مواساة فريدة لفتى الميلاد
لا أنتظر أن يحبّني أحدهم لكي أكون سعيداً، و لم أحزن يوماً لعدم محبّة أحدهم لي، و يا لها من سعادة هشّة تلك التي تُبنى على محبّة أحدهم!، تذهب إن ذهب، و تأتي إن أتى، تبهت إن غاب، و تتلاشى إن هجر، و تزول إن تخلّى.
إنّ الحبّ أسوأ طريق للسعادة عزيزي القارئ، و بالرّغم من أنّ السهولة تغلّفه، إلا أنّه الأصعب، و الأكثر وعورة، و مشقّة.
لا أحبّذ إن ربطَ أحدهم إبتسامته بأفواه الأخرين، و أن يربط خطواته بأقدام شخصٌ آخر، إن سارَ سار، و إن ركض أرهقه، و إن قرّر يوماً التوقف فقدَ طريقه!.
إنّها لكارثة أن يحيا المرء في حياة ليس حياته، و أن يشقّ طريقاً ليس طريقه، و أن يبني حلماً ليس مُلكه، و لكنّ الأمر يختلف إختلافاً رأساً على عقب حينما يأتي الموضوع إلى صديقي الذي يصادف اليوم يوم ميلاده، -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض-.
أعترف لك عزيزي القرئ أنّني أحبّه حُبّ يجعلني أبني حياتي برفقته، و يبني حياته برفقتي، لكنّ كلٌ منّا سيحيا في حياته الخاصة، التي لن تنهار إن قرّر الآخر الإبتعاد لفترةٍ قصيرة أو طويلة، سنحيا معاً في حياة واحدة حتّى لو نبعد عن بعضنا آلاف مسافة الكيلومترات، إنّما ليس بالطريقة التي تجعل أحداً منّا يظن أنّ هذه الحياة تخصّه وحده، و أنّ الآخر مجرد زائر، الذي يحزنني حزنه، و يغمر الفرح قلبي حين يكون سعيداً.
سوف نسير في الطريق معاً حتّى لو لم نتشارك المنزل عينه، إنّما كلٌ منّا لديه هدفه، سأسانده حين يتعثّر خطواته، و يمسك بيدّي حين أكاد أسقط، و يتوقف كي أستريح حين أتعب، و نركض معاً في لحظة شغفٍ مفاجئ، لأنّه رفيق الدرب، و للرفيق على رفيقه حق، نتشارك الدرب نفسه حتّى لو قرّرت متى تسير، و متى أنا أتوقف؟، لن نتوه إن قررتَ يوماً سلك طريقاً آخر، لن نفقد أحلامنا إن قررتْ يوماً الإستيقاظ، لن نفقد هدفنا إن غيرتْ يوماً ما هدفي، لن تنهدم حياتنا إن غادرته أنت، لن نخسر حياتنا إن غادرتك؛ لأنّ كلٌ منّا لديه حياته رغم الحبّ الذي نتشاركه، و الحبّ الذي نتشاركه له مساحة مشتركة أيضاً مما يجعلنا نستريح فيها من حياتنا، و رغم محبّتك تسعدني للغاية، لكنّنا نتفهّم أنّها تبقى مسرّة واحدة، رغم خسارتي تحزنك للغاية، لكنّنا نتيّقن أنّها حزناً واحداً؛ لأنّ كلينا يؤمن أنّ في الحياة الآلاف من الأشياء التي نقرّر أيّ ملامح سنرتديها اليوم.
طوال حياتك قد كنت تتجنب الإقتراب من أحدهم، و إعطائه ثقتك له، كنت أعلم أيضاً أنّ قلبك أكبر منك، و إنّها لكارثة أعلم، أن تكون شخصاً عاطفياً، و منطقياً في آنٍ واحد، كلّما قطعت نصف الطريق في عاطفةٍ ما، صفعتك يد المنطق قائلة لك:
"عُد، هذا الطريق ليس لك".
رأيتك للمرّة الأولى ترفض العودة، و تصرّ على الإستمرار، مُحبّاً للطريق، غير مُكترثٍ لصفعات المنطق المتكررة، حتّى إن أتت الصفعة منك!، و ذلك حينما أعطيت ثقتك لي، أنت الذي لم تعطي ثقتك لأيّ شخصٍ كان منذ طفولتك!، الصفعة التي أيقظتك عدّة مرّات من وهم عاطفتك إتجاه أصدقائك السابقين المُزيفين، و إنّه لأمرٌ مؤذٍ أن تلوي ذراعك يدك التي إعتدت مصافحتها، يدك الذي كان من المفترض أن تربت على كتفك، لقد كانت الخيبة كافية لإطفاء مدينة كاملة بعد تلقيك صفعة ممّن لا يستحق أن أقول عنهم أصدقائك، لكنّك قاومت!.
إخترت أن تحترق لو إضطرّ الأمر على أن تفقد وهجك، و بالرّغم من الإنتكاسات المتكررة الذي لم يفارقك إلا أنّك لم تستسلم!، و لطالما علمت عن رغبتك بالنهوض مجدداً في كلّ مرّة كان الحزن ثقيلاً عليك، أعلم أنّ الطريق إنتهى، و لا فائدة من الإلتفات على الذين تركوك تواجه صعوبات الحياة لوحدك، أعلم أنّك لن تنسى الذين عبروك، و أنّك ستظلّ تحبّهم إلى الأبد، أعلم أنّه أصبح محتومٌ علينا أن نفلت أيدينا كلينا عن الذين إختاروا البعد عنّا، أعلم أيضاً أنّ هذا التشبّث المُستميت بالذين عبرونا، لن يغيّر حقيقة ما سيحدث فقط، سيؤدي إلى ترك خدوش، و ندوب نحملها معنا إلى الأبد كمواساة نخبر أنفسنا بها حين يتذكّر أحدنا أنّه لم يعد له إلا الآخر له، أعلم أنّهم جرحوني جرح لن أشفى منه أبداً بكلّ سهولة، و تعلم أنّك الضمادة التي لن تنفّك عن تضميد روحي بها، أعلم أنّنا سنبقى نتذكّرهم على الدوام، و أنّنا و إن إختلفت طرقنا، و إرتخت أيدينا ستظلّ قلوبنا تعانقهم.
و كلانا يعلم، و كلانا تؤذيه حقيقة أنّ المشهد سيستمر حتّى حين يغمض أحدنا أعينه، لذلك لا أريد أن أغمض عيناي، و أتمنى أن لا تفعل أنت أيضاً!، لنغيّر المشهد قليلاً، ما رأيك؟، مثلاً؛ لنصطدم ببعضنا البعض في عناق أخير حتّى يعبر كلٌ منّا من خلال الآخر، حتّى لو لم نتشارك الدولة عينها دعنا نعانق بعضنا في أحاديثنا، و إهداءتنا للموسيقى، و مشاركتنا للصور الذي تجذبنا، أو لنمسك أيدي بعضنا، و نبكي حتّى نتلاشى كما تفعل السُحب، حتّى لو لم نتشارك المدينة عينها دعنا نواسي بعضنا البعض ممّن خلّفوا خلفنا بقاياهم، ممّن تركونا وسط المعركة وحيدون، أو لنجلس على حافّة المدينة نراقب شمسنا الأخيرة، و هي تغرب قبل أن يحلّ الظلام الأبدي، حتّى لو نتشارك السماء نفسها دعنا نتأمّل النجوم اللامعة في الأعلى، دعنا نتأمّل المنظر البديع الذي نشهده كلّ يوم أثناء غروب الشمس في كلتا مدينتنا، فلعلّي ألتمس لقلبك نوراً أقاتل به ظلامي حين يأتي الغد، و أنت لست هنا، لعلّك تشعر بالألفة كما لو أنّك في المنزل إذا زرتَ هذه المدينة التي أعيش فيها يوماً ما.
لا أريد نهاية قاسية، و مُظلمة، و حزينة -كما يحدث للجميع- نتذكّرها، و نأسف، أريد أن يمضي كلٌ منّا في طريقه، و ندع للرياح أمر إغلاق الأبواب، أريد أن نتذكّر بعضنا البعض كما لو أنّنا نتذكّر ضحكة طويلة حدثت في منتصف بكاء، ضحكة حقيقية كحقيقة بنفسجيّة قلبك، ضحكة أتت كمواساة، و غادرت كإبتسامة، أريد أن نتذكّر بعضنا كشيء لا يمكن أن نحزن حين نتذكّره، أريد أن نحمل حتّى إبتساماتنا الأخيرة معاً لحياة آخر، و أريد أن تمتّد العمر كلّه، و نحن هكذا، لا أعلم ما الذي يستطيع المرء أن يهدي صديقه في يوم ميلاده عدا كلمات، و لكن ربما كلماتي سيستطيع أن يغطّي عنّي كل قُصري لك.
و حتّى لا أنسى ذلك، عام ميلادٌ سعيد لك💜.

تعليقات
إرسال تعليق