كيف حالك في يوم ميلادك؟

 


أمضيت الأيام السابقة كلّه في التفكير بهذا اليوم -الثامن من آذار- فمنذ أن إستيقظت من النوم، و أنا تحت وطأة شوق هذا اليوم!.
تذكّرت نفس هذا اليوم من العام السابق، لا أكذب عليك عزيزي القارئ، و لكنّني تارّةً أحنّ إليها، ربّما لوجود -صديقي الإستثنائي السابق- آنذاك.
مُنذ عدّة أيّام أفكّر في الكتابة عن هذا اليوم إلى هذا اليوم، ثمّ أتساءل في نفسي:

"ما الجدوى من الكتابة؟، هل من الممكن أن يعانقني أحدهم في منتصف نصٍ أدبي؟، هل من الممكن أن يجمعني أحدهم في بيت شعر؟".

أردت أن أقابل هذا اليوم بشعوره المختلف بحق، و ليس فقط بنصوص، و كتابات مستنسخة، و منقولة من الجميع، أردت أن نتبادل ثقافة العناق، و القُبلات، و ليس التزيّف بها، أو المعايدة بها فقط لأنّها أصبحت عادة!، أردت أن نتبادل كتفاً أدفأ من أكتاف الرسائل اليومية الذي نستقبله في هواتفنا، أردت أن نتحدّث لغة الأعيُن في معايدات يوم الميلاد لأنّ لغتي أصبحت قليلة، و في عيني كلام لم يُقال بعد، أردت أن نتشبّث في أطراف البَنان على هيئة كلمات خجولة، و أن يكون لنا مدخل في الأدب الفريد من نوعه، أردت أن نتجسّد الحبّ الذي نحمله لنا، و لأصدقائنا على هيئة لمسة حانية، أردت أن نُعيد للقلب إتزانه بعد أن دفعه الجميع للإنحناء، أردت أن نُعيد للأيام رتابتها كعادتها السابقة، أردت أشياء كثيرة لهذا اليوم، في هذا اليوم.
فكّرت في إبتسامة الشخص عندما يعلم أنّ يوم ميلاده سيحين غداً، و هو يمشي عائداً إلى المنزل مُتيقناً أنّه حتماً سيعيشه بإشعارات متفاوتة من الرسائل، و الشعور الجميل الذي سيشعر به في نهاية اليوم، فكّرت في اليوم التالي بعد يوم ميلاده عندما يسأل الأشجار في الطريق عن سبب عناق الشخص لها عندما إستقبل يوم ميلاده بكلّ بهجة عاشه جلّ أعماق قلبه، فكّرت أيضاً أن أعطي يوم ميلادي هذا حق يستحقّه حتّى لو لم يعطني بها الجميع، حتّى لو زار عينّي إشعارات هاتفي كلّ لحظة تلو أخرى في اللحظة التي كنت أساعد بها والدتي ظنّاً أنّ أحدهم أرسل لي شيئاً ما، فكّرت في هذا اليوم حتّى عندما خرجت من المنزل، و رأيت بضعة أصدقائي في منتصف الطريق هاربة منهم حتّى لا ينتبهوا عليّ، فكّرت في هذا اليوم حتّى عندما أتى في منزلنا ضيوف، و رأتني ضيفة والدتي، و ضحكت عليّ، و هي في طريقها إلى دورة المياه، رأتني أنظف أوساخ المطبخ قائلة: 

"في أحد ينظّف في حضرة الضيوف!".

فكرّت في هذا اليوم حتّى عندما وبخَتني والدتي بدل أن تشكرني أو تخفّف عليّ بكلامها اللطيف -أحياناً- عندما ذهبوا الضيوف من منزلنا مبكراً مُتّهمتني قائلة: 

"أنتي السبب في ذهابهم مبكراً".

