التحسّن الطفيف جرّاء تساقط الثلوج



شعرت بتحسّن طفيف، بعد أن إستيقظت في الصباح المتأخّر قريب الظهيرة، صباح تساقط الثلوج على المدينة التي تقع في شمال غرب -الدولة العابرة للقارات-.
في البداية ظننت أنّ الأمر متعلّقاً بالصباح، و ما له من تأثير على نفسيّة المرء، و مزاجه، و لكنّ الأمر كان يتعلّق بالثلوج ، و تساقطه في المدينة.
إستمرّ تأثير النفسية، و المزاج السعيد هذا حتّى الرابعة، و النصف عصراً.
بدأ كلّ شيء يُشفى من تلقاء نفسه، الأشجار بدأت تتلّون باللون الأبيض، القطط أصبحت خرساء جرّاء الموجة الباردة التي شعرنا بها جميعنا، الوقت أصبح يمرّ بسرعة الصاعق، و المكان بات يتجمّل برجل الثلج الذي يتواجد في كلّ حيّ، تناسى الجميع خدوش البارحة، و حزنها، و أصبح الجميع يتطلّعوا إلى الغد الذي هو اليوم، يوم تساقط الثلوج في المدينة، أمّا البشر فأختفى عن الوجود تماماً.
إبتسامتي، و أنا أصبحنا سعداء للغاية، سعداء لحدّ النخاع، لم، و لا أنسى إبتسامتي العريضة الذي لم تختفي قط ذلك اليوم.
لست أنا فقط، بل بدا كلّ شيء سعيداً للغاية، حتّى أنّني لا أستطيع الآن حصر عدد الإبتسامات التي حصدتها منذ الصباح.
كان السرور كافياً للجميع، كان كلٌ منّا لديه سماء يحلّق فيها كيفما يشاء، كان كلّ شيء يحلّق، حتّى أجنحتي المبتورة شعرت أنّها ترفرف لفرط الخفّة التي راودتني.
في الرابعة، و النصف عصراً بدأت أشعر أنّ ثمّة خطبٍ ما، فليس من عادتي أن أتجول في الشوارع، و أنا أضحك بصوتٍ مرتفع، و أتحدّث مع الجميع، و أغنّي مع النسيم العذب، و أعانق شغف حياتي.
ليس من عادتي أيضاً أن أقول شقيقتي الكبرى، و والدتي:

"استنوني في الصالة اليوم أطبخ لكم بدون ما تساعدوني".

لأرى والدتي تضحك بقهقهة عالية ساخرة عليّ على ما قلته، لأنّها متيّقنة تماماً أنّني لا أعرف الطبخ أبداً، و شقيقتي ترفع حواجبها، و تقلّب شفاهها إلى الأسفل، و كأنّها لا تصدّق ما قلته للتّو!.
تجاهلت ردود فعلهما المُشمئز قدرَ ماستطعت، رغم أنّ ردود فعلهما أحزنني حزنٌ طفيف، و الذي ساعدني كثيراً لأتجاهلهما هو -صديقي الحميمي- الذي أسعدني بإتصاله المفاجئ، متفاجئاً منّي هو أيضاً لأنّني قلت له:

"أنّني سأطبخ اليوم".

ليُجيب عليّ: 

"يا سنعة!، يا مُزّة!".

قارب الطعام الذي أعددته -صينية دجاج- للإستواء لتأتي شقيقتي، و تتفاجئ عمّا أنجرته، و مع من أتحدّث معه، لتأخذ منّي هاتفي، و تجلس على الكرسي لتتحدّث هي مع صديقي لأكمل أنا الطعام الذي تعاهدته مع نفسي لأعدّه بنفسي اليوم.
لا أحد يمانع أن يتحدّث أحدهم مع صديقه، و لكنّني لست كالجميع!، نعم أنا معّقدة كما يقولون، ربما ما يقولونه عنّي بالنهاية صحيح!، معّقدة للحدّ الذي يغضبني أنّ أحدهم يشارك معي صديقي، إنّه صديقي أنا كيف لا أمانع بأن يشاركه معي أحدهم!.
عند الغروب، و عندما إرتدت السماء فستانها الوردي الذي أراها للمرّة الأولى بحلّتها الوردي منذ أن أتيت إلى هذه المدينة إنتهينا من تناول الطعام، و نظّفت طاولة الطعام من بقاياها التّي دائماً يسقط من شقيقتي الكبرى، و والدتي دون إنتباههم، وقفت على حافّة النافذة أتأمّل السماء الوردي!.
كان المشهد بديعاً للغاية، ذهب منثور في الأفق، تعود بثروة فكريّة، و روحية هائلة بمجرد أن تتأمّله، تمعّن النظر في تفاصيله.
نظرت إلى تلك الأشعّة المتدّلية من السماء على السطوح، و سفوح الجبال الذي إكتسحت بالبياض، و كأنّها تحاول التمسّك بالمدينة قدر المستطاع، كمحاولة للتعبير عن رغبتها في البقاء، ذلك الظلام الذي بدأ يتسلّل إلى الشوارع، ذلك الحزن ما زال طفلاً، الهدوء الذي همّ أرجاء حيّنا الذي نعيشه.
-هذا هو شكل الوداع، لا يمكن أن يكون صاخباً إن كان وداعاً حقيقياً، إنّه يأتي هكذا بهذا الهدوء، و هذه السكينة اللحظية، كعدٍ تنازلي لقنبلة ستنفجر في أيّ لحظة، تلاحظه، تعرفه، لكنّك لن تفهمه إلا بعد حدوثه- قُلت لنفسي.
عندما قارب الساعة من العاشرة ليلاً أمسكتُ بيدي الأخرى، و رافقت ظلّي إلى منتصف الطريق، ثمّ ذهب كلٌ منّا في طريقه، هو إلى صباحٍ آخر، و أنا إلى خارج المنزل.
كتبت إسم إحدى أصدقائي الذي وعدته بذلك سابقاً على الثلج، و أرسلت له كصورة إلتقطتها، كمفاجأة له حتّى أسعده اليوم.
رفعت صوت الموسيقى، و تمشيّت كثيراً، و تعمّدت أن أتمشى فوق الثلوج الكثيفة، المرصوصة فوق بعضها البعض، و لم أعلم لاحقاً أنّ قدمي سيتألم جرّاء ذلك، و سأدفع الثمن جرّاء تعمّدي هذا.
حين كنت في الطريق إلى المنزل كان الظلام قد حلّ بالفعل، لكنّني أحمل نوري معي منذ أن شعرت أنّ هناك خطبٍ ما.
لم يعد يرعبني الظلام، لم أعد أخشى الأماكن الهادئة، و الموحشة، في الحقيقة أصبحت أتفهّمها بشكل أكبر.
أنا أيضاً كنت موحشة يوماً ما، كان الجميع يفرّ منّي، من يعبر بجانبي تتسارع خطواته، و من يمرّ من خلالي تزداد نبضات قلبه بشكل مهول لينتهي به الطريق إلى تَركي وحيداً، بالرّغم من أنّني لم أكن أفعل شيء، فقط لأنّني كنت هادئة، و خالية، و على طبيعتي إلى حدٍ ما.
كنت أبدو مُرعبة للذين كانوا يتركونني وحيدة في الطريق، و الآن أصبح لديّ إنارة، تشرح للعابرين عاديّتي، و تطمئنّ المارّة، و تضيء الطريق، و تؤنس من حلّ.
أصبحت أقلّ وحدة، بالرغم من أنّني لم أتغيّر، ما زلت هادئة، و خالية، لكنّه أمرٌ دافئ أن تكون مفهوماً، و مليئاً بالوضوح.
وصلت إلى المنزل أخيراً بعد أن تتبّعني كلاب الليل للحدّ الذين أخافوني قليلاً، كان إنارة منزلنا مغلقاً، خمّنت حينها أن والدتي قد نامت.
فتحت باب حجرتها الذي تتركه مفتوحاً دائماً، و الضوء الصادر من هاتف والدتي يشرح قلقها، و إنتظارها لي، بالرغم من أنّني عدت فارغ اليدين، لم أكن أحمل سوى المزاج السعيد التي لم أفهم سببها منذ الصباح.
الآن، و قد أغلقت باب حجرتي في الحادي عشر، و النصف ليلاً، ما زلت أحمل شعور الصباح معي، و لا أعلم كيف أصف الأمر، و أكتب لك عزيزي القارئ.
لا أجيد التعبير عن سعادتي، إنّما فقط إحساس أشعر به، و يمكن أن يقرأها أحدهم على ملامحي، و يلاحظ بريق السعادة في عيناي يمكنه أن يخبر الكثير عن سعادتي أكثر منّي.
و تلك الإبتسامة التي لا تفارق محياي تبدو حقيقيّة جداً هذه المرّة، و إنعقاد حاجبي زال للحظة، و الصمت المُقلق غادرني للحظة، -و أخيراً- قلت لنفسي.
شعرت بتحسّن طفيف، بيد تمسح على قلبي، بنسيم باردٍ يعبر من خلالي، بوردةٍ تتفتّح في داخلي، بأنّ النور تحوّل من أمل إلى حقيقة.
شعرت أنّ اليوم الذي تساقط فيه الثلوج في المدينة، كلّه كان عبارة عن عناق طويل، عناق طويل لم أشعر به منذ ثلاثين تموز العام الماضي ، و أنّني لم أجد حزناً قط، و لم أشكو ألماً، و لم أعرف تعباً.
كما لو أنّني ولدت من جديد، كما لو أنّ الجرح أصبح فجأة إبتسامة، و الحياة إرتدت حلماً.
بدأت الجروح تشفى، بدأت الأحزان تُنسى، بدأت الضحكات تعود إلى مجراها القديم للحظة، و بدأت أشعر بالحياة تجري في شراييني مجدداً.
شعرت بتحسّن طفيف، من غير سبب واضح، أو ربما شعرت بتحسّن طفيف جرّاء تساقط الثلوج، كلّ هذا الشعور بدأت تأتي عندما رأيت الثلوج.
يبدو أنّنا لا نحتاج إلى سعادة لكي نتحسّن، يكفينا أن لا يحدث شيء سيء فقط.
ربما ما زال هناك القليل من الألم، ليس القليل فحسب إنّما الكثير، لكنّه لم يعد مهماً، أصبح عادّياً للغاية، لا أشعر به حتّى، لكنّني ما زلت أتذكّره أحياناً، و كأنّها حدثت في البارحة.
الألم لا يُنسى، يُشفى و يزول، ثم يأخذ الجرح مكانه في قائمة الندوب.
يقلقني أن السعادة أحياناً يمكن أن تكون وهماً، لا أنكر ذلك، و لا أعرف كيف أفرّق بين الوهم، و الحقيقة في موقف هكذا.
أعني لديّ بضع إبتسامات أخبئ خلفها حزني، هل تسمّى تلك سعادة؟.
لا أعلم لكنّني سعيدة الآن على كلّ حال، لأنّني إستطعت أن أودّع الثلوج بما شعرته عندما رأيته يتساقط بكثرة، و أفضّل ألا أعلم ما الأحزان الذي ينتظرني لاحقاً، سأتعامل مع كلّ حزنٌ على حدة، لا بأس.
وداعاً أيها الثلوج، فهل هذا الوداع يكفي؟.

تعليقات