ملامح البدايات التي تلمح لشيء

 


بعد أن غيّرت موطني لبلدٍ غريب للمرّة الأولى أراه في حياتي، كانت هذه هي المرّة الأولى التي رأيتهم أيضاً بعيني لا بقلبي، إنخذلت من عاديّتهم الرديئة التي رأيتها لأول مرّة، عادّيين للحدّ أنّني لم أستطع أتعرّف عليهم من قبل.
فوالدتي أصبحت تظن أنّني لا أتأثر كبقيّة إخوتي، و أنّني الأقسى قلباً بينهم، و أقلّهم إحساساً، و كلتا أبناءها أصبحوا يتنافسوا بين بعضهم البعض بإلقاء إتهامات أكبر منّي، و منك عزيزي القارئ، و الحقيقة أنّني معصومة.
كنت أريد أن أكون كتومة فحسب، لم أريد أن أكشف عورة حزني لأحد.
نعم الآن، و بعد فوات الأوان، و أنا أدوّن ما حدث في يومٍ ما من الأيام الماضية، أتمنّى أن أكون تحدّثت بالفعل، و لم أصمت، فكلّما خرس الإنسان في مواقف كان يجب عليه أن يتفوّه تعفّن في صمته أكثر، و تمزّق بين الألم، و الرغبة، أليس كذلك؟.
منذ أن غيّرت موطني، و طيلة تلك اليومين الماضيين، و تلك الليلة تحديداً أتذكرّها جيداً عزيزي القارئ، و أثناء تناولي طعام العشاء في المطبخ إحتجزت دموعي، إنتهيت من تناول الطعام، و ذهبوا الآخرين لإقتناء أثاث في حجرة الجلوس.
كنت على إعتقاد تام بأنّني عندما أحتجز دموعي فإنّني أستطيع أن ألفتها، و أبكي في وقتٍ آخر، لم أكن أعلم أنّني عندما أبكي للشيء الذي تسببّ في بكائي فحسب فسأبكي على كلّ الأشياء التي لم أبكي عليها من قبل في وقتها.
أخيراً تمكنت أن أرى الرداءة على حقيقتها، و القفص الذي كنت بداخله، و عندما أمكنني رؤية كلّ ذلك شعرت بحرارة تكاد تخنقني، حينها بدأت أدّون ما كان يجب تدوينه، و أنا أدّون تساقط دموعي كالمطر الغزير، لقد كنت ضعيفة للغاية عزيزي القارئ، كنت أبكي بعمق الذي يودّ أن أخرج إنساناً أحبّه من قلبي بدموعي، و إنهياره.
-و أن تبكي، هذه هي الطريقة الوحيدة لتخبر ربّك أنّك عاجز- قلت لنفسي.
تساءلت أسئلة لم أعرف لها أجوبة، مثلاً:

"كيف للإنسان أن يكون شخصيّة إزدواجية، عاطفي لدرجة البكاء، و عقلاني لدرجة أنّه يسخر من ذلك البكاء لاحقاً؟، كيف له أن يزعج نفسه بنفسه، و يتجزء إلى نصفين؟".
"لماذا لا شيء يحدث كما نتمنّى؟، إلى أيّ مدى من العمر يجب علينا أن نقاوم بلا توقف؟، متى نستطيع العيش مع أمل حقيقي غير مزيف؟".

بعد التدوين تمكنت من رؤية أشياء أخرى، كرؤية باب عزيزي القارئ، كمَخرج، كوسيلة لأحلّق بها بعيداً حتّى لو لم أستطيع التحليق في الحقيقة!، فكنت محظوظة جداً لرؤية أشياء أخرى، إذ أنّني حظيت بصديق أطلقت عليه -صديق بنفسجي يحبّ اللون الأبيض- أشبه بعائلة مثالية، و ليس كأيّ عائلة، بل أشبه بصديق مقرّب حتّى، و ليس أيّ صديق حظيت به من قبل، بل أشبه بسند، و قريب، و رفيق!.
كنت أعيش ما لا أستحقّه سابقاً، و هأنذا وجدت مَن أستحقّه، كتعويض إلهي كوني، أليس هذا بأمرٍ رائع عزيزي القارئ؟.
فلقائي به أطلق في نفسي توقاً لم أكن أتخيّل أبداً أنّه من الممكن أن أشعر به، فحبّي الأبدي للوحدة، و تحبّذي بالإنفراد إهتزّ بطريقةٍ ما بعد لقائي به، لقائي به غيّر نظرتي السابقة حيال -صديقي الإستثنائي السابق- و جعلني أؤمن أنّ هناك مَن يبقى صديقي حتّى إن لم أجب على رسائله، أو تجاهلته لأنّني كنت بمزاج سيء!، أنّ هناك مَن يبقى حتّى، و إن لم أخبره بما يحزنني!.
أعترف بأنّ لديّ جانب سيء منّي للحدّ أنّ عندما أعيش فترة صعبة يجعلني أتغيّر حتّى على أعز أصدقائي، و يجعلني أخرج من حياة شخصٍ ما، و أعود إليه بعد مضي فترة، أغيّر مكانتي بقلب شخصٍ ما بنفسي، و أجعله يكرهني لحدّ الندم، و رغم كلّ ذلك وجدت صديق متمسّك بي بشدّة، و لا يريد أن يلفتني.
فمعه أصبحت أبحث عن سرور خاص من نوعه، بدأت أشعر بأنّ يجب عليّ أن أتأمّل القمر، و النجوم، و أتحدّث معهم أيضاً، و ألتقط لهم صورة، و كأنّي أتحدّث معه، تمنّيت حقاً أن يشعروا بما شعرت به أولئك الذين لا يعرفون ما معنى أن تحبّ صديقك كمَن هو عائلة، حتّى يفهموا على ما أقوله، و أدّونه لك الآن عزيزي القارئ، معه وثقت أنّي لن أصاب منه بخيبة الصداقات، أو مُجاملة ذوى القُربى، أو أحتاج معه لشرح الظروف، أو ترتيب الحروف، لأنّه أحبّني أكثر من حبّي لنفسي!، معه عندما كلانا نكون تعيسيَن، رغم إنفرادنا مع أنفسنا لكن لا أحد منّا كان يريد المغادرة، هكذا كنّا نواصل تحطيم بعضنا، و الغريب أنّنا نسميه حبّاً، معه غفرت للعائلة الغير مثاليّة الذي حظيت بهم، رغم أنّهم لم يقرروا أن يستمعوا إليّ حتّى الآن، و أخشى عزيزي القارئ أن أفقد رغبتي الملّحة في الحديث، لأنّهم لم يستطيعوا أن يحبّوني بالطريقة التي كنت أحتاجها، معه فهمت أنّ الصداقة ليست شي كبير، بل هي ملايين الأشياء الصغيرة، مثل أن نتشارك أموراً بلا معنى، و ألا نشعر بالوحدة، معه شعرت بالوقت، و أحببته حينما نكون معاً، أحببت هذه البهجة المعلّقة على وجهي حينما نكون معاً، أحببت خفة روحي، و إبتساماتي التي لا تتوقف حينما نكون معاً، معه جعلني أحبّ كلّ ما بيننا، كلّ ما بتّ أعيش معه، أحببت أن يكون متواجداً في أيّامي بكثرة، رغم المسافة التي بيننا أتفّهم أنّه الأقرب لي، و ليس غيره، معه أحببت السهر ليلاً لأنّ أغلب أحاديثنا إعترافات، و أشياء لم نقُلها لأحدٍ قط.
وجوده كان خفيفاً، لطيفاً، كما هو الإستلقاء على السرير بعد يومٌ طويل، و متعبٌ جداً، كما هو الترّوي بماءٍ بارد بعد الركض لمئات مسافة الكيلومترات.
جلّ ما أعنيه لك عزيزي القارئ أنّني أحببته لحدّ التراجع عن ما كنت مؤمنة به سابقاً أنّ:

"قد يأتي يوم حتّى أعز أصدقاءك لا يستحق إنهمارك عليه".

و الآن جعلني أؤمن أنّني لا أريد أن أتشاءم، و أصدّق هذا الهراء!.
نعم نحن بشر، سنخطأ مراراً، و تكراراً ثم سنتعلّم ثم سنسامح، أليس كذلك؟، و هكذا نمضي معاً في هذه الحياة، يجب علينا ألا نجعل نظرتنا للصداقة محصورة حول مَن يستحق، و مَن لا.
و دائماً ما كان هذا الحبّ هو الذي يضفي لكلّ شيء شيئاً من الخفّة أمام صلابة هذه الحياة الذي صادفته.
و تلك الحبّ المخزّن لصديقي كانت هي الباب الذي رأيته بعد التدوين جرّاء تمكنّي من رؤية أشياء أخرى.


بعد ذلك شيئاً فشيئاً بدأت أشعر أنّ ثمّة خطبٍ ما، فليس من عادتي أن أنام مبكراً جداً دون أن أتحدّث مع -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- الذي تعرّفت عليه في وسط الفوضى الذي بتّ أعيشه، و نسهر معاً على أحد مواقع التواصل الإجتماعي!.
-هذه ليس أنا- قلت لنفسي، و ذلك لأنّني أصبحت أعيش لحظات العمر التي لم أشاركها مع أحد من قبل، لحظات عظيمة، مُهيبة، رفيعة، عالية جداً.
اللحظات الذي تمنّيته أن يحيى في العمر كلّه على وتيرة واحدة، كنثر المحبة بين الزملاء، و الزميلات في أرجاء الصفّ، إنغمار اللحظة بالدفء منبعثاً من يد الأساتذة، و الأستاذات جميعهم، عذوبة الكلمات التي تُقال في السرّ، و الخفاء، حنان النظرات بين الأصدقاء، و الصديقات في أوقات الفراغ أو إستراحة الغداء.
اللحظات السعيدة الذي قضيته برفقة أصدقاء بتّ أحبّهم، و بفعل هذا الحبّ قلت عنهم:

"صُدفة لا مثيل لها".

لأنّني عشت لحظات لم أحيا بها من قبل، و لم أنتظر مرورها، و لم أنتظر قدومها أيضاً، و لكنّي خفت فقط من إنتهاءها، لحظات عشتها بكلّ ما في قلبي من رغبة، و حياة.
إلهي ما أجمل العمر، و ما أوسع الحياة حينما نحيا كيفما نشاء، كما تشتهي أنفسنا، و كما تُملي علينا أرواحنا.
أعني يا لبراءة الطفل الصغير في داخلي الذي غلّفتها رجاحة عقل الشاب اليافع الذي أصبحت عليه عندما فوجئت بوجود الأستاذة -توبا- لتكون سبباً فيما بعد ذلك في التجلّي من بين الأمرين، قلبٌ يحبّ الحياة، و روحٌ تحلّق دون خوف، روحٌ تمدّ أجنحتها في الأفق بكلّ جرأة، و كأنّ السماء صدرها، و أنا مقبلة على عناقها.
أو تلك السعة التي بين يديّ الأستاذة -عائشة- التي كانت صالحة بالنسبة إليّ لأكون بجوارها قليلاً كلّما كان ينتهي درسها تقول لي أحياناً:

"الحزن يجعل المرء غريباً عن نفسه، فلا تجعليه يسرقك منّي، إنّني أحتاج لعقلك أثناء الدرس".

أو ذلك الدفء المنبعث من أضلع أستاذي -أيوب- كلّما كان يشرح جزءٍ ما من الكتاب، أو يقصص لنا قصصٌ قيل له من قبل جدّه، و والدته، أو تحدّثه عن مواقف عاشه في طفولته ثمّ طيلة شبابه، أو نصائحه الذي كان يقولها لي بادئاً بـ:

"كفّي عن محاولة التظاهر بما لستِ عليه".

و منتهياً بـ:

"لا تسمحي لأحد بأن يقول لك مَن تكونين، حتّى أنا". 

أو ذلك الوهج الذي يلمع في إبتسامة -صديقي البريء- أثناء حديثنا بعد أن فشلوا زملاء صفّنا في معرفة معنى أن يختنق المرء بالحديث محاولاً شرح نفسه للآخرين، مفسراً -كيف لا تشعرون على ما تفعلونه بي كلّ مرّة؟-، لا يعرفون كم هو مؤلم ألا يبدوا المرء كما هو، و يفقد الرغبة في العتاب، و البوح!.
و الأمر الذي يُحزن بشدّة أنّ سواء تعب -صديقي البريء- و أجتهد، و وقف أمام الحواجز، أو لم يفعل أيّ شيء حيال الموضوع، النتيجة كانت واحدة في صفّنا.
أو تلك السعادة التي تتدفق من عَينيّ -صديق الغُربة- الذي كان يملك أعلى صوت يمكن أن يسمعه أيّ أحد عندما كانت ضحكته تملأ أيّ حجرة يتواجد فيها للحدّ الذي كان يليق به أن يكون ضوءاً لا ينطفئ، أو أن يكون ورداً لا يموت، أو ماءً لا يجف.
يليق به عزيزي القارئ أن يكون كلّ الأشياء السعيدة التي لا يمكن أن يعبرها الحزن يوماً ما عندما كان يضحك، فقط أحياناً، عندما كنت أكون بمفردي في الطبيعة كـ -مكان سارّة، و ليس سارا- و يكون الطقس هادئاً جداً، و لا أسمع سوى صوت الرياح في الخارج، و أصغي إليه، و هدير الطيور الناعم في الظهيرة، و أحبس أنفاسي محدّقة في المنظر الذي أمامي؛ و أحاول أن أقرأ شيئاً ما، أو أكابد لكي أفهم شيئاً ما، بغضّ النظر عن كلّ ما يحيط بي ليس سوى ظلال مختلفة للظلام، فكنت أستطيع أن أسمع ضحكته.
براءة أستاذتي -توبا-، و سعة أستاذتي -عائشة-، و دفء أستاذي -أيوب-، و وهج -صديقي البريء-، و السعادة المتدّفقة من ضحكة -صديق الغُربة-، تلك كانت هي الحياة بالنسبة إليّ.
عندما بدأت حياتي محاولة بفهم كلّ شيء إعتقدت أنّني سأصل النهاية، و أنا فهمت كلّ شيء، لم أتوقع أنّني سأنهيها محاولة بالنجاة من كلّ مافهمت، ففي صباح الثالث و العشرون من تشرين الثاني كان عليّ أن أحرق كلّ شيء لأبدأ من جديد، و بعد الحرق لم أكن أعلم أنّ التربة تكون غنّية لتنمو عليها حياة!، حياة على الأقلّ ظننتها أفضل ربّما ممّا كان هناك من قبل.
فلم أكن أعلم أيضاً أنّني سأتعرّف على -زملاء صف- مرنون في هذه الحياة، و أنّ هؤلاء الأشخاص يمكن أن ينمون من جديد، من الدمار الكامل الذي هربوا منه، و يبدأون كأشخاص مختلفين لا أحد يعلم عنهم شيء، و يجدون سبيلاً كانوا يبحثون عنه طيلة الشهور الماضية.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني سأعبر من خلال -صديق النّور- الذي لم أكابد نفسي لأبحث عنه في البداية، لكن إلتقينا صدفة، كنّا نسير في خُطى واحد، و جمعتنا رحلة واحدة أيضاً.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني سأتعرّف على -صديقي الجذّاب- و أتعمّق فيه إلى حدّ النضوج.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني سألتمس براءة روح، و طفولة، و وجدان، و صفاء نية -صديقي البريء- ، نقاءه الذي لم يتدنّس روحه بخيبات الأيّام، و قسوة المسافات.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني عندما أنظر إلى -صديقي الخجول- الذي صنفته آنذاك في قائمة أصدقائي يقلّ إحباطي ممّن أنا حولهم، يا لهذا الأمر العجيب الذي يشعرك أنّك منتصراً على هذا العالم بسبب صديق، و ليس أيّ صديق!.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني سأتعرّف على -صديقي الساذّج- الذي رغم تمّ كسره بوحشيّة من قبل أحدهم إلا أنّه ما زال شجاع ليكون لطيفاً أمام الآخرين، فهو الذي ظننته يستحقّ حبّاً أعمق من المحيط حتّى، فهل لك أن تتخيّل معي عزيزي القارئ أنّه تأذّى، و لم يرّد الأذية، و أنّه تمّ كسره، و ما زال يحافظ على مشاعر الآخرين، و أنّ خاطره مكسور، و يجبر خاطر أصدقاءه!.
و لم أكن أعلم أيضاً أنّني سأتعرّف على -صديقي الطائش- صديق مناضل، و أصعب نضال كان يعيشه آنذاك نضاله مع ذاته، و معارك الصمود في جوفه، و خوفه الفظيع من شعور الخسارة في داخله، خيبة أمله من نفسه.
و لم أكن أعلم أنّني عندما أكون بين أفراد عائلتي سواء كانوا ودودين أم لا، بينما ذهني سيكون مشغول بمحادثة إلكترونية بيني، و بين -صديق الغُربةـ الذي قد لا يعبأ حتّى بخبر موتي.
فـ -صديق الغُربة- عزيزي القارئ لم يحاول أن يصبح مميزاً، لم يبذل أيّ جهد لذلك، فقط كان يشارك مع الجميع أحداثهم اليومية، و يضحك معهم، و يتحدّث معهم أيضاً، و لكن مع مرور الوقت، و إنتهاء العام الدراسي أصبح عندما يعود إلى منزله، كان يعود، و كأنّه لم يختلط من قبل بأحدٍ أبداً.
بدا عادّياً حين أتيت في البداية، لم يلاحظه أحد، و لم يكن يحمل النجوم في يديه، لم يعانق، و لم يصافح، لم يبتسم، و لم تكن نظرته آسرة، لم يكن ملامحه من البدايات التي لا تلمح لشيء!.
كان عادّياً للغاية، لم ألتفت إليه، لم أحاول الإصطدام به، لم أسأله عن لونه المفضّل، و يوم ميلاده، و إسم مدينته، و لم نتبادل الحديث أو حتّى النظرات، كان كلّ شيء فيه جميل إلا تعلّقه، كان يتعلّق بكلّ شيء تعلّقاً شديداً، و عندما يزعجه الأمر كان ينفصل عن كلّ شيء بكلّ سهولة، و يمضي هكذا، و لا يفكّر بعواقب ما فعله، كان صديق طيّب، فقط إنّه كان يقوم بأمور سيئة أحياناً فحسب.
لم يقدّم أحدنا نفسه للآخر، كنّا مجرد غرباء، نسير في الشارع نفسه وسط أيّام الأسبوع، و نركب الباص عينه عندما يشارف الأسبوع على الإنتهاء، و نلقي التحيّة على الغرباء نفسهم كلّ يوم الإثنين.
لا أعلم أيٌ منّا لمع في عينيّ الآخر أولاً، لكنّه كان توهّجاً شديداً، للحدّ أنّنا توقفنا لاحقاً عن إلقاء التحيّة على بقية الغرباء، لا أعلم أيٌ منّا لاحظ الآخر، ربما إلتفتنا في الوقت نفسه، لا أذكر مَن الذي كسر حاجز الصمت، و الخوف من الإعتياد الذي كان هاجسنا الدائم، لا أعلم مَن الذي بدأ المصافحة، و أيّ يدٍ هي اليد التي إنتشلت أرواحنا من غربتها، لا أذكر مَن منّا طرق الباب أولاً، و مَن الذي فتح قلبه للآخر أولاً -على الأقل كما ظننت-، لعلّنا نظرنا معاً إلى لحظةٍ واحدة في الوقت نفسه فتخلّدت، و للحظة بات في الوجود مكان لا نشعر بالغُربة فيه.
كانت آمالنا تمتد في الآفاق عزيزي القارئ بلا كلل، و لا ملل عندما نتحدّث عن أحلامنا الذي نريد أن نحققها، و ضحكاتنا تعلو في كلّ سماء عندما نتحدّث عن أمرٍ ما أو شخصٍ ما، كان لنا جذور في كلّ أرض كنّا، و ما زلنا نتواجد فيه، و ذكرى في كلّ درب سنتواجد فيه، كانت الحياة ما هي إلا ضحكة، و بسمة، حبّ، و لقاء، يدين، و عينين، شارعٌ طويل يغمره الهواء الطلق، و تحفّه الأشجار الطويلة، لتضجّ في أرجاءه ضحكاتنا، نؤنس بها وحشة الدرب لنعبر، و نضيء بها لنحيا، تقاسمنا العالم، كنّا القصة، و الكاتب، كنّا الوسيلة، و الغاية، كنّا نتجول في أنحاء الأماكن بتأملٍ قصير، كان الباص باصنا، و الدرب دربنا، و الرحلة رحلتنا، لكنّنا كنّا مجرّد غرباء سافرا معاً، و أفترقا بعد رحلةٍ قصيرة أشبه بعُمر.
كلّ مافي الأمر أنّ رحلتنا كانت رحلة عاديّة للغاية، و لكنّ العابرين فيها لم يكونوا أيّ عابرين، لم يشعر كما أنا، و الآخرون توقّعنا منه، لم يكن قادرٌ على تفريغ ما بداخله لأنّه بالأصل مملوء باللاشيء، و ملامح بداياتنا تلك التّي ظننته أنّه يلمح لشيء كانت هي المخرج الذي رأيته بعد التدوين جرّاء تمكنّي من أشياء أخرى.


الآن، و بعد الفراق، فيودور دوستويفسكي هو الوحيد الذي إستطاع وصف شعوري جيّداً حينما قال:

"من المؤسف أنّه لم يعد هناك شخصاً نذهب إليه عندما لا نعرف إلى أين نتوجه".

نعم أنا أيضاً أسفة لنفسي، أنّني فقدت مخرجي في الآونة الأخيرة الذي ظننته على الأقلّ أنّني سأتوجّه إليه عندما لا أعرف إلى أين أتوجّه.
بعد ذلك بدأت أبحث عن وسيلة لأحلّق بها بعيداً عن كلّ ما مررت به آنذاك حتّى لو لم أستطيع التحليق في الحقيقة، و لم يسعني لأفعل شيءٍ ما حتّى تذكّرت ما قرأته، و دّونته في دفتري قبل أربع سنين، و تحديداً في الواحد و الثلاثون من آيار:

"من لم يكن صديقاً لنفسه كان عدواً للآخرين، و من لم يرى مؤنساً من ذاته مات قانطاً، لأنّ الحياة تنبثق من داخل الإنسان، و لن تجيء مما يحيط به".

حينها خرست، لم أستطع أن أقول شيئاً، -لطالما كانت الحقيقة تخرسني- قلت لنفسي، و تلك الحقيقة المُنسية كانت هي الوسيلة للتحليق بعيداً، الذي رأيته بعد التدوين جرّاء تمكنّي من أشياء أخرى.


الآن، و بعد عشر أيّام من الكتابة المتواصلة إكتشفت أنّني لا أريد أن أقول شيء سوى أنّني إشتقت لملامح البدايات تلك الذي ظننتها أنّها تلمح لشيء، و في الحقيقة أنّها لم تكن تلمح لشيء قط.

تعليقات