فكرّت في هذا اليوم حتّى عندما دخلت إلى دورة المياه لأستحمّ و أنا أقول: 

"سيطرق طيف -الثامن من آذار- باب قلبي بعد لحظات قليلة".

ثم إرتبكت، و ترّتبت سريعاً لتلاحظ الأمر شقيقتي الكبرى متسائلة:

"ما الأمر؟".

لأقول لها أنا:

"لا شيء".

ثم قلت لنفسي:

 "ستعود الروح إلى مجراها بعد لحظات قليلة".

و ها قد أتى منتصف الليل، و لكنّ المفاجأة كانت عندما شعرت أنّني في المنتصف!، حتّى في يوم ميلادي؟، هل ما حدث لي أمرٌ طبيعي؟.
بالمناسبة كيف حال المرء، و هو في المنتصف؟، و هو على وشك، لولا؟، و هو يوّد لو أنّه، لكنّه؟، و هو يريد، و لا يطيق؟، يحبّ، و لا يرغب؟، يتمنّى، و لا يستطيع؟.
في هذا اليوم لست حزينة، لست سعيدة، لست شيئاً.
كيف يشرح المرء أحواله عندما لا يشعر بشيء، و عندما يشعر بكلّ شيء؟، كيف حاله، و هو بهذا الفراغ، و هذا الإمتلاء؟، كيف يخبر أحدهم عن هذا الضباب الكثيف بشكل واضح؟، كيف يشرح هذا المنتصف المُحيّر بشكل لا يثير القلق؟.
أنا سأقول، سيتأرجح الكلمات في داخله إلى أن يتوقف بحنجرته، يمدّ يديه تارّة، و يطويها تارّةً أخرى، يقاوم الشمس، و أحياناً يحرقه شمعة، يميل حتّى يكاد يقع، و يعلو حتّى يكاد يحلّق.
بعد صراعي مع موضوع المنتصف هذا حتّى في يوم ميلادي، تذكرّت سؤال -صديق الغُربة- الذي عاد إليّ من غيابه المفاجئ قبل يوم ميلادي بأربعة أيام عندما سألني عن حالي.
حينها سألت نفسي السؤال عينه قائلة: 

"كيف حالك؟".

كيف حال المرء، و هو يشعر أنّه في المنتصف حتّى في يوم ميلاده؟، كيف حال المرء، و كلّ شيء فيه يبكي إلا دموعه؟، كيف حاله، و كلّ شيء فيه يضحك إلا قلبه؟.
"كيف حالك؟" يا له من سؤال ممل للغاية عزيزي القارئ، يمكن للجميع أن يطرحه، دوم إهتمام بالإجابة، و أحياناً قد يهتمّ أحدهم بالإجابة، لكن هل ثمّة إجابة حقيقية لسؤال كهذا: كيف حالك؟.
أعتقد أنّ الإجابة دائماً مرتبطة بمن يسأل، فنحن بخير دائماً طالما أنّ من يسأل ليس مهتماً بالإجابة، و إن كان مهتماً فنحن بخير أيضاً، و لكن بشكل أقلّ.
ثمّة وخزة غريبة يسار الصدر، دمعة غريبة على وشك البكاء، بسمة إمتنان لشدّة الفرَح بالسؤال تجعلنا ننسى الإجابة، و نحاول التعبير عن كلّ شيء، عن كلّ ما نشعر به، بالعناق، بالبكاء، بهزّة رأس، بكلمة واحدة، بأيّ شيء لا يتطلّب جهداً، نحاول أن نقول كلّ شيء دفعة واحدة، مثقلين كنّا أو سعداء، نجد دائماً إجابة مناسبة و سهلة، و معبّرة جداً هذا ما يفعله بنا عندما يسألنا أحدهم:

 "كيف حالك؟".

فللمرّة الأخيرة عزيزي القارئ، كيف حالك في يوم ميلادك؟، هل أنت بخير  حقاً حتّى في هذا اليوم؟.

تعليقات