتي الكبرى، إعتاد أن يقول لي:
"لا نمر بيوم جيّد جداً، أعلم ذلك لكن لا نعلم قد يكون هذه فرصتكِ الأخيرة تستحق شقيقتك الغفران".
بتّ أعرف الآن لماذا اللحظات التي كنت أقضيه معه لا تصبح عادّية بكثرة تذكّرها، و المرور عليها، إنّ اللحظات كانت تأتي، و تذهب وحدها، أمّا هو حاضر حتّى في بقائه في السعودية، بعيداً عنّنا.
هل تعرفين يا والدتي!، رغم كلّ الذين أحبّوه و أحبّهم، كان هو دائماً الطرف الأكثر حبّاً لهم، و ما أقصده أنّ رغم قدرته الضعيفة على التعبير، لكنّه قدّم أشياء صادقة، قدّم أشياء ربما لا يعرفون قيمتها إلا بعد نهاية علاقتهم به، هُم رائعون في البداية كالجميع، كلّهم رائعون في البدايات، الونس، الأمان، الردود الطيبة، و الشغف، أمّا عن أبي فكان دائماً يبحث عن ما هو بعد هذه الخطوة، تمنّى كثيراً لو أنّه إلتقى بشخص لا يمل منه، شخص يُجيد التعبير عن مشاعره أفضل منه، بالكلمات، بالأفعال، بالأشياء البسيطة التي أحَبّه، شخص كالذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- مثلاً.
فقط البدايات رائعة في كلّ شيء، لكنّ الوقت يُبرد مشاعرهم، الوقت يكشف أنّ إقترابهم منه كان بدافع الفضول أو مجرّد نوبات إحتياج فتعثّروا بأبي ليعوضّهم أبي بعد ذلك عن الفراغات التي يشعرون به، لم يحدث يوماً، و وجد مَن تغيّر لأجله يا والدتي، مَن حاول، و ضحى ليبقى بجانب أبي، لم يجد، و لكن تبقّى أمانه الذي أحُبّه، و هو المعجزة الأكبر، و في الواقع كلّ شيء يحبّه، كلّ شيء يعرفه، حتّى الشجرة الذي بجوار منزله، يستطيع المرء أن يضع قلبه في يديه، و يمضي في حياته دون قلق عليه، بل أنّني أحياناً أشعر بأمانٍ أكثر من الذي كنت أشعر به حين كان قلبي في صدري.
هكذا عرفته يا والدتي، و هكذا ألفته، و أحببته هكذا أيضاً، مهما كان، و مهما حدث، تظلّ هذه المساحة التي بيننا، و بينه هي أكثر مكانٍ آمن في حياتنا، لا شيء يستطيع تغيير هذه الصورة، تمرّ بيننا الأيّام، و تمضي، لكن لا يمكننا هزيمة أبي، لا يمكننا هزيمة شخص يُهزم يومياً، و ينام، و يستيقظ، و يبدأ من جديد كأنّ شيء لم يكن، يبدأ مرّة ثانية مستعداً تماماً لهزيمة أخرى".
و أنا أكمل الحديث عن أبي إستوقفتني والدتي فجأة، قائلة:
"روحي كُلي لك شيء، من صحيتي و إنتيِ جيعانة!".
-أتفهّم أنّ البشر يتفوهون بما لا يعنونه عندما يحزنون بصمت، أتفهّم حزنكِ أنتِ أيضاً يا والدتي- قلت لنفسي، و أنا ذاهبة للمطبخ، لم أكن أصبح أفضل حالاً، كنت أصبح أكثر براعة في الكذب، و حسب عندما كنت أجيب بـ:
"لا شيء".
كلّما كانت أمي تسألني عن سبب تصرّفي بالغرابة منذ أن إستيقظت من النوم.
قمت، و ذهبت إلى المطبخ لأعدّ غذاءٍ ما في الصباح، و الساعة تشارف نحو العاشرة صباحاً، أعلم عزيزي القارئ، أعتذر لك نيابةً عن الإستغراب التي شعرت بها عندما قرأت جملتي السابقة، فأنا أتناول غذائي في الصباح دون أن أتناول فطوري أولاً، حضرّت الغداء، و صببته في طبقٍ عميق، إصطحبت الغذاء معي في حجرتي، بدأت أتناول، و أنا أعاني من شيءٍ ما لا أعرفه، -قد لا أعاني من شيء، إنّني فقط بحاجة لمدينة أخرى- قلت لنفسي كما كنت أقول لـ -صديقي الحميمي- دائماً، ثمّ إنتهيت من الغذاء، ذهبت إلى المطبخ لأغسل الأطباق، إنتهيت من الغسيل، و ذهبت إلى حجرتي مرّةً أخرى لأستلقي على فراشي، و أستريح قليلاً من ألم ظهري الذي شعرت بأنّه سيقتلني يوماً ما بكلّ تأكيد، جرّاء حملي لصندوق ثقيل قبل أيّام قليلة، الألم أشدّ من قدرتك على إحتماله عزيزي القارئ.
هناك في تلك اللحظات، و أنا بمفردي، و مسترخية رغم ألم ظهري، كنت أشعر أنّني على طبيعتي تماماً، رنّ هاتف والدتي الذي كان بجوارها، ذهبت مُسرعة رغم ألم ظهري الذي كان يزعجني بشدّة، نظرت إلى الهاتف رأيت زوجة شقيقي الكبير تتصل، أطفأت صوت الهاتف بسرعة ترتجف بها يدي حتّى لا تستيقظ والدتي من صوت هاتفها العالي جداً، إنزعجت، و غضبت كثيراً، و الدم يتدفق إلى أذنيّ عندما أغضب، و ذلك بسبب إتصال زوجة شقيقي الكبير الغير مبرر في أيّ وقتٍ هي تريده، غير مُبالية بالسؤال الذي يجب أن تسأل نفسها به:
"هل هذا وقت مناسب للإتصال؟".
توقف هاتف والدتي من الرنين، ليرّن هاتف شقيقتي التي كانت نائمة في حجرتها، إنزعجتُ مرّةً أخرى!، عدت إلى حجرتي مُقررة أن أتحدّث مع أبي مكالمة صوتية لأقول له:
"لا يمكننا العيش هكذا، و الكراهية الذي وضعه شقيقك الصغير في قلوبنا بعد الآن، أنا آسفة لأنّني وضعت لك رسالة صوتية في يوم العيد، و لم أتصل بك، و لكنّ الآن مهما كانت الأخطاء الذي إرتكبتها بحقك سابقاً إنسها، و إلا فسينتهي بي المطاف بإرتكاب المزيد منه فحسب".
أو لأقول له:
"لن أقول سامحني لأنّك لست الشخص الوحيد الذي أحتاج إلى مسامحته، السبب الآخر الذي يجعلني لن أقول لك ذلك هو أنّني لست غاضبة منك، كان عليك أن تقدّم تضحيات لا يمكن لأيّ أحد تصورها، أفهم ذلك الآن، كنت تحبّني بطريقتك، كنت تحميني بطريقتك أيضاً، و إذا لم تكن مستعدّاً لمسامحتي يمكنني أن أحترم ذلك، لكنّي أريدك أن تعرف أنّني بخير، حقاً أنا سعيدة، لقد عرفت حبّ -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- الكبير لي، و صداقة مع القليل من المغامرة مع -صديقي الحميمي- الذي تقول عنه إبنتك الرابعة، بغضّ النظر عن كلّ ذلك فأنت لم تؤذيني، سأكون بخير يا أبي صدّقني".
فجأة إستيقظت شقيقتي منزعجة من إتصال زوجة شقيقي الكبير المتكرر عليها، تحدّثت معها لحظات قليلة جداً حتّى خرجت من حجرتها بسرعة، و بخطوات متعثرة متجهة نحو حجرة والدتي، أيقظتها قائلة لها:
"أمّي، قومي أبوي سوا حادث!".
هل شعرت يوماً بذلك عزيزي القارئ؟، أن تكون متأكد للغاية من الشعور الذي يراودك نحو شخصٍ ما، هل تفهم عليّ الآن؟.
رأيت تفجّع شقيقتي، و والدتي بعد أن إستيقظت من النوم، و لكن أنا ظننت أنّ التفجّع ليس منطقياً، و أنّه حادثٍ بسيط لا يطرأ في البال قط، و عدت لأعدّ قائمة، و خطاباً طويلاً على ما أريد قوله لأبي بعد تعافيه من الحادث، لم أدرك أنّ هذا الحادث سيصبح من إحدى أهمّ المجريات في حياتنا، لأنّ دائماً ما تقع المجريات المهمّة في الحياة دون أن تستأذن منّنا، لم أدرك أنّ هذا الحادث سيصبح من أهمّ لحظات حياتنا، و أهمّ لحظات الحياة هي عندما ندرك أنّه لا مجال للتراجع، عندما ندرك أنّنا تجاوزنا حدّاً، و لا سبيل للعودة، كلّ شيء يكون على وشك أن يتغيّر، نصل إلى نقطة اللاعودة، و نتشبّث بالحاضر، كما لو أنّ بمقدورنا منع الكارثة.
بدأت والدتي، و شقيقتي بترتيب المنزل من أجل قدوم زائرات في عيد الفطر، و بعد أن وصلوا في منزلنا، و وزعت لهنّ شقيقتي الشاهي أتت والدتي تقنعني للخروج أمامهّن لأسلّم عليهنّ، إمتنعت عن ذلك بسبب عدم تحبّذي لهنّ، ذهبت والدتي خائبة الظنّ من عِنادي الغير جدوى منه، و بدأت أكمل بإعداد الخطاب، و القائمة معاً، و بدأوا عائلتي يعدّوا كِبدة للزائرات، قبل أن يتذوقوا لقمة من الكِبدة إتصلت زوجة شقيقي الكبير في هاتف شقيقتي مرّةً أخرى، و لكن هذه المرّة كانت تبكي بقوة، و لم تستطع التفوّه بأيّ كلمة لها بينما شقيقتي ضلّت تسأل سبب بكاء زوجة شقيقي الكبير مراراً، و تكراراً، ضلّت تبكي زوجة شقيقي الكبير أيضاً، و بعد ذلك قالت:
"والدكِ..".
و لم تستطع إكمال جملتها، و بكيت مرّةً أخرى، إرتعبت شقيقتي عندما تفوهت زوجة شقيقي الكبير كلمة "والدكِ"، ضلّت تسأل زوجة شقيقي الكبير، و هي تبكي بالذي حدث لأبي بلا ملل، و لا كلل، نطقت زوجة شقيقي الكبير بكلمات متقطعة وسط بكاءها القوي:
"والدكِ مات!".
تجمّد، و إرتباك، و نظرة فارغة، و فوق كلّ شيء شعور بالإنفصال عن الواقع، هذه هي عواقب الصدمة المفاجئة الذي طرأ عليّ، و لا أحسبني أنّني تفاجأت بسماع خبرٍ ما بهذا القدر من قبل، لم أشعر بوجود كلتا قدماي، فسقطت على الأرض فجأة، و بسبب سقوطي على الأرض لم أستطع الوقوف لأذهب بسرعة، و أرى هل أحدهم يمزح بنا مزحاً ثقيلاً أم هذا حقيقي؟، زحفت بيداي على الأرض بكلّ قوة أمتلكها، و عندما وصلت إلى المطبخ، إلى حيث تجمّع عائلتي، و الزائرات.
رأيت أنّ البعض قد بدأوا يتصرفوا بجُبن، يخشون إذا بدأوا يصدّقون فسيبكون، و قد لا يتمكّنوا من التوقف أبداً، -يصعب تخيّل ذلك أعلم بذلك لكن ستتوقفون- قلت لنفسي، و أنا أحاول أن أتحسس بوجود نبض في كلتا قدماي، و هؤلاء الأشخاص أسوء شيء ممكن أن يرتكبوه بحقّ أنفسهم أسفل إسم الوعي، هو أن يجبروا أنفسهم على التقبّل، التقبّل مهم أن تشعروا به، و لكن لستم مجبرين بذلك، لأنّ هكذا أنتم ستخدعون أنفسكم، و التقبّل عزيزي القارئ يأتي بشكل تلقائي بعدما تفرّغ كلّ شعور منخفض إتجاه الشيء الذي تأبى تقبّله، هناك إحتمال أنّ التفريغ يحتاج سنوات، و ليس يوم أو يومين، لكن أظنّ أنّ هذا شيء طبيعي.
و رأيت أنّ البعض لا يأبهون لتبعات الصدمة المفاجئة الذي أتى عليهم، و بدأوا الزائرات يتهمونهم بعدم تحمّل مسؤولية بعد سماع خبر الوفاة، رأيتهم متقبّلين الفاجعة الذي أرسل الله لهم، مقتنعين بالمقولة الذي يجب أن يؤمن به كلّ مؤمن:
"إذا رأيت الله يحبس عن أحدهم، و يكثر عليه الشدائد، فأعلم بأنّه عزيز عند ربّه".
كالصراصير يعيشون حتّى في أصعب التداعيات، قائلين في أنفسهم:
"حان الوقت أن نجمع شتات أنفسنا".
الأمر ليس أنّ لا يتحمّلوا مسؤولية بعد سماع خبر الوفاة، و كأنّنا لا نأبه بمن توّفى، كلّا نحن نأبه له كالآخرين تماماً، إنّنا فقط لا ندركها إلا بعد فوات الأوان، لا ندركها إلا بعد أن تكون قد حلّت بنا.
و رأيت آخرون يثورون ضدّ أنفسهم، لكن بلا كرامة أمام الزائرات، و أظنّ أنّ هؤلاء حزينون، و الحزن أمر لا يفهمه أحد مهما كان عُمره، و بوسعي أن أقول لك أمراً عزيزي القارئ، -أعرف معنى الحزن بشكل أفضل من أيّ شخص آخر، لا يمكنك تفاديه، عليك عبوره لتجاوزه- قلت لنفسي، و أنا أحاول الوقوف على قدماي.
و رأيت آخرون يسعون لتدمير كلّ شيء كيّ يتمكنّوا من عيش حياة من بعد رحيل أهمّ الأشخاص في حياتهم، مرتعبين من فكرة فقد أحدهم إلى الأبد، متسائلين أنفسهم بكلّ جنون، بكلّ صراخ أمام الزائرات، و الآخرين الذين أتوا، غير مباليين بأيّ شيء:
"هل من المروع أن أكره الله لأنّه سرق منّي شخص يخبرني بما كنت أحتاج إلى سماعه؟، هل حان الوقت للوثوق في شخص آخر؟، هل يجب عليّ أن أتقبّل رحيله، و أبدأ أعيش حياتي الجديدة في هذه الحياة اللعينة؟، كيف أخبر ميتاً بأنّه مات فهو لا يعلم أنّه ميت؟، أليس هذا أمر مؤلم للأحياء؟، لمَ الموت جزء من الحياة يا الله؟".
و هذا النوع من الأشخاص عزيزي القارئ دائماً من نواحِ كثيرة، أكثر الأشخاص هشاشة، و لكن ربمّا هذا صحيح بالنسبة لأولئك الذين يتألقون، غالباً ما يطيرون بالقرب من الضوء.
أمّا أنا، فلم أعرف ماذا يجب عليّ أن أقول، أنا فقط شعرت أنّني مُحبطة للغاية من فشلي هذه المرّة أيضاً، و لأنّني خذلت أشخاص آخرون، و الأهم من ذلك كلّه أنّني خذلت نفسي أيضاً، -لا أحتاج الآن إلى العودة كالسابق، قبل سماعي بالخبر الأسوء على الإطلاق- قلت لنفسي، و أنا أرى زائرتنا المرأة تمسح على كتف شقيقتي مواسياً لها، بينما شقيقتي تصارخ بأعلى صوت تمتلكه بكلّ توّهان.
إذا تحدّثت الآن عزيزي القارئ عن ما حدث في الحقيقة في ذلك اليوم فربمّا ستراني صادقة، و الزائرات شاهدات على ذلك، لأنّ ما حدث ذلك اليوم مرعبٌ جداً، أن تجد نفسك بعيداً في أحلك ظلام أعماقك لفترة طويلة، و تبدأ تعتاد على ذلك، حتّى عندما ترى مشاهد مُرعبة أمامك لا ترتعب، و لا تستغرب من عدم إرتعابك لأنّك كنت معتاداً على الغرق بينما بقيّة العالم كانوا يتحرّكون، و ما كتبته لك في السطور السابقة عن ما حدث ذلك اليوم، على الأقل هذا جزء بتّ تعرفه الآن بناءاً على كتابتي لك عزيزي القارئ، بينما هناك الكثير الذي قيل، و حدث في ذلك اليوم، و لم أكتب عنه بعد، و ما يُخفيني أنا أكثر من قلقك عليّ عزيزي القارئ، هو أنّني ربما لن أنجح، لن أستطيع أن أجد طريقي للعودة حيث كنت قبل سماعي بالخبر، فيصعب علينا نحن الأحياء أن نتخلّى عن الأشخاص الذين توّفوا حتّى لو لم نكن نحبّهم، أو التخلّي عن ذكرياتنا معهم لأنّنا نظن أنّها لحظات حزينة، لكن هي ليست كذلك، لكنّني عزمت على أن أتمسّك بألمي حينما سمعت بالخبر، لأنّني أريد أن أشعر بالحبّ، أريد أن أتألم على الذين أفتقدهم، و أريد أن أشعر بذلك لأنّني أصبحت أحبّهم، و لن أقايض ذلك الحبّ بأيّ شيء، حتّى الألم.
أصبح لكلّ منّا تعبه الذي لا يفصح عنه، رغم ذلك إتّكل واحدنا على الآخر بعد أن إستطعت الوقوف على قدماي، هذا هو دور الإخوة أليس كذلك؟، لن أكذب عليك عزيزي القارئ، حاول معي بعض أصدقائي التواصل معي ليواسونَني، قائلاً لي أحدهم:
"أحياناً الذكريات المُرّة تصبح حلوة المرار عندما تشاركها مع صديق، و ما أقصده من كلامي هو أنّي عشت في بيت تملئه العائلة، لكنّي أعرف إحساس الوحدة".
لم أعر له أيّ إهتمام متسائلة نفسي:
"لمَ الكذب؟، فلا أحد يستطيع تخفيف عبء أحد عندما يواجه الموت".
حاول معي لاحقاً صديقي الآخر، راسل لي قائلاً:
"من الصعب خسرانه أعلم، و لكنّ الحال سيتحسّن صدقيني".
ضحكت ساخراً ممّا رسله لي، أيّ يتحسّن، و أنت فقدت شخص كان يؤمن بك، فقدت الوحيد الذي رأى مَن كنت، جميع أغراضك، و عيوبك، هو لم يتقبّله، و حسب بل أحَبّه، و ليس من السهل العثور على شخص هكذا في العالم، أقصد ما الذي من المفترض أن تفعله حينما تحظى بنصرٍ كبير أو خسارة، و الشخص الوحيد الذي تريد أن تركض له، و تخبره غير موجود؟، ماذا يفترض بك فعله؟، حينها هل تريد أن تقول أيضاً الحال سيتحّسن؟.
هرعت بسرعة لأخبر الذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- عن الخبر الذي سمعناه جميعنا لكن فاجأني رسائل صوتية من صديقي الأخر أيضاً، قائلاً:
"أنا أقول أنّكِ يجب أن تعرفِ أفضل من أيّ شخصٍ آخر، بعض الأمور السيئة تحدث بدون أن تتوقعها، تجعلكِ تحيين حياة مختلفة تماماً عن الذي إعتدتِ عيشه سابقاً".
يُحزنني عزيزي القارئ أنّ الذي قال لي ذلك لم يفقد أيّ شخص في حياته، لم يبكي على جثّة أكثر شخص أحَبّه في العالم، لا يعرف كم يدّمر قوله:
“أنا أشعر بمّا تمرّه”.
و هو لم يحاول العودة إلى شخصيّته القديمة قبل أن يفقد أحدهم في حياته، و الذي يُحزنني أكثر رغم مواساة الجميع الذي رأيته اليوم، و الذي لا جدوى منه، أنّني لم أنسجم مع حياة لن يكون أبي موجوداً بها.
بعد مرور عدّة ساعات على وفاة أبي:
هلّت الهواتف جميعها بالإتصال بنا من قبل الذين سمعوا بوفاة أبي، و الذي يجب عليّ الآن أن أكمل الجملة قائلة: رحمه الله، يعّزونا هاتفياً سائلين الله جميعهم أن يتغمّد فقيدنا بواسع رحمته، و مغفرته، و يسكنه فسيح جناته، و أن يلهمنا الله الصبر، و السلوان.
الشيء الجيّد في المواقف السيئة عزيزي القارئ، كالموت مثلاً، هو أنّها لا تحدث في الحياة إلا مرّةً واحدة، لكن حدوث كلّ هذه الأمور مرّةً واحدة فقط لا يخفف من ألمها، بل يجعلك تتحول إلى شخصٍ آخر، و ما حدث لي، أنّني نضجت كما ينضج الطفل، و يصبح مراهقاً، و تحولت لشخص لا يصدّق الكلمات الجميلة التي يُقال عنه، لا أتحدّث مع أيّ أحد عن أوجاعي، و أحزاني كالغريب الذي يمرّ بجانبك عندما تتجول في الشارع، لا أتعلّق بأحد كما أنّني خائفة من ظلّي الظاهر على جدار حجرتي، أتوقع أيّ فعل من أيّ شخص في حياتي الآن، فالذي كان يحذرّني سابقاً لم يعد موجوداً، أستقبل الصدمات، و التعثرات بهدوء تام، أحكم عقلي على إتخاذ قراراتي دون النظر لرغبة قلبي، و مشاعري، لم يعد لديّ الرغبة في إحداث أيّ ضجة الآن، و لا لفت إنتباه أحدهم كما كنت أفعل سابقاً، أصبحت أودّع الأشياء، و الأحداث، و النّاس بصمت، أحسم الأمور بخفية بدءاً بداخلي، تركت كلّ شيء للوقت، و القدَر، إنّهم أعلم بالأمور أكثر منّي، و منك عزيزي القارئ.
كان الإفراط في التفكير سبباً لحزني، و الآن أصبح سبباً لحزني دائماً، أصبحت شخص إجتماعي لبعض الوقت، و بعدها أعود لعزلتي، أصبحت أقع بالأشياء وقوعاً عميقاً، لم أعد أعرف الوسطية، و أصبح هذا سبب مأساتي الجديدة، إنّني، و أخيراً إخترت الإنسياب مع التيّار كيفما كان، بعد أن أهدرت كلّ طاقتي في مقاومته، أليس ما حدث لي مفاجئاً عزيزي القارئ؟، ربما جعلك تتساءل بالفعل كما تساءل نيكوس كازانتزاكيس:
"كيف يكون الإنسان مليئاً بالأحلام، و فجأة يصبح مقبرة؟، أين ذهب كلّ شيء؟".
أدركت حقيقة مما جعلني أنضج أكثر، و الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعنا لننضج أكثر، أنّه ليس من الضروري أن يتصلّ أصدقاؤنا كلّ يوم كي لا نكون وحيدين، أنّه ليس هناك ما يُخجل في أن نتناول طعامنا وحيدين، أنّه عادي جداً أن نقوم بنشر بعض تفاصيلنا اليومية، و لا نلاقي إهتماماً حتّى من أعزّ الناس لقلوبنا، أنّ السقوط في الطريق ليس فيه ما يُعيب، أنّ الذين أفلتوا أيادينا يوماً ما لم يكونوا بالسحر الذي ظنّناه، و أنّهم باهتون جداً.
سننضج عندما نكفّ عن رثاء أنفسنا، و عندما نكفّ عن التباكي، و عن إخبار أنفسنا كم هم سيئون، و نحن رائعون.
في الليلة الأولى بعد وفاة أبي:
لم أنم، لم أستطع أن أفعل شيئاً، حتّى البكاء إستصعبته عزيزي القارئ، و لم أبكي، كلّ ما كنت أفعله هو التحديق المستمر إلى سقف حجرتي، كانت تلك اللحظة كالشعور الخامل لكنّه بداخلي كالبركان.
في الليل، و قبل أن ننام عرفنا الحقيقة جميعها، و الحقيقة أنّ أبي قُتل غير عمداً، و لم يمت، و القاتل ثمِل غير واعي تماماً، و أثناء حدوث الحادث جميعهم أصيبوا بجروح خطيرة، لحظات متوسطة ربمّا ثمّ تمّ نقلهم جميعاً إلى أقرب مستشفى واقعة في تلك المنطقة، وصلوا جميعهم إلى المستشفى إستلمهم أطباء الطوارئ المتوفرين أثناء ذلك الوقت، إستلم طبيبٌ ما الثمِل الذي تسبّب بالحادث الذي أصيب بجروح خفيفة، و روّض جروحه ثمّ تمّ تصريفه لاحقاً، و طبيبٌ آخر وصل ليستلم زوجة أبي الذي توفيت بعد حدوث الحادث مباشرة، و طبيبة أخرى إستلمت أبي المُصاب بالإصابات المتعددة الذي توفّى بعد مرور ساعتين من وصوله.
ألم تسمع قط بنظرية الصرصور عزيزي القارئ؟، تعلم أنّ المستشفى مليء بأشخاص صالحين، مرضى يحتضرون، المُصابين بإصابات خطيرة بسبب حادث مروري قد تؤدي الإصابات إلى الوفاة، صحيح؟، ثمّ هناك الذين يأتون غير مكترثين بالحياة، الثملون، المجرمون، المختلّون إجتماعياً، سمّ ما شئت، بشكلٍ ما يرحلون دوماً سالمين، كما رحل المُتسبب في الحادث.
لا أعرف من المُتسبب الحقيقي في وفاتهم جميعاً، الثمل الذي تسبّب في الحادث، أم سيارة الإسعاف التي وصلت متأخراً كما سمعت، أم الأطباء المقيمون الذين إستلمهم، و ليس المختصون، لكنّني أعرف من رؤيتي الكثيرين في حالة فظيعة، أنّنا أحياناً نبحث عمّن نلومه عن شخص نغضب عليه، لأنّ بدون ذلك سنواجه الخسارة فحسب.
لا أعلم إن كان لديك خلفية عزيزي القارئ أم لا، لكنّ الدقيقة في عالم الأطباء تعني الفرق بين الحياة، و الموت، و أرى أنّ الطبيب الذي يعمل في مجال إنقاذ النّاس أيضاً مسؤول عن ما يحدث، لأنّ شقيقي الكبير لم يسمع خبر وفاة أبي من أيّ طبيب بل من مسؤول عن تأمين سيارة أبي!، كيف ذلك!، ألا يوجد أيّ جدية في الأمر؟، لذلك هناك ما أودّ قوله للطبيب المقيم الذي يترّدد في إخبار عائلة المتوفي بوفاة فرد من عائلتهم:
عزيزي الطبيب المقيم:
"عندما تدخل حجرة لإخبار شخصً ما أنّ أحد أفراد عائلته قد مات، فإنّ هذا الأمر يتعدّى بعض خطوات قد حفظتها في كلّية الطب، فوجهك هو الوجه الذي سيتذكّره لبقية حياته، فقد كنّا على ما يُرام قبل مقابلتك، لقد إستيقظنا من النوم لنعدّ الفطور الصباحي في ثالث يوم عيد الفطر، ثمّ جاءنا إتصال، الشرطة أتت إلى منزلنا، و أحضرنا إلى المستشفى في حجرةٍ ما، حتّى يمكنك إخبارنا بأسوء خبر في حياتنا على الإطلاق.
أنت تغيّر حياة شخص إلى الأبد، أنت مسؤول عن تلك اللحظة، اللحظة التي تتحول فيها المرأة من زوجة إلى أرملة، أو الطفل إلى يتيم هو أنت، مسؤوليتك وحدك، لذا الشخص المتلّقي بالخبر الأسوء على الإطلاق لا يجب أن يشكّل لك إزعاجاً، و ليس صندوق تملئه بقائمة من الخطوات، أنت جزء من حياته الآن، كلماتك، و وجهك، و صوتك، لذا خذ الأمر بجدّية، و تعرّف على أهمية دورك، و إحترم حقيقة أنّ ألم الشخص المتلّقي بأسوء خبر على الإطلاق هو أكبر ما في الحجرة".
