أصبح غريب الآن لكن مع كلّ أسراري
في يومٍ من الأيّام صادفت صديق غير مناسب في حياتي، و ضللت أشعر بأنّي أسعد إنسان على وجه الأرض كلّما حادثته، قد يكون غير صادق معي في معظم حديثه رغم معرفتي بذلك، و لكن كنت أفرح عندما يُقال لي كلمة منه، و كأنّي أحب المعاناة، و ضيق التنفس الذي يأتيني منه أكثر من محبّتي لنفسي.
حاولت جذب الحديث معه، لكن شيئاً فشيئاً أنا مَن كان ينسحب من الحديث بداعي الملل من نوعية الأحاديث الذي كنّا نتحدّث عنه، و دائماً ما كنت ألقي اللوم على نفسي كلّما مللت، لأنّي حاولت في الوقت الذي كان يجب عليّ ألا أحاول، و كان ينتهي الأمر بأن لا يكون لديّ أيّ شيء لأقول له، ثم كنت أذهب إلى من يحتضنني عند أشدّ هزائمي حيث -سريري- الذي لم، و لن يخذلني قط، مهملاً خلفي إتصالات أبي، و رسائل أصدقائي.
ثمّ حدث شيء أشبه بفراق، و بعد الفراق الأول سيسخر المرء من فكرة البقاء الأبدي، و سيضحك على كذبته التي قالها يوماً بأنّه لا يستطيع العيش بدونه، و ها هو حي لم يمت بعد، يؤمن بأنّ وجود أيّ شخص في حياته لن يستمر طويلاً، و يتقبّل فكرة أنّ لا أحد يلائمه، أو يستحق البقاء معه للأبد.
في الحقيقة نحن تجادلنا عدة مرّات، كان كلٌ منّا يعرف تماماً ماذا يريد الآخر منه، و مع ذلك فقد إنتهت العلاقة، أو بالأصح أوشكت على الإنتهاء، فقد توقف ما بيننا من الحبّ اللطيف ذات يوم كما لو أنّ الفيلم خرج عن الشريط فجأة، و بلا شك، و كأيّ شخصٍ آخر تمنّيت لو أنّنا لم نتجادل، تمنّيت لو بقينا كما كنّا في بداية علاقتنا، تمنّيت أنّ لقائي به في اليوم الأول لم تنتهي بعد، تمنيّت أنّنا بقينا غرباء، و لم نقترب أكثر.
لم أجبر أيّ أحد ليكون صديقي عزيزي القارئ، و لكن عندما إخترت -صديق الغُربة- أن يكون صديقي إختار حاجته المُزيّفة بالعودة مجدداً كلّما كان يعتريه شعور الإكتفاء منّي.
جميعنا نعلم أنّ في أيّ علاقة فجأة، و بدون مقدّمات سيحدث فجوة بينك، و بين شخصٍ ما، و إذا حدث تلك الفجوة لن تستطيع أبداً أن تعودوا كما كنتم، لدرجة يأتيك رغبة ملّحة بأن تقول:
"أعلن للجميع رحيلك، و سأخبُ الفراغ الذي سأعيشه بدونك، سأخبُ الليالي الموحشات بدون حديثك".
دون ندم، فلا أحد يستطيع أن يُعيد إليك طمأنينتك نحو أيّ شيء، و هنا يكمن كينونة الشخص عندما يوجد حوله الكثير، و لكن لا يرى أيّ شخص كنفسه، ثمّ تبدأ فكرة التخلّي عن كلّ شيء، أو عن كلّ شخص يخطر في بالك فقط لأنّ عند مواجهتك للحظات السيئة كان لا يوجد أيّ أحد بجانبك، كنت تعيش اللحظات السيئة لأنّك إعتدت على الوحدة.
لا أعلم عنك عزيزي القارئ، و لكن أنا لا يستمر معي أيّ شيء أو أيّ شخص طويلاً، فدائماً في العلاقات أنا هو الشخص الذي يرغب بالرحيل، أغادر عن كلّ شيء سواء أحبّه أو أكرهه، و عن كلّ شيء سواء أريده أو لا أريده، قضيت السنين الماضية، و أنا أشعر دائماً بأنَ عليّ أن أغادر، أغادر حتّى لو ترعبني الجملة التي تقول:
"أصبح غريب الآن لكن مع كلّ أسراري".
أغادر حتّى لو التفكير في هذه الجملة محزنة جداً، فكيف لشخص شاركته تفاصيلك، و أمورك الخاصّة، و أسرارك يصبح بعدها شخص كلا شيء، شخص غريب لم تتعرّف عليه من قبل!.
بعد التخلّي المرغوب أو المجبور عليه، يراودك شبح التجاوز، و التجاوز أمر غير سهل على الإطلاق، فكيف ستتجاوز أنت بينما عقلك، و قلبك لا يريد التجاوز؟، لذلك التجاوز أمر متروك للوقت دائماً، الوقت هو الذي سيُطيب جراحك مهما لطخّت روحك بالجروح.
جميعنا لدينا قوة داخلية مخبئة في مكانٍ ما، و هذه القوة التي ستحبّها في نفسك مهما بددّت صلابتك الأيّام، و التجارب الخاطئة، تحبّ هذه القوة التي تمتلكها لأنّك تستطيع سحق كلّ ما قد يحزنك، و العبور من فوق كلّ ما ينتشلك، هذه القوة هو الذي يجعلك تتخذ قرار إنهاء ألمك رغم رغبتك به، بعد أن شعرت بوجود هذه القوة الخارقة بي خفت، يحدث أن يخاف المرء أن يسأل صديقه هل يجب عليه التخلّي؟، و لكنّه يخاف لأنّه يتأكد من سؤاله.
بعد ذلك علمت أنّ على المرء أن يبدأ حتّى لو لم يكن مستعداً، يبدأ و سيكتمل الأمور من نفسها مع مرور الوقت، إنّ خوض مغامرة الحياة يحتاج إلى مخاطرة أكثر من حاجته للإستعداد، و من أسباب ترددّ الإنسان للإستعداد المُستمر هو رغبته بأن يكون مستعداً، إنّ الرغبة بالإستعداد المفرّط قد تعطّل على الإنسان تقدّمه.
لم يُراودني شعور الخوف دائماً، ففي يومٍ من الأيّام سئمت من سيطرة الخوف عليّ، و دون أن أسأله تركت -صديق الغُربة- هكذا بكلّ جرأة، فلم أرد العيش بمخاوفي فواجهته بالأفعال، و إنقطعت لقاءاتنا الظهريّة بين الأشجار، و أحاديثنا الطويلة التي كنّا نتبادلها على خلوة، و لا نزال نستطيع أن نتبادل بعض الكلمات من حين إلى حين لكنّها كلمات تافهة ليست بذات القيمة أو الدلالة، فها أنا نزعته من الروح للمرّة الأولى بشكل علني، إنّه ليس أعز من أن أنزعه دفعة واحدة، لكنّني نزعته، و قُضي الأمر.
لم تعد الدموع ساخنة، و لم يعد الوداع مريراً بل أصبح بارداً، باهتاً، و لم يعد لديّ الإستطاعة بأن ألوّح له مرةً أخرى كما إعتدت على ذلك، الزمن مضى بسرعة البرق بعد أن تركته، حدث كلّ شيء بيننا بسرعة، كالموت عندما يأخذ أحدهم يأخذه بسرعة، و دون إستئذان.
لست ناكرة للجميل للحدّ الذي أجعل نفسي أنسى الأيّام الذي جعلتني سعيدة مع -صديق الغُربة- في يومٍ ما، جزمت كثيراً أنّ هناك لحظات أريد فيها أن أكون بقربه كصديق لا أكثر، و لا أقل، و لو إستطعت لكنت سأمنحه القدرة على رؤية نفسه بعيني حينها ربما كان سيدرك، و يعلم كيف كنت أراه.
