الضياع بعد الصدمات
عندما يحدث كلّ الذي كان يجب أن لا يحدث!.
عندما يخذلك كلّ الذي كان يجب ألا يخذلك!.
عندما يجبرك القدر أن تتخلّى عن كلّ الذين شددت على أيديهم!.
حينها عزيزي القارئ سيُسرق منك الأمان في أشدّ اللحظات أماناً، و سيتشقّق الجدار الفاصل بينك، و بين الألم، و سينكسر نقاء روحك، و سيتمزّق رداء الألفة الخاصّ بك، و سيلطّخ الحزن وجه سعادتك، و سيحطّم القلق قلب إنتظارك، و ستفقد من يديك عكاز الصبر الذي إستندت عليه، و سيطفيء قسوة الدرب بريق محبّتك، إلى أن يتبيّن لك أنّ الوجه الذي كنت تطارده سراب.
يا للهول! ما أقسى خيبة الضياع بعد الصدمات.
إنّها تجعل المرء يفقد صوابه، يذهب، و يعود في الدرب من غير هدف، يحمل خيبته، و يجوب أرجاء البلاد لعلّ أحدهم يعرف دواءً لها.
يريد التأكد من حقيقة ما جرى، و يفرّ بعيداً في الوقت ذاته لا يريد أن يفهم شيء.
حتّى هو -نفسه- لا يفهم ما الذي أصابه، كأنّه كان يسير، و فجأة تلاشت الطريق من تحت قدميه.
يحاول أن يركض لكنّ الخوف من خيبة الضياع بعد صدماته سلب منه شجاعته.
يحاول أن يعود، و يعاود عيش حياته طبيعياً مثل أيّ شخص آخر، و لكنّ الوقت كان متأخراً جداً على التراجع، و حين يرى أحدهم وجهه سيطمئن على نفسه أنّه بخير لوهلة، ثمّ يتغيّر ملامحه حين يتذكّر خيبته، و ضياعه عندما إستقبل صدمات كانت قاسية عليه جداً.
دون جدوى يحاول أن يمّد يده إلى الفراغ لعلّه يمسك شيئاً، و لكن لا يجد غير حذره القديم يؤنبه على تخلّيه عن نفسه.
-أرأيت؟، كلّ شيء تخلّى عنّي حين تخلّيت عن نفسي- يقول لنفسه!.
عندما يتحاشى خيبته هذا يجلس ينظر إلى الأفق، يضحك كثيراً، و يحزن قليلاً، و يتحدّث مع نفسه لحظات لا تنعدّ على الأصابع.
يحاول أن يسرق أملاً من وجوه العابرين، ينطوي إلى وحدته كلمّا تذكّر شيئاً، و يفتّش في ملامحه عن أيّ ردة فعلٍ يُذكر.
هؤلاء النّاس أراهم محطّمين للغاية عزيزي القارئ، لقد سرقوا منهم أرواحهم، و تركوهم كجثّة، وردة قطفت لكي توضع على القبر.
الخيبة تتجول في قلوبهم، و ينكسرون كلّ يوم -أملاً، حباً، ثقةً، رغبةً، بسمةً، وهجٌ طفيف، أيّ شيء، بل كلّ شيء-.
لقد تحطّمت كلّ الأشياء العزيزة على قلوبهم، و تركوهم خاويين، مليئين بالحطام، تعمّ الوحشة أرجاءهم، يسكن البرود أطرافهم، تعلوا اللامبالاة ملامحهم.
ليس كلّ هذا فحسب، إنّما أيضاً يقفون على أطراف أرواحهم، يمّررون أيديهم على جروحهم، يحدّقون طويلاً في ملامحهم محاولين تجاوز خيباتهم كأيّ شخص آخر، و لكن لا يشعرون بشيء!.
لماذا يجب عليهم أن يشعرون و قد خدّر الخيبات أرواحهم!.

تعليقات
إرسال تعليق