سبعة و ستون دقيقة
في العاشر من تشرين الأول في عام 2021، و بعد إمتحان الرياضيات الذي فاجأني بصعوبته المعتادة، وصلت لمرحلة أنّني بدأت أنزعج من إدراكي الواضح جداً لدقّات قلبي، دقات قلبي أصبحت تزعجني فجأة عزيزي القارئ، تساءلت، و أنا أتسارع في خطواتي للخروج من الكلّية:
"هل ما يحدث طبيعي؟، هل هذا يحدث للشخص الطبيعي؟".
شعرت بأنّ ثمّة عُزلة هائلة في داخلي، و لا رغبة لي في أن أخاطب أحداً من الناس، و ظننت أنّ مُراودة هذا الشعور الغريب بسبب إمتحان الرياضيات الصعب، فكنت أتغلّب على نفسي ثم أعود، أتغلّب على نفسي مرّةً أخرى ثمّ أعود مرّةً أخرى أيضاً، و هكذا، و في كلّ مرّة كنت أنتصر كنت أنهزم أيضاً، يا للأسف، قد يتحرّر المرء من نفسه من كلّ الأشياء بعدما كان مقيّداً من قبل أشخاص، كلمات، أماكن، أشياء لا أهمية لها، للحدّ أنّه يخسر أعزّ صديق لديه، صديق بالأمس أخبرَه أنّ لا شيء هناك غير الموت ليفرّقهما.
بدأت أتجنّب الحديث مع مجموعة من الطلاب، و الطالبات اللاتي خرجن من القاعة ليتساءلوا بعضهّن البعض عن حقيقة مدى صعوبة الإمتحان، أعتقدوا جميعهم أنّني أعاني من رهاب إجتماعي، و ظنّوا بي ظنون سيئة جداً، و في الحقيقة عزيزي القارئ أنّني بريئة من كلّ هذا، و الأمر يكمن في أنّي إجتماعية مع الأشخاص الذين أرتاح في القُرب منهم، أبتهج بجوار الذين يطمئنّ قلبي لهم، -أنا لست غريبة، إنمّا فقط أنا لست هي أنا مع كلّ الشخصيات- قلت لنفسي.
فجأة في وسط خضم هذه الأمور المُربكة لي، إتصل بي أستاذي، و الذي أسميه في الوقت عينه صديقي، الذي نظر إليّ يوماً ما، و سرد نقاط قوتي، و ناقشني في عيوبي، و أنا بدوري كالعادة أزددت حبّاً، و شغفاً به، إتصل بي راجياً منّي مجيئي كزيارة ودّية في منزله الصغير، وافقت على طلبه الغريب، و لأول مرّة.
أنتظرت دقائق قليلة مجيء باصٍ ما، ثمّ أتى الباص الأحمر الصغير، و صعدته، أوصلني الباص إلى المحطة المنشودة، أوقفت الباص ضاغطاً الزر الأحمر المُشار للتوقف، أكملت طريقي ماشياً نحو منزله الذي لم أراه قط في حياتي، وجدت منزله أخيراً بعد أن رأيته مُستند على نافذته، يلّوح لي من الأعلى، و الإبتسامة تعلو وجهَه الأبيض، خطيت خطواتي فوق الساحة المسطّحة ذات اللون الأحمر، و دخلت المبنى المتكّون من شقق كثيرة جداً، ضغطت على زر المصعد الموضوع عليه شكل السهم المُشار إلى الأسفل، و أنتظرت ثواني قليلة قدوم المصعد من الأعلى إلى الأسفل، دخلت المصعد، و أنا أستنشق رائحة عطر قويّ جداً متعجبّة بالرائحة الذي جذبتني فور إستنشاقي، وصل المصعد الدور الرابع الذي يتوسطّه شقّته، خرجت من المصعد لأراه أمامي يلّوح لي مرّةً أخرى، مشيت نحو شقّته، و صافحته يداً، و عناقاً، إبتعدت عنه مبتسمة، لاحظت عيناه الباهتتين، شعره البنّي المائل للون الأحمر المبلل الذي بدا لي للتوّ أخذ دشّاً دافئاً، و وجهه شاحب، و هزيل.
لم يتحدّث في البداية، و لم يكن لديّ ما أقول له أيضاً، كلّ المشاعر إنسحب إلى الخلف، و تراجع كلّ الجيوش المُنكسرة، كنت أشعر أنّه يحاول أن يستجدي الكلمات، و هو يعدّ لي شاهي أحمر بإحدى يديه، و الآخر يحضّر لي مكّسرات مجفّفة، و فواكه مقّشرة، ولكن دون جدوى، غريبة هي الحياة عزيزي القارئ، إلى حدّ شعورك بالضيق لإحساسك الخفي بأنّ صديقك الذي لا تفكّر فيه كثيراً يمرّ بأزمة تجهله ثم يخبرك عيناك لاحقاً بصدق حدسك.
بدأت الحديث أنا سائلة:
"كيف يرى هذه السنة، هل تفضلّنا نحن طلابك القدماء أم الجدد؟".
و عندما حفّزت شيئاً ما كالحديث في داخله ظلّ كامناً في أعماقه طوال ذلك الوقت كله، قال لي:
"كانت هذه هي المرّة الأولى في حياتي التي ينتابني فيها مثل هذا الشعور".
الدعم النفسي الذي سنتلّقاه من قبل أشخاص لا يُنسى، لا يُنسى أبداً مهما كان هذا الدعم النفسي، و مهما كان هذا الشخص، و في الحقيقة عزيزي القارئ أنّ الحياة أقصر من الوقت الذي تنفقه في التغلّب على خجلك لتبدأ حواراً مع شخص يثير إهتمامك، الحياة أقصر بكثير من أن تنفقها في عمل لا يثير فضولك إتجاه المزيد منه، و لا يرضي جوعك للدهشة، الحياة أقصر من أن تقضيها في قصّة قصيرة باهتة لا تتحدّى مخيّلتك فقط لأنّ شبحاً صغيراً جداً، و يقنعك دائماً أنّك لا تستطيع، أنت لا تريد هذا لنفسك، أنت في الحقيقة أفضل من هذا بكثير، الحياة قصيرة جداً، و لكنّها غالية جداً.
في وسط محادثتنا تذكّر أستاذي -صديقي البنفسجيّ الذي يحبّ اللون الأبيض- و تساءل عنه قلقاً، و ذلك بسبب آخر محادثة خضناه عنه معاً يوماً ما.
أجبت عليه مبتسمة إبتسامة عريضة:
"أليس لذيذاً عندما يُراودك شعور عندما تخرج من محادثة شخصٍ ما؟، تقوم بالمشي في جميع أرجاء المنزل، و تُحدث فوضى مع مَن تصادفه في طريقك، تفتح الثلاجة، و أنت لا تعلم ما تريد!، تشعر بطاقة مُريبة لدرجة أنّ لو يُطلب منك أيّ شيء ستقوم به على الفور، بسبب حماسك، و حبّك لمزاجك التي أصبحت عليها بسببه، تعود تقرأ المحادثة الذي خرجت منها للتوّ، و تتأمّل كلّ شيء تحدّثت عنه أنت، و هذا الشخص الذي جعل روحك كالفراشة ترفرف للحظة، و كأنّها المرّة الأولى، لذيذ هذه الشعور أليس كذلك؟".
لم يقُل شيئاً، و ظلّ يناظرني مبتسماً، أكملت حديثي قائلة:
"عندما كنت طالبة في الثانوية، و بعد الثانوية أيضاً، كنت أتأمّله يهرب من المُجتمعات المُهيبة الذي يتكدّس بعدد كبير من الأشخاص، و كأنّه خائف يريد أن يرتمي بحضن أحدهم، تسائلت نفسي حينها، أين يذهب كلّ يوم، و يختفي من أمام أنظار الجميع؟، فإذا بهروبه كان يدفعه إلى قراءة الكتب أحياناً، إلى دورة المياه ليجلس أسفل الدّش الساخن حاضناً نفسه بكلتا يديه أحياناً أخرى، إلى رغبته المُلّحة لفوق الأسطح ليلاً ليتأمّل السماء أولاً، و يلتقط صوراً للنجوم لاحقاً، إلى حاجته للرقص الباليه كلّما فرغ إحدى حجرة منزلهم الكبيرة، شعرت أنّ حاجته للهروب كان يدفعه للهروب إلى الحياة المُخبئة خلف كلّ ما كان يهرب إليه.
يا لروعة إحساس حبّ المرء عندما يحبّ صديق يرى أنّ عينيه أجمل العيون في الدّنيا، و كأنّه أتى من خارج حدود الزمن، و أنّ عينيه لا مثيل له على وجه الأرض، بينما في الواقع بلا مُبالغة هي مجرّد عيون لا أكثر، و لا أقل، سيكون المرء محظوظاً أكثر إذا كان لديه صديق واحد على الأقل يحبّه، صادقاً معه في القول، و الفعل، ينبهر به، يطمئنّ عليه، يخشى عليه تقلّبات الأيام، و مرارتها، سيكون محظوظاً إذا كان لديه صديق واحد يتذكّره فيزدهر به الحبّ، و ينمو في قلبه".
قاطع حديثي قائلاً:
"أنتِ التي محظوظة!، لأنّ في حياتكِ لديكِ شخص يُقال عنه صديق، بينما في هذا الزمن قلّ الذي يُقال عنه صديق!، صديق يعرف الوقت الصائب الذي يلقي فيه كلماته الدافئة على قلبكِ، و كأنّكِ أنتِ مهمّته الوحيدة ليغمركِ بالسعادة طوال اليوم، فلتكوني على علم بأنّ من يريدكِ في حياته يعرف كيف يحافظ عليكِ، لن يهملكِ عن أحاديثه، لن يهمّشكِ عن تفاصيله، لن يخذلكِ، لن يدعكِ تنتظري، و يختبئ هو خلف أعذار مصطنعة".
أجبت عليه بـ:
"أرى البقاء معي أمر صعب للغاية، فالكثير لم يعجبهم شخصيتي، و هكذا أقول لنفسي كلّما خسرت شخصاً في حياتي، و أرى نفسي أيضاً معّقدة، لا أعطي إلا القليل، حتّى و إن أعطيت سأعطي أشياء حقيقية، أشياء لا تغادر أي شخص عاشرته في حياتي، حتّى و إن غادرني هذا الشخص، و لكن -صديقي البنفسجي الذي يحبّ اللون الأبيض- إنّه عقدي، و شكوكي، و مشاعري المتقلّبة، و مخاوفي الكثيرة، و إضطراباتي اليومية، و إحتياجاتي البسيطة، و تناقضي، بل أظنّ أنّه كلّ المشاعر".
إحتسى الكأس الأخير من الشاهي الذي أعدّه لي، و قام يعدّ إبريق آخر من الشاهي، و عندما إستوى الشاهي أتى صبّ لي، و لنفسه أيضاً، ثمّ جلس بجانبي، و تساءل عن -صديق الغُربة- في الأيّام الأخيرة الماضية، أجبت عليه، و أنا أتناول المكسّرات المجفّفة:
"نحن نعيش في خيالنا أكثر من هذه الحياة، نحن عادةً لا نكره شخصاً نحبّه، و لكنّنا نكره الإهمال، و الخذلان، و الكذب، و الخيبة، و الإنتظار، و كلّ المشاعر المُشابهة الذي يأتينا منه، نحن نتقبّل كلّ الشعور البشع في هذا الدّنيا، إلا شعور العجز، كلّ يوم يُتعبنا هذا الشعور، ثمّ يُراودنا شعور يقينٍ ما، نتيقّن أنّنا سنتشافى من كلّ الجروح بالمواجهة بها، و ليس بالهرب منها، و هذا اليقين المتأخر يشعرنا فجأة بالغضب، و ذلك بعد أن بذلنا جهداً كبيراً راودتنا شعور اليقين، و أن يغضب المرء من نفسه ليس بالأمر السهل قط.
في قمّة يأسي من العلاقة حاولت أن أرى بصيص الأمل لكن في نهاية الأمر الفشل كان حليفي، فلم يعد هناك شخص ليقول لي علاقتنا، و بقاؤنا معاً أهمّ من أيّ خلاف حدث بيننا، و إنّه لشيء مُرعب بحق، أن أمر بجانب مَن أخبرته تفاصيلي، كالغريب، عندما كنت أغرق بعد إنتهاء العلاقة إعتقد -صديق الغُربة- أنّني لن أخرج من دوامة الغرق هذه، فإذا بي الآن أقف شامخة حتّى أمام المحيط، أتساءل كم المرء يكون مُنسي للآخرين، و حُر في خياله عندما يسرح، و يتخيّل!، -صديق الغُربة- لم يكن سيئاً، بل الأيّام جعلته سيئاً حتّى تيقّنت مع جميع مَن تيقّنوا بأنّه سيء بالفعل".
قاطع حديثي قائلاً:
"من أبشع ذنوب المرء أن يحبّ، أن يلّطخ روحه بالحبّ، و ياليت يتوب عن هذا الذنب، و لكن لا بأس، فثمّة أحدٍ ما في هذا العالم سيشارككِ دهشاتكِ الصغيرة، و تفاصيلكِ الخفيّة أيضاً".
أخذ بيديه بضع من مكعبات السكّر، و ألقاه في كأس الشاهي الخاص به، و بدأ يخلط بالملعقة الصغيرة، و عندما إنتهى قال:
"أين أنتي من بين كلّ هذا؟، أين هي سارا؟".
أجبت عليه بإبتسامة:
"ستجد سارا بين المسلسلات، و الأفلام أحياناً، و المسلسلات، و الأفلام غير إنّها مُمتعة هي مُفيدة لأكثر من سبب، منها يطّور المرء لغته، يكتسب خبرات، يعرف يتصرّف، يشعر بمُعاناة الآخرين، و أيضاً يكتسب معلومات إذا مثلًا العمل مُختص بالطب، بالتحقيق، بالمحاماة، بالكيمياء، و إلى آخره، لذلك هي ليست مضيّعة للوقت أبداً، و المشكلة أنّني أملك عقل ناضج بما يكفي لأنعزل عن النّاس لكنّني أيضاً أملك قلب كقلب طفل يخاف من العُزلة، ممزّقة، و تائهة بين نضوج عقلي، و طفولة قلبي، لا أعلم أين أنا من بينهم، و لا أعلم هل هي ميزة، أم لعنة، لكنّني أعلم مَن يستلطفني بصدق، و من يكذب، أعلم شكل الكذب في عيونهم، أعلم سذاجتهم، كذبهم، نفاقهم، و إنقلاب أحوالهم بين يوم، و ليلة، و لا أرد لهم السوء بالسوء كوني أؤمن بعدالة الخسارة، و أؤمن أنّني وجع لا ينتهي لمن يخسرني، و لمن لم يعرفني.
و أنت كما تعرفني أستاذي، أعني صديقي، فأنا ليس لدّي كتاب مفضّل، و لا أغنية مفضّلة، و لا أشخاص بهذا المعنى، و لا أوقات تحت هذا المسمّى، كلّ شيء بإمكاني محبّته فجأة بطريقةٍ ما، و نسيانه أيضاً بنفس الطريقة، و كلّ الذي أفكّر فيه كلّ ليلة عندما أضع رأسي على وسادتي لأنام، متى سيأتي النهار الذي سأرتدي فيه ملابس أحبّها، و أخرج سيراً على الأقدام ذاهباً إلى مكانٍ ما دون تخطيط مُسبق، و في الطريق يعود بي الذاكرة إلى هذه الأيام، و ربّما يجول في قلبي أنّني لم أكن على ما يُرام حينها، لكنّني أيضاً كنت رائعة في لحظات كثيرة.
كلّ الذي أردت أن أقوله أنّ هذه الأيام التي نعيشها الآن إنّما هي ذكريات ستعود بنا الذاكرة لاحقاً، الحياة هي مجرّد ذكريات يتم تسجيلها الآن، يمكنك أيضاً أن تبعث لنفسك أشياء مُضحكة، أو مُحزنة مثلاً لأنّ هذا يعتمد عليك".
تأمّل أرضيّة منزله قليلاً، و فجأة نظر إليّ قائلاً:
"إنّ الله لم يزرع فيك رغبة الوصول لأمرٍ ما، إلا لأنّه يعلم بأنّك قادر على الوصول".
قام من مكانه ليعدّ إبريق آخر من الشاهي، و لكن قاطعته قائلاً بأنّني مصرّة على الذهاب هذه المرّة، و قبل أن أذهب أوقفني، و إختار كتابٍ ما من وسط كتبه الكثيرة الذي كان أمامي، و أهداه لي راجياً منّي قراءته، أخذت منه الكتاب، و أنا أقول له أنّني حتماً سأقرأ لِما لا، و بنفس الطريقة الذي أتيت به إلى منزله غادرت منزله أيضاً، و لكن هذه المرّة كنت حاضنة كتابه الذي أهداه لي، حتّى أتى الباص، و صعدته، و وصلت المنزل أخيراً.
-يا له من سبعة، و ستون دقيقة من الحبّ الغير مشروط الذي عشته اليوم- قلت لنفسي.

تعليقات
إرسال تعليق