أعترف أنّني قاتلت بشرف لنبقى معاً، و لا تكون نهاية لنا معاً، و لكنّ الشرفاء أيضاً يخسرون معاركهم، تدرك أنّ الأمر إنتهى عزيزي القارئ لكنّك ما زلت تتمسّك بأمل غامض لفرط معزّته في قلبك، و لكن فجأة تتراجع عن إدراكك، و تتركه في وسط الطريق، و تذهب بعيداً عنه كجيش مهزوم لم يعد لديه شيء ليقاتل من أجله، تذهب عنه، و كأنّه لم يكن صديقك في يومٍ ما، يالقوة القسوة، أعترف أيضاً بأنّني كنت أعرف منذ البداية أنّ قصّتنا لن تكتمل، و رحلتنا لن تطول، كلّ شيء كان يؤكد لي بذلك، و لكنّني تجاهلت هذه العلامات، و إستمريت معه، أصرّيت على خوض طريق أعلم أنّ لا حصاد منه غير الألم، و كأنّني بحاجة لأعلّم نفسي درساً ما، و مع ذلك إنتهى بي الأمر، و أنا أكتب عنه للمرّة الأخيرة إن شاء الله، و هو بين أدواته السوداء الذي لا يستغني عنهم قط.
لطالما أقنعت نفسي بأنّه الشخص الوحيد الجيّد الذي عرفته من بين الجميع، و لكنّ الأيام أصرّ بأن يثبّت لي عكس ذلك، فروحي لم تأوى لمَن آلفه كالعادة، و الحزن أخرسني جيداً، نسيت التواصل مع النّاس بسبب ذلك، و لا شيء غير الهدوء عمّ أرجائي، و هذا هو كان شكل وداعي، لم أستطع أن أجعله أكثر صخباً كباقي الوداعات، كان وداعي عنه على شكل هدوء، كلحظة سكينة أو كعد تنازلي لقنبلة ستنفجر في أيّ لحظة، تلاحظه عزيزي القارئ، و تعرفه لكن لن تفهمه إلا بعد حدوثه.
أعترف أنّني لست قوية عندما أنهي علاقتي بصديق لي لمجرد أنّه خذلني في موقف واحد، لست قوية عندما أنسى كلّ فضائله معي، و أتفاخر بإستغنائي عنه بالرغم من كلّ تلك السنين، عليّ أن أعلّم نفسي أنّ هناك أشخاص جزءٌ منّي، و من المُخزي جداً أن أتعامل معهم كعلاقات المُراهقة، و نسيانك عزيزي القارئ لصديق خذلك، تجاوزك لصديق كنت تحبّه جداً، ترك حلم، و الجري خلف حلم آخر، كلّ هذه أراها إنتصارات عظيمة، و لكنّها حزينة جداً.
أظنّ أنّ الرحيل لم يكن خطئي، بل كان لابدّ منه، و الآن يجب عليّ أن أعود أدراجي، و أن أستأنف رحلتي من دونه كما كنت قبل معرفتي به، هذه الفترة لا أشعر بوجود أيّ ود بيني، و بين -صديق الغُربة-، و إنتهاء هذا الودّ لا يعني كرهي له، ما زلت أتمنّى له كلّ الخير، لكن بعيدٌ عنّي، أتمنّى أنّني إستطعت أن أترك إنطباع جيّد عن كلّ شيء في هذه الحياة في نظره، فكنت أقع بالأشياء، و الأشخاص وقوعاً عميقاً، لم أكن أعرف الوسطية في أيّ أمر من أمور حياتي، و ربما هذا كان سبب مأساتي، و -قلبي كعادته السيئة جداً ركض خلف ما ليس له، و تعلّق بمن ليس حقّ فيه- قلت لنفسي مواسياً.
أكره أنّني أحببت صديق لا يؤمن بالحبّ قط، أكره أنّني فقدت صديق دون أن يسمع منّي القصة الكاملة، لكن لا أكره الألم الذي غيّرني، و جعل منّي شخصٌ آخر.
أبداً لا تقبل عزيزي القارئ بأن تكون شخصاً ثقيلاً في حياة أحد مهما كان هذا الشخص، فعلاقتي مع -صديق الغُربة- كان أشبه أن أقف طوال حياتي في حُجرة لا يسمح لي بالإستناد على شيء قط، إنّني أندم فقط على الجهد الذي بذلته في العلاقة، و ليس على -صديق الغُربة- الذي كشفته لي الأيام، أرى أنّني لا أستحق ما عشته، قلقت، و بكيت، و أعطيت الموضوع أكبر من حجمه حتّى، و لكن صدّقني عزيزي القارئ بعد بضعة ليالي من الفراق الذي فاجأت صديقي به بدأ لي الأمر سخيف جداً، و لم يعد يهمّني على الإطلاق.
فأصبح الآن من أصدقائي العابرين في حياتي الذي لا أعرف عنه شيئاً قط، و أصدقائي العابرين فقط هم التفاصيل الصغيرة التي لا أستطيع حذفها من ذاكرتي، و لا أقبل بالإفصاح عنهم أكثر من أيّ وقت آخر، لفرط أهمية الدرس الذي علمونَني، أصدقائي العابرين في حياتي هم أكثر أشخاص أحترمهم الآن، لدخولهم في حياتي يوماً ما، و إحداثهم فوضى فيها، و عند خروجهم بعثروا كلّ مافيها، فلم يعد كلّ شيء في مكانه كالسابق.
لم أعد أستحمل صراعاتي مع المواقف الأخيرة الذي مررته مع -صديق الغُربة- دون الكتابة عنه فبدأت الكتابة عنه للمرّة الأخيرة، متحدّثة هذه المرّة عن المجد فقط، رغم بعض الأحيان لا أستطيع الكتابة عامةً، و كأنّ شيئاً ما يمنعني، لا أعلم كأنّني مقيّدة من قبل شيء أشبه بحديد، اللذّة، و المُتعة عندما أتوقف، و أرددّ الكلمات صانعة منها جملاً بيني، و بين نفسي، و عقلي مراراً، و تكراراً، لكن عندما أتي، و أكتب هذه الكلمات والجُمل لا أستطيع، الأمر أشبه، و كأنّي أخاف أن يُسلب من قبل شخص عندما أظهر كتابتي للجميع.
أليس كابوس عزيزي القارئ عندما نرى شخص يتغيّر تغيير مفاجئ؟، بالأمس كان مليء بالحياة، و اليوم خالي من أيّ شعور فجأة، قبل أن يطرأ على المرء تغيير مفاجئ الذي يجعل منه إنسان آخر، يبكي بغزارة لمرّةً واحدة فقط، و شعور المرء برغبته بالحياة للمرّة الأولى يتحرك بداخله مرّة واحدة فقط، إذا فقد هذا الشعور لن يجدها مرّةً أخرى كالمرّة الأولى.
الطبيب سيغموند فرويد كان محقاً بشأن شيئاً واحداً فقط عزيزي القارئ:
"كلّما بدا لك الشخص مثالياً أكثر من الخارج، كلّما كان يمتلك شياطين أكثر من الداخل".
ربّما هذه هي نقطة النهاية لقصتنا، و لا أتمنّى من الأقدار التي فرّقتنا تجمعنا مجدداً، فالمجد للصمت الذي حسم الأشياء بيننا هذه المرّة، المجد للبكاء الجيّد الذي جعلني أبتهج لاحقاً، المجد لنهايتنا، المجد للنهاية المُلهمة.

تعليقات
إرسال تعليق