الودّ الذي أصبحت أشتاق إليه

 الأسبوع الأخير من اللقاء

السبت، ٣١ تمّوز



لا أعرف كيف يفرّط المرء بذكرياته عزيزي القارئ؟، و كيف يختار أن لا يلمس الأشياء التي كانت تسعده؟، بالرغم من عيشه شعور مختلف لذلك الودّ، شعور فريد من نوعه تماماً، حتّى لو كان واقعه ليس مثل ما صنعه في خياله، حتّى لو كان المُحادثات التي أحدثه في خياله ليس كالمُحادثات التي قِيلت في واقعه.
بكلّ بساطة، و عدم وجود أيّ ذكرى مثالية يخلّد فيها للذاكرة يعيش ذلك الودّ، و يعطي حقّه بدون أن يبالغ حتّى، مع ذلك لا أعرف كيف يفرّط المرء بذكرياته كما لو أنّ غمامة إنزاحت عن عينه، ينظر إلى الصور التي أُلتقطت ذلك اليوم، و يرى أشخاص لا يعرفهم، و لا يعرف سبب إرتباطه بهم، لا يعرف نفسه الذي أصبح عليه الآن بعد أن كان أيّامه جميلة معهم، أحلى من أن يمزّق قلبه حظٌ عاثر.
بالأمس رغم كلّ ما مررت به مع -صديق الغُربة-، و الإمتحان الأخير للأستاذة -عائشة- كان لابدّ لي أن أحزن، و لكن لم أحزن بقدر ما شعرت بالغرابة، فكلّ شيء أصبح غريباً عليّ، شعرت أنّني لا أنتمي إلى هذه المدينة، فقط عرفت أنّ هنالك زوايا أخرى أكثر ظلاماً، و برودة من هذه المدينة، من بعد عودة رجفة اللقاء الغريب أصبحت أشعر بأنّ يجب عليّ أن أغادر هذه المدينة، و لم أُرد أن أبقى، لأنّ الأمر بدا أكبر من أن يدرك بالمنطق، أكبر من أن أستطيع تجاوزه بكلمات الأغاني، و فناجين القهوة، و النوم باكراً، لا علاقة له بتجاوزه بمدى قوتي، و وعيي، و إصراري، لم أريد أن يخبرني أحد بالحكم القديمة، و نصائح الأسلاف، و لا بمحتوى التنمية البشرية، هذه المرّة أردت أن أترك نفسي، و أقف بذهول، و أستوعب قليلاً أنّني هنا، و ما من خيار، لمرّةٍ واحدة أردت أن يدعني الجميع أن أقف بصمت مطبّق دون أن يقولوا لي أنّني يجب أن أتجاوز.
بدأنا بالإعداد جميعنا لذلك الودّ عندما وصلت الجامعة، إنتظرت قدوم أصدقائي في محطة الباص، و أفكاري الكاسفة تثقل روحي بشكل شاسع، أردت الهروب من أفكاري بسرعة، لكنّني لم أملك القدرة الكافية لأفعل، لحظات قليلة مرّت حتّى وصلوا أصدقائي، تبادلنا المُصافحة، و القُبلات معاً، ثمّ أتى الباص ليقلّنا إلى محطتنا المنشودة، -و أخيراً إجتمعنا مرّةً أخرى قبل إنتهاء الأسبوع الأخير من اللقاء، فعندما نجتمع معاً، كنّا نشعر أنّ بإستطاعتنا أن نقهر أيّ شيء بالضحك وحده.
في الطفولة فقط يتمتّع المرء بالحرّية، و لا يشعر بوطأة القيود التي نسميها -شروط الحياة-، و الطفولة عزيزي القارئ لا تعرف وخزات الضمير المؤلمة، لا تعرف الكذب إلا بريئاً صافياً، فكم تجهل الطفولة من أشياء، و كم هو جميل ذلك الجهل بها، أمّا في المُراهقة، فترة عدم الثبات، يفتّر رغبات المرء حوله، و يخسر قيمته لأنّه لم يقم بتلبية نداء قلبه مؤخراً، يجعله أحدهم يفقد قيمته، و ذلك بعد فوات الأوان من الخيبة، و فقدان الثقة، لأنّ التوقيت كان الأهم في المسألة، و لكنّه لم ينتبه، إمّا أن يضيفون القيمة على الأشياء أو ينزعون منها، كان المسألة يدور حولهم، و المرء فقد نفسه بينهم، أمّا الآن، إتضّح أنّني إحتجت الضياء لا أكثر، و لا أقلّ، بقدر محاولاتي لإضاءة الطريق لنفسي إلا أنّني لم أجد الضياء إلا مع أصدقائي.
وحدها السماء الذي أصبح يجمعنا، و يجمع ما بيننا لدرجة السرور كان كافياً لي، كان لدي سمائي الخاص لأحلّق به كيفما أشاء، و الآن أصبح سمائي يضيء بهم، و بوجودهم، كان كلّ شيء يحلّق، حتّى أجنحتي التي بترتها عائلتي بتصرّفاتهم القاسية كانت ترفرف لفرط الخفّة التي راودتني، