إشتياق خاوي لتمجيد اليالي مجدداً



لم يكن النضج بالعمر أو بالرقم الذي يزيد كلّ سنة، كان النضج في إحدى الليالي التي إتخذت فيه أنّ صديقي هو صديقي، و إتضح أنّه ليس صديقي!.
التي ظننت فيه أنّه مثلي، و أنّ قلبه مثل قلبي، و لكن كانت الصدمة عندما إتضّح عكس ذلك!.
التي ظننت فيه أنّه يشاركني كلّ ما في باطنه كما أشاركه كلّ ما في باطني معه أيضاً!.
و هنا، ذكّرني بالتعبير الحقيقي للرافعي الذي يشمله تماماً:

"ما دام أنّ لكلّ امرئٍ باطن لا يُشركه فيه إلا الغيب وحده، ففي كلّ إنسانٍ تعرفه، إنسان لا تعرفه".

ماذا يمكن أن يجني الإنسان من علاقة تجعله كلّ صباح يفكّر فيما يمكن أن يدافع به عن نفسه اليوم بينما هو بريء تمامًا؟، و يراجع شرحه لأفكاره كي يستمر في جعلها أكثر وضوحًا بينما هي واضحة جدًا؟، و ينظر للمرّة الألف في مطالبه كي يحذف منها ما يجعلها تبدو متعنّتة بينما هي كلّها شديدة البساطة؟.
علاقة يحاول فيها الطرف الأول الكثير بينما الطرف الآخر لا يبادر؟.
علاقة يريد أن يتشبّث بها، و في الوقت نفسه يريد أن يتخلّص منها، و كأنّه يتناقض بالرغبة المُبهمة ما بين عقله، و قلبه!.
علاقة طورّتها مع شخص بشكل كبير، و تمسّكت فيه، و تخلّيت عن باقي علاقاتك من أجلها؛ الذي يتضّح لك فيما بعد أنّ هذه العلاقة هي التي سببت لك أكبر خيبة بحياتك!.
إنّه لأمرٌ محزن بحق، أن تبقى في علاقة -أياً كان نوعها- لفترة من الزمن، و بعد ذلك تكتشف أنّك لم تترك أثراً بينما كنت تحاول أن تترك أثراً؟، و وجودك الذي ظننته مُهمّاً للطرف الآخر أصبح مثل عدمه؟.
أنت الذي لم يكن أحد يستطيع الإستغناء عنك أصبح سهل الإستغناء عنك!، كلّ الذي فعلته ضاع، و بقي الطرف الآخر يعتبرك شخص عادي جداً في حين أنّه أهم شخص في حياتك!.
أنت الذي أعطيته من وقتك، و كنت تجاوب على رسائله في دقائق قليلة بينما هو لا مُبالي!.
الإفراط في الأوهام، و التوقعات الذي أوقعت به نفسي كان مؤذي، و مؤسف جداً، و هذا من إحدى الأخطاء الذي نقترفه دائماً؛ أنّنا ننتظر اللحظة المناسبة للتخلّي عن علاقة غير صحيّة.
و في الحقيقة اللحظة المناسبة لا تأتي إلا إذا بدأنا، الإنتظار الذي إنتظرته كان مجرّد تضييع للوقت.
صديقي لم يكن من الذين إعتادوا على إستنشاق الكذب، و كان يتوقف عن ممارسته في كلّ مرّة كان يكذب على أحد غاصباً نفسه، حتّى و إن حاول فيه أحدهم أن يقنعه بأنّ يكّذب لأحدهم من أجله.
و لكن كان يرفض، و بشدّة حتّى، و إن حاول الطرف الآخر التوسّل له مئة مرّة، كان من الذين إذا قلت لهم أمراً ما يصغي إليك بكلّ تركيز، و يتفهّمك، و يحاول أن يفهم أمرك بكلّ هدوء، و بكلّ ما أوتي له من قوة يحاول أن يساعدك في حال مواجهتك لمشكلةٍ ما.
لطالما أسميته -مَخرجي!- و ذلك لأنّني كلّما أخبرته عن مشكلةٍ ما واجهته في الفترة السابقة كان يعلّمني على حلّ هذه المشكلة، و كان لا يتركني في حال سبيلي إلا إذا حللت هذه المشكلة.
