الغضبُ الحميم


 

الأيّام الذي مضت صديقي كان يعبّر عن حبّه لي على أوراق دفاتره، و أنا لا أعلم عن حبّه، و هذا يشعرني برغبة عارمة بالبكاء، لا أعلم فرحاً أم حزناً، أم كلاهما أم لا شيء منهما، لا أعلم، لكنّني ممتلئة، الصورة جعلتني أشعر نفسي ممتلئة للحدّ الذي أريد أن أبكي دون توقف.
أشعر بحنين غريب لأيّام كنت أفرّ منه رغم معرفتي السابقة عنه أنّه صديقي، و يحبّني!.
أفكّر عن الأيّام الذي قضيته، و أنا بعيدة عنه، و لم أصل إلى نتيجة!.
عندما يأتي الأمر إلى قضاء أيّامي بدونه أشعر أنّ ثمّة شيء مُبهم يغلّف قلبي، و يضغط عليه بشدّة، شيء يشبه الغصّة لكنّه في قلبي.
حقاً لا يعرف ثمن الشيء إلا فاقده، و للأسف أنا أعرف قيمة الأشياء جيداً، و أفتقدها لاحقاً.
أفتقد عندما كنّا صغاراً، و يأتي إلى منزلنا، و أجعله يأتي إلى زاوية حجرتنا الكبيرة حتّى ألعب معه حقيبة من الألعاب الطبية الذي إبتاعها لي شقيقي الكبير.
أفتقده عندما أصبحنا مراهقين، و كان يأتي إلى منزلنا أيضاً، و لا أظهر نفسي أمامه، فكان يسأل والدتي عنّي، و تقول له أنّني جالسة في حجرتي، و لم أظهر نفسي أمامه، و أمام عائلته خجلاً منهم، فكان يركض نحو حجرتي هارباً من شيءٍ ما أو شخصٍ ما دون أن يتضايق منّي على عدم إظهار نفسي له!.
أفتقد الدفء الذي كان يحمله لي عندما كان يقول لي:

 "كيف حالِك؟".

أفتقد الجلوس معه بالرغم من أنّني لم أكن أطيل الجلوس معه لكن كان مجرد الشعور بوجوده يكفي لزرع البهجة في قلبي!.
الآن، و أنا بعيدة عنه ما زلت أملك البهجة لكن قلبي لم يغادر منزله قط.
بعد أن كبرنا، و دخلنا في عُمر العشرينات، كلينا مضينا في دروب الحياة المختلفة كما هو مقدّر لنا جميعاً أن نفعل ذات يوم، مضينا في دروب موحشة، و بعيدة عن بعضنا البعض لا مؤنس فيه إلا الله ثم دعاء والديّنا.
نعم ما زلت أسمع همسه، و هو يتحدّث لي رغم آلاف الكيلومترات الذي كان، و مازال يفصل بيننا، ما زلت أشعر بوحشة يومه الذي يقضيه بدوني، ما زلت أشعر بالحبّ الذي يخزّنه لي كلّ يوم، ما زلت أشعر برغبته الشديدة لوجودي بقربه، و لكنّني لست معه، لست بقربه، و ما زلت أبكي كلّما تذكّرت ذلك!.
لم أكن هكذا صدّقني يا صديقي!.
لقد كنتُ رائعاً للغاية، و ما زلتُ رائعاً، لكن ما أقصده هو أنّني لم أكن بهذه الشخصية المعّقدة، و اللامبالاة، و البرود، و التعب الذي تراه جلياً على كلّ ما أقوله لك، أو أفعله لك.
كنت أعرف هذه الكلمات، و أقرأها، و الآن أفهمها، و أكتبها، و الفرق شاسع لو كنتَ تعلم، كما أنّ الفرق شاسع بين مَن كنت أنا بالأمس، و بين مَن أكون اليوم.
كانت السماء في صدري صافية، و اليوم أصبحت مليئة بالغيوم -بالغضب الحميم- تحديداً.
و المطر هو حصادي الذي أحبّه، رغم الأجواء المُثيرة للقلق، رغم أنّ صفو السماء معكّر، رغم كلّ شيء أحبّه.
لكنّني أحياناً أتمنّى لو أعود طفلة صغيرة كما كنت، و أبعد كلّ شخص أبعدني عنك.
لو أعيد سيناريو حياتي التي قضيته بدونك معك مجدداً، لو نرجع كما كنّا خفيفين نستطيع إنتحال شخصية ريشة حينما نشاء، و نحلّق دون حذر من السماء، دون قلق من عاصفة قادمة، دون أن يثقلنا شيء!.
تعلّمت كيف أكتم غضبي مُنذ مدّة طويلة، أحببت الأمر في البداية، ردّة الفعل الهادئة كلّما كان عائلتي تتحدّث عن صديقي هذا، و عائلته.
الأعصاب الباردة كلّما كنتُ أرى -صديقي الحميمي- مع صديقه المفضّل.
عدم التفكير في إصلاح الأمور الذي أفسدها الغضب عندما كبُر المسافة بيننا، و أصبح هناك فجوة في علاقتنا، كانت النتيجة رائعة.
ثم بدأ التعب المؤجل، و الغضب المكتوم يظهر شيئاً فشيئاً، في الأوقات الخطأ، و الأماكن الخطأ، و أمام الأشخاص الخاطئة أيضاً.
أردت إستعادة غضبي القديم لكن خوفي من مواجهته منعني من ذلك، بعد ذلك ضللت أحيا بين الخوف من الغضب، و التعب من الهدوء، أكتم، و يفيض الأمر من ملامحي.
أردت أن أغضب لكنّي شعرت بالتعب على تقديم أيّ ردة فعل إتجاه أيّ شيء.
أردت أن أهدأ لكنّ الغضب المكتوم أكلني من الداخل دون توقّف أو رحمة. 
توالت الأيام، و أصبح شهوراً حتّى إبتعدت عن صديقي هذا آلاف الكيلومترات بعد أن كنت بعيدة عنه بالفعل، ثم مضت الحياة بين غضب مستعر، و برود لا يطفئ شيء.
تارّةً أتناسى، تارّةً أأسى، تارّةً أسخر، تارّةً أقول أنا سبب في بعدهُ عنّي، تارّةً أقول كان مقدّراً لنا من البداية أن نصبح أصدقاء حميمين جداً رغم آلاف الكيلومترات الذي يفصل بيننا.
في النهاية ما الشيء الرائع أكثر من أن يكون لديك صديق يحبّك، و يخفي عنك ذلك، و يكتب في أوراق دفاتره عنك، معبّراً عن حبّه لك؟، أليس بهذا كافٍ؟.

تعليقات