الهرب


 

يبدوا أنّ الهرب هو الحلّ الوحيد عزيزي القارئ، الهرب من المواجهة، من الخوف، و الندم، من الفراغ، و الإمتلاء، من الملل، و القلق، من اليأس، و الأمل، من التعمّق، و التعلّق، من اليقين، و الشكوك، من الجهل، و الفهم، من الحبّ، و العائلة، من شعورك، و تفكيرك أيضاً، من الأخرين، و من نفسك!.
يمضي الإنسان نصف عمره في البحث عن حياته، و نصفه الآخر في الهرب منها، و هذا صحيح عزيزي القارئ.
يهرب من كلّ شيء إلى كلّ شيء، يهرب من شيءٍ ما إلى شيءٍ آخر.
-ألا يشعر المرء بذلك؟- أتساءل.
و أنت تغادر المنزل، و أنت تعود إليه، و أنت تقرأ كتاباً، و أنت تتأمّل السماء، و أنت تكتب، و أنت ترسم، و أنت تبحث في قائمة الرسائل عن شخص تريد أن تتحدّث معه، و أنت تتجوّل في قائمة الأغاني، و أنت تشاهد الأفلام، و المسلسلات، و أنت تغلق هاتفك لساعات طويلة، و أنت تذهب إلى النوم، و أنت تريد أن تتناسى أمر لا تستطيع نسيانه أو لا تريد نسيانه!.
ألا يشعر المرء أنّه يفعل كلّ ذلك هرباً من شيءٍ ما؟.
ألا يشعر، و هو عائد إلى حجرته في نهاية اليوم أنّه أخيراً تسنّى له الهرب؟.
ألا يجتاحه رغبة المفاجئة في التخلّي عن كلّ شيء، غير مبالياً بالخسارة التي سيكلّفه إياه بذلك؟.
المرء يودّ فقط لو أنّه يتجرّد من كلّ شيء، و يمضي، و لا يهمّه إن كان ثمّة مكان يهرب إليه أو لا.
أنا أيضاً -مثل أيّ شخص يريد الهرب أو يحتاج إلى الهرب- أحاول الهرب، و لا أنكر ذلك، لكن إلى أين؟ كلّ الأماكن تبدوا متشابهة.
إلى أين يهرب المرء إن كان ما يهرب منه في داخله؟.
أكاد أجزم أنّ الهرب سينقذني مراتٍ عديدة عزيزي القارئ، و داوتني المواجهة مرّاتٍ أكثر، لكن هذه الخيارات ليست متوفرة دائماً.
غالباً لا نملك حقّ الإختيار، فجأة نجد أنفسنا داخل أرض المعركة.
أحياناً نضطّر إلى المواجهة، و أحياناً نهرب لأنّها لا تستحق.
أحياناً نهرب لأنّنا سبق، و خسرنا فعلاً، و أحياناً لا المواجهة تجدي نفعاً، و لا الهرب يقود إلى مخرج.



تعليقات