كان من الذين يكره أحدهم إن كذّب عليه، خاصةً إذا -إكتشف أنّ أحدهم كذّب عليه قبل أن يعترف له بذلك-.
ثمّ بعد ذلك يحاول أن يعلّم الطرف الآخر بعواقب ما فعله به، فَفي قاموسه يرى أنّ هناك -عواقب لكلّ الأفعال السيئة التي تم فعلها، و وقع في فخّه لاحقاً- و إلا سينهي معه الأمر متضررًا في ثقته، مشككًا في مصداقية مَن هُم بعده.
من المشاكل الذي واجهته في الفترات السابقة، و الذي علّمني فيه كيف أحلّ هذه المشاكل هي المشاكل العائلية، بغضّ النظر عن عباراته الإستهزائية، و المليئة بالسخرية الذي كان يقولها لي.
و حقيقة المشاكل العائلية هي إنعدام التفاهم بين أفرادها، و الذي يعدّ من أكثر الأشياء ممكن أن يدّمر نفسيتك عزيزي القارئ بكلّ بساطة، و قد يتفاقم الأمر، و تُصيبك ببعض الأمراض الجسدية الناتجة من الوجع النفسي، أو قد يتفاقم الأمر أكبر من ذلك، و يجعلك تكتم ما تريد الإفصاح عنه رويداً رويداً.
و كلّما كتم المرء أحزانه، و راكمها كلّما تحولت تدريجياً إلى ألم جسدي.
أتخيّل مدى هشاشة المرء حين يظنّ أنّ الكتمان إنتصار بينما هو في الحقيقة أكبر هزيمة قد يرتكبها المرء بحقّ نفسه؛ و كلّ هذا الفوضى لأنّك مُلزم أن تتعايش مع كلّ هذا العُقد.
و عندما بدأ ينتج بيننا ما يسمى بـ -التفاعلات الكيميائية- صنّفت علاقتي معه من العلاقات الذي يجد فيه المرء مستوى الأمان فيها عالي جدًا.
الذي يجعلك تعرف أنّك مهما حصل بينك، و بينه ستتفهمون لبعضكم، و تصغون لبعضكم، ستسند عليه، و أنت متطمئن، لا تخاف أن يتبّدل أحد أو أن يتغيّر أحدٌ على أحد، و لا يوجد هناك ما يحيّرك أو يشغلك بالأسئلة، واضحين، و صريحين، و متفاهمين، و واعيين، و كأصدقاء مرتاحين مع بعضكم البعض.
و الذي يصنّف علاقته مع أحدهم بهذا الشكل يكون أسمى من الحب، و أعلى منزلةً منه. 
و نتيجة تصنيفي لعلاقتي معه جعلني أتعلّق به -روحياً- و التعلّق بالروح صعب جداً.
و عندما تعلّقت به إنبهرت فيه، و هذا الإنبهار جعلني أحبّ صديقي، ليس الحبّ الذي أتى في عقلك عزيزي القارئ كما أتى في عقل صديقي عندما تعلّقت به؛ لا إنّما حبّ صديق عادي!. 
و حبّك لروح شخص كفيل أنّه يضلّ مُلازمك طوال حياتك، ليس مثل حبّك للشكل الذي إنبهارك فيه سيختفي بمجرّد أن ترى مَن هو أجمل منه، أو حبّ التعوّد الذي تملّ منه مع مرور الوقت، لا إنّما هي حبّ الروح.
و عندما تحب روح أحدهم ليس من السهل أن تراها في شخص آخر، لأنّ الروح دائمًا واحدة، و ليس لها بديل.
هذا الإنبهار الذي جعلني أحبّه جعلني أيضاً أعترف له بذلك، فالمرء لا يحبّ حين ينبهر، بل يحبّ حين يشعر بالطمأنينة.
و لكن للأسف صديقي فهم الأمور بشكل خاطئ تماماً.
فكان إستقباله لإعترافي له غير مرّحباً به مما جعله يرفض هذا الحبّ، ظنّاً منه أنّني أحببته كالحبّ الذي خطر في بالك عزيزي القارئ، و لكنّني أحببته كصديق فقط! فأصبح -حبّ من طرف واحد- بالرغم من سوء فهمه لي
واسيت نفسي قائلاً:

"لا بأس بذلك".

الجملة المُحببة لـ -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- أكملت قائلاً:

"إذا أحببتَ شخصاً -أيّما كان هذا الحبّ- و لم يبادلك الشعور المماثل ذاته فلا تحزن، و إعلم أنّه لا يوجد شخص يتفّق عليه الجميع، حتّى نبي الأمّة، الأمر ليس بيده حتّى، و إن كنتَ مليئاً بالحبّ، و المزايا، فالقبول من الله، و أنت أيضاً لا تعلم ظروفه الخاصة، فقط غادر دُنياه، و أتركه لإختياراته، و تمنّ له الخير، و ثِق بأنّ الله سيعوضك بالأجمل".

ثم تساءلت نفسي قائلاً:

"لمَ عندما نجد مَن يحبّنا نحن لا نحبّه؟ أو عندما نحبّ أحدهم فلا يحبّوننا؟، و كأنّنا في خصام أبدي مع الحبّ! ولو شاء القدر و إلتقينا بمَن يحبّنا، و أحببناهم فلا تحبّنا الحياة معاً؟".

أوقات الخصام الذي كنّا نعيشه معاً، ظننته أنّه إختبار للحبّ، و الصداقة بيننا كما هو بين البشر، و حدوثه أمرٌ طبيعي بين أيّ إثنين.
فهناك مَن يخاصمك، و يهدم كلّ ما كان، و مَن يزعل منك، و يزداد بينكم الودّ بعد الزعل دون أن تشعر بالخذلان.
ظننت أيضاً أنّ حقيقة الحبّ، و معدنهُ لا تكشفها إلا المواقف الكبرى التي تعصف بالعلاقة، هي ما تثبّت مدى قوتها، و مقاومتها لصدمات الحياة.
و لكن لم أعلم أنّنا سنفترق فور إعترافي بالحبّ الذي فهمه صديقي بشكل خاطئ!.
بعد ذلك تيقنت أنّ الحبّ ليس إلا -مظلوماً- جداً؛ و ذلك فور إعتراف أحدهم للآخر بالحبّ يحدث الفراق جرّاء سوء فهمه عن الحبّ!.
حسناً؛ أين ذهب الحبّ؟، ماذا عن الحبّ؟.
الحبّ الذي من شأنه أن يكون سبباً لتوحيد أيّ اثنين مع بعضهم البعض حتّى لو كان توحيد في الشعور فقط، أصبح الآن سبباً مُطلقاً للفُراق المباشر. 
الحبّ ليس جريمة، و لا ألوم نفسي أو أيّ شخصٌ آخر على مشاعره الذي يحمله إتجاه الآخر، و لكنّني ظننت أنّني عندما أعترف بالحبّ للطرف الآخر سيحاول يفهم أيّ حبّ أقصده أنا!، لأنّ كما قيل قديماً:

"الذين يحبّونك سيخبرونك بالحقيقة". 

و لكنّ المُحزن بشأن كلّ شخصان يفترقان، أنّ أحدهما كان يستطيع بسهولة إرجاع الآخر، كان يستطيع بكلمة واحدة أن يلّين قلبه، أن يجعل كلّ شيءٍ ذبل بداخله يُزهر من جديد، و لكنّه لم يفعل!، و هكذا حصل الفراق!.
من أقسى المشاعر، و أكثرها وطأةً على قلبي كان أن أعود رويدًا رويدًا كالغريب مع من ألِفته روحي، و قرَّ به فؤادي.
الذي كان يعي ما أعنيه من كلمةٍ واحدة أو نظرة، الآن بات حتّى عشرة أسطر لا يقوى على فهم جُملة واحدة منها، و كأنّني أقول:

"إنّي أدوس بساطك اليوم غريباً بعدما كانت هذه الرُّوح منزلي".

الحبّ الذي من المفترض أن يكون جميلاً، و لكنّه يحوّلك إلى شخص في مُنتهى الأنانية، جعلني أيضاَ أغيب فترة طويلة عن أصدقائي الذين لا ذنب لهم بما حصل بي.
للحدّ أنّ إحدى أصدقائي توسّلني لكي أعود له، و أن أمضي قدماً في حياتي بدون صديقي هذا، و سوء فهمه لي، سواء معه أو بدونه الدنيا لا تتوقف، و تستمرّ في المُضي.
عدت لصديقي الذي توسّلني بنصيحة قرأتها من شخص روحاني يؤمن بالسماوات، و الأرض يقول فيها:

"صح دخلة كلّ إنسان لحياتك لها معنى، لكن مو معناه إنّ الشخص حيرتبط معاك روحياً، ممكن هالشخص داخل حياتك بس عشان يعطيك أو يعلّمك درس، و يمشي".

بعد ذلك، إعتراني تغيّر جذري كبير جداً، و شعرت بأنّه قلَب حياتي رأساً على عقب.
و كلّ تغيّر يعتري حياة الشخص، و يضرب في أعمق جذوره، و يهزّ مفهومه عن نفسه، و عن الآخرين، و عن الحياة، يتبعه -بالضرورة- فترة ضياع، تغيّر كهذا يوّلد معاني، و ينسِف أخرى.
و إدراك الشخص لهذا التجدد في بُنية المعاني بداخله، و تعامله مع الموجود، و المفقود، يحددّ بدرجةٍ كبيرة قدرته على إستعادة إتزانه.
ثمّ بعد لك، بدأت البقايا الذي خلّفه صديقي يتلاشى رويداً رويداً عندما إعتقدت أنّه سيكون عُقدةً في أحشائي سيظلّ فيها إلى الأبد.
لكن في يومٍ من الأيام بدأت هذه العُقدة في الإنحلال، و قلّ ألمها شيئاً فشيئاً بينما كان ألمه في السابق لا يُطاق!.
حتّى أدركت فجأة أنّني لم أفكر فيه، و لو لمرّةٍ واحدة طوال اليوم.
و الآن عزيزي القارئ!، لا يمكنني أن أتذكّر حتّى لماذا كانت تؤلمني في السابق بشدّة!.

تعليقات