لا أعرف كيف مضت اللية الأولى، على أيّ حال، في اليوم التالي أعلّنا العزاء للنساء لمدة ثلاث أيام، و الحداد مدة أربعين يوماً، أقيم صلاة الجنازة على أبي بعد صلاة العصر، و تمّ دفنه في ذلك اليوم أيضاً، تيقنت من شيءٍ واحد فقط بعد أن دُفن أبي، أنّ الوقت ثمين جداً، ثق بذلك عزيزي القارئ.
إتصل شقيقي الكبير ليخبر والدتي بدفن أبي، و أنا أسمعه يقول ذلك قلت لنفسي:
“أنا آسفة يا أبي، و لا أعلم كم مرّة عليّ قول ذلك قبل أن تصدّقني، أعرف أنّ المكان الذي أرسلتني إليه ليس سجني الحقيقي، سجني الحقيقي كانت حاجتي إلى قولي تلك الكلمات لك، لكنّني لم أستطع، فقد كان لديّ الكثير من الأشياء تمنيت أن أقول لك، أشياء كان عليّ إخبارك به منذ وقتٍ طويل”.
جميعنا لدينا أمور نودّ إخبار والدَينا، و دعني أخبرك عزيزي القارئ أمراً بدور الوالدين، إنّه أشبه بحقل ألغام، لكنّهم لا يسيروا بل أنت، تقف هناك متفرجاً، و حسب، و تقول لهم أين يطؤون، متأمّلاً تفادي كارثة، و غالباً ما لا يكون لديك سوى تخمين، و بحسب تجربة الذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- فإنّنا نشفى بشكل أفضل من الأشياء التي تحصل لنا من الأشياء التي نفعلها بالآخرين، قلت له:
"ما معنى ذلك؟".
ليجيب عليّ:
"كانت والدتي تسمّي ذلك: التصالح مع الله، لا داعي لتخبريني شيئاً لا تودّين قوله، لكن ذلك لا يعني أنّني لا أستطيع تقديم إقتراح".
في اليوم الثالث بعد وفاة أبي:
أتت شقيقتي فجأة لتلومني على وفاة أبي، و كأنَني أنا كنت السبب في وفاته، لا تقل لي عزيزي القارئ أنّها قالت هكذا لأنّها كانت تحت الضغط المستمر طيلة اليومين الفائتة، لا ليس كذلك، فلطالما شعرت بأنّني دخيل في هذه العائلة، أتفهم عزيزي القارئ؟، و كأنّني يجب عليّ أن أعتذر عن وفاة أبي من الحادث، كأنّ العائلة تريد إبنة من نوع مختلف، الجميع يريدون -سارا- مختلفة، الجميع.
لا يحبّونَني كما أنا، لقد سئمت من ذلك، لا يأخذوني على محمل الجدّ، يقولون دائماً إنّني أفعل ما أريد، و أحصل على أيّ شيء أريده، و أنّني لا أحتاج إلى مساعدة أحد، لقد سئمت من ذلك حقاً، أعلم يصعب عليك عزيزي القارئ أن تصدّق ما قالته لي شقيقتي، لكنّني سأنصحك بتناول البوظة، و أنت تقرأ كلماتي هذه، فإنّه الشيء الوحيد في العالم الذي يُعدّ بالشكل الصحيح.
مرّت ثلاث أيام بلمح البصر، مرّت سريعاً لدرجة أنّه أنسّاني الشيء الملهم، و الوحيد الذي يجب عليّ القيام به.
في الأسبوع الأول من وفاة أبي:
هلّ عليّ ذكريات عديدة بلا توقف، فهل يجب عليّ أن أدّون عن ما تذكّرته في التاسع من كانون الثاني من العام الماضي، حينما سألته:
"كيف تحبّ أن يتذكّرك النّاس؟".
أجاب عليّ قائلاً:
"لا يهمّوني النّاس، يهمّوني فتياتي، و أبنائي، لا أدري أظنّ … أودّهم أن يقولوا أنّهم أحسّوا بمشاعر معي، ليس أيّ مشاعر حتّى لكن ما أقصده هو مشاعر حقيقية، ربما صداقة على سبيل المثال، فهو العلاقة الوحيدة الذي يمسك يدكِ من وقتٍ لآخر، ليتسنّى لكِ رؤية الضوء في أغرب الأماكن إن نظرتِ إليه جيداً، لدرجة أنّه يعلّمكِ أن تعرفِ ماهيّة عيش حياتكِ لأجل شخص قد رحل، يعلّمكِ ذلك بشكل جيّد جداً، و يخبركِ أنّ عليك الإستمرار بالعيش، فلا يمكن للمرء فعل أيّ شيء، و هو متمسّك بقبر شخصٍ ما".
أم هل يجب عليّ أن أدّون عن ما تذكّرته عندما قررنا أن نذهب إلى رحلة برّية بسيطة وسط شوارع الزايدي في مدينة مكة، في التاسع من تموز قبل عامين، عندما كان يقصص لنا عن تصرفات العاملين المُريبة في المطعم أثناء رؤيتهم الفئران ليلاً، لدرجة أنّنا بدأنا نضحك كثيراً، و نحن نناظر في بعضنا البعض، ضحكنا رغم كلّ شيء مررناه طيلة التسع سنوات، و واصلنا الضحك حتّى دمع عيوننا جميعاً.
في الأسبوع الثاني من وفاة أبي:
بدأت أشعر بالتعب، شعرت أنّه ليس تعباً فحسب، ثمّة شيء تحطّم في الداخل، و في الخارج أيضاً، لكن ما في الخارج أشياء يمكن ترميمها، أمّا الروح فمّن يرمّم كلّ هذه التصدعات التي فيها؟.
كلّ شيء بات مرهقاً للغاية، صمت شقيقي الصغير لا يطاق، و كلام شقيقتي التائه أشدّ ثقلاً، ثمّة تعب لا تسعه الكلمات، ثمّة تنهيدة تحت كلّ كلمة تقولها والدتي، ثمّة حزن في عين الذي -كانت ستكون سنة قاسية، لولا وجوده- عندما يتصل بنا، ثمّة ألم في قلب كلّ مَن بكى معنا، و الإبتسامات المُزيفة الظاهرة على النساء اللاتي حضرن في العزاء لم تعد كافية لإخفاء ذلك، و بالرغم من هذا، لم يلاحظ أحد التعب الظاهر عليّ، و لستُ أدري هل أفرح لهذا أم أحزن؟، هل يجب أن يكون المرء سعيداً عندما لا يلاحظ أحد إنهزامه؟، ماذا لو أُعجب الآخرون بقوته، و حاولوا إختبارها في حين أنّه لا يقوى على شيء؟، لستُ أدري لماذا أشعر دائماً بضرورة إخفاء هزائمي؟، ربمّا أخاف أن أتلّقى هزيمة أخرى، ربّما أخاف أن يعتبرها أحدهم ضعفاً، ربمّا لأنّ لا أحد سيفهم هزائم أحد، ربمّا قد يحتفل معك أحدهم عند إنتصارك، لكنّك حين تُهزم ستبكي وحدك، لكنّني لست مُنهزمة، و لا أمر بلحظة ضعف، ربمّا أنّ ما يُتعبني حقاً هو رغبتي في أن أكون سعيداً، تلك الرغبة في أن أكون سعيداً، تلك الرغبة التي لا تكاد تتحقق حتّى تتلاشى، تتعبني بشكلٍ ما، يُتعبني أنّها تزرع فيّ القليل من الأمل، ثمّ تنزعه فجأة من أعماق روحي.
قد لا تكون هذا تعباً، أعني التعب أيضاً شعور، و أنا لم أعد أشعر بشيء، لستُ حزينة، كما أنّني لست سعيدة، لم أشعر بالدهشة منذ وقتٍ طويل، و خيبة الأمل كذلك لم أعد أشعر بها، كلّ شيء بات مُملاً، و باهتاً، و عادّياً للغاية، قد يكون هذا مجرّد تعب، و كلّ ما يجب عليّ فعله هو البكاء، لكن كيف أبكي أنا الذي جفّ دموعي؟، أنا لا أجيد البكاء يا الله، إنّني أحمل حزني معي طوال الوقت، كلّ شيء يُتعبني يبقى هنا في صدري، ثمّة الكثير من الآلام المُتعّفنة هنا، و إنّني بكلّ قوتي عاجزة عن إخراجها، و لو بدمعة، و لو بكلمة، -أنا لا أستسلم يا الله، لكن هذا ليس تعباً فحسب- قلت لنفسي، و أنا كارهة الشفقة المُزيفة الظاهرة على النساء الأتيات في منزلنا من أجل العزاء حتّى في الأسبوع الثاني بعد وفاة أبي.
في الأسبوع الثالث بعد وفاة أبي:
بدأ يأتيني حنين دائمٌ إليه، الضياع في تزاحم المشاعر، و الأفكار، الجمود، و الركود الذي يسري في أطرافي، و أعماقي، هل ترى عزيزي القارئ هذا الضباب الذي يغلّف الحياة؟، هل تشعر بمدى هشاشة الكلمة عندما تقول أنّك بخير؟، و مدى ضجيج الصمت عندما تلجأ إليه؟، إلى أيّ حد تمتد هذه اللاجدوى؟.
لست مضطربة، و لا أعاني من مشاكل عاطفية، و نفسية، ربمّا قليلاً، لكنّني أسيطر عليها، هذا ما أخبرني به -صديقي الحميمي- بعدما كذّبت عليه لمدة ثلاث دقائق، و هو يسألني:
"كيف حالك؟".
لا أعلم لمَ كذّبت عليه، ربمّا لأنّه لا يفهمني عندما أخبره بالحقيقة، كما يحدث معك الآن عزيزي القارئ، أعلم أنّك تعتقد ذلك أيضاً، و صدّقني لا ألومك، أحياناً أنا أيضاً لا أفهمني، إنّني أشعر بالكثير من اللاشيء، و أشعر بالضياع أيضاً، و أعتقد أنّني لست في المكان الصحيح، و تملأ الفوضى حياتي، بالرغم من أنّني أرتب كلّ شيء بدقة كبيرة، و لا أفهم لماذا لا تجدي محاولاتي نفعاً، و يتعبني ما لا أعرفه، و يلازم تفكيري ما أتجنبّه، و كلّ ذلك يحدث، و أنا بخير، و سعيدة للغاية، أضحك بإستمرار، و أحزن بشكل منتظم، و أتناول جرعات الأمل اللازمة، و أكافح كثيراً، و أفعل كلّ ما يتطلبه الأمر دائماً.
في الشهر الثاني بعد وفاة أبي:
بدأت أكتب عن أبي، بدأت أصف أبي وصفاً دقيقاً، و عميقاً جداً، و بدأت كتابتي عنه بما كان يتمنّاه في حياته.
فتمنّى أبي أن يجد في حياته شخص ليّن، لا يقسوا في العتاب، لا يطيق الخصام، لا يُسيء الظنّ به، لا يستبدله سريعاً أو يمّل من أحاديثه اليومية المتكررة، يداعبه بالكلمات الجميلة بين كلماته العادّية، يهتمّ بأدق تفاصيله، يعرف الفرق بين ضحكته الكاذبة، و المُزيّفة، يتباهى بإنجازاته مهما كانت بسيطة، يدعمه، و هو يركض نحو أحلامه، يشدّ بيده قبل أن يغرق في الوحل.
حين يشعر بالحزن يفعل المستحيل لإسعاده، شخص يفهمه حين يتلعثم من قسوة الحزن، يسمح له بالإنهيار، و البكاء أمامه دون خجل أو حرج، يطمئنّه، و يحتويه في أشدّ لحظات وحدته، و حزنه، تمنّى أن يتعثّر بشخص يدافع عنه دائماً أمام الجميع، يحارب لأجله، لا يستسلم بسهولة، لا يتنازل عنه، لا يقبل أن يقضي مأساته وحده، تمنّى أن يقع في غرامه شخص يحبّه، و يتقبّله بكلّ ما فيه من مساوئ، و عيوب، لا يراه حمل أو عبء عليه مهما إشتدّت الحياة عليه.
و تمنيت أنا بدوري أن أجد إثنين من النّاس ينموان معاً، جنباً إلى جنب، و كلّ منهما يجلب الفرح للآخر، بدون أن يكون على أحدهما أن يسحق لكي يبقى الآخر قوياً، لكن لحظة إعتقادي أنّني وجدت كلّ الأجوبة تغيّرت الأسئلة، فخسرته في الوقت الذي قررت فيه الإعتراف بوجوده للمرّة الأولى.
عندما شعرنا في حياتنا بوجود شيء غير صحيح، هذا الشيء أصبح يرمي به الفشل في وجوهنا، لكنّ الفشل الحقيقي هو ما يحددّ معالم الرجل -معالم أبي-.
أعلم أنّه لم يكن مناسباً لأبويته، لكنّه على الأقل كان أباً، فلقد تعلّمت سابقاً أنّ الأب هو مجرّد كلمة، إنّه دور يمكن لعبه بسهولة، و هو إمتياز الذي يمكن سلبه أيضاً.
أعتقد أنّني إعتدت على الحصول على صورة واضحة جداً في رأسي لما تشبهه العائلة، و لكن الآن يجب أن أقول أنّ هذا كلّه قد تغيّر.
اليوم بعد وفاة أبي:
كان أبي، و والدتي يؤمنون بآبائهم، و أسلافهم، و عهدوا أنّهم سيموتوا على ذلك، أمّا أنا فكنت أنافس الكل في كلّ شيء إلا الإيمان، تربّيت على إصابة الهدف بشكل دقيق، و الدفاع عن نفسي، و عن ما أحبّ بشراسة إلا الإيمان، نشأت تحت الأسقف الذي ينزل منه قطرات الماء، و ترعرعت في أحضان الحواسيب الآلية، تعلّمت المسؤولية في سنّ مبكّرة من طفولتي، و كنت الأذكى في مادة العلوم، و الأشجع على مستوى الأصدقاء، و الأحبّ على مستوى المعلّمات، تعلّمت إجادة الحياة حتّى، إلا الإيمان!.
لم تكن عائلتي عائلة مثالية كما حلمت بها، كانت عادّية، لكنّنا كنّا عائلة، و كنّا أنا، و الحياة على وفاق تام حين كنت أتعامل معها بعقلي فقط، و بقليل من الحبّ ما يكفي لإحتواء عائلتي، و نفسي.
كان لدّي الكثير من الصفات الرائعة، و السيئة أيضاً، و ما زالت لدّي، لكنّني بعد ما واجهت الحياة، و عرفتها حقاً، و أحببت مَن ليس لي، و بدأت أتجنّب المعارك، و أحاول عدم الفهم، و أغضب بلا مبرّر، و أتوه بلا سبب، و أهتدي بلا مُرشد، و أتحدّث بلا جدوى، و أحبّ الصمت، و أنزعج منه أيضاً، و أختار المغادرة دائماً، إخترت إيمان أبي، و والدتي، أعلم أنّي لست مثل أبي، و والدتي لكنّني إخترت الإيمان، و بالنهاية إتضّح أنّ الإثبات سهل أمّا الإيمان فهو العمل الصعب.
ماذا عنك عزيزي القارئ ألم تتساءل:
"لمَ يمكن للطفل أن يتشافى ببساطة إذا كان مريضاً، أو يهدأ بعد نوبة بكاءه الطويلة عبر إحتكاك بشرته ببشرة أمّه فقط؟".
ثمّة أمور كثيرة غامضة في هذا العالم لا يمكن تفسيرها بالعِلم، أليس كذلك؟، و ما أقصده من كلامي أنّني أعلم أنّ لدينا جميعنا أمور نؤمن بها، الجنّة مثلاً، الحياة بعد الموت، التقمّص كلّ ما يؤمن به أحد، ربمّا سيبدوا لك جنونياً عزيزي القارئ لكنّني كثيراً ما أصبحت أتحدّث مع أبي أكثر ممّا أتحدّث مع أيّ كائن حي، لا أعلم إن كان يشاهدني، أو يسمعني لكنّني بتّ أتحدّث معه عن كلّ شيء، نفعل الكثير من الأمور لأجل الحبّ، أليس كذلك؟.
فهل يجب علينا أن نعتقد أنّه لأمر سخيف أن نتحدّث مع الذي رحل إلى الأبد حتّى لا يحيط بنا باقي الأرواح؟، بل يحب علينا أن نشعر بخوف أكبر بالتفكير أنّنا لسنا مُحاطين بهم، فكلّ ما نحتاج إلى معرفته لنكون شخصاً يحبّه الآخرين يمكننا تعلّمه، بإستثناء ما نمتلكه بالفطرة.

تعليقات
إرسال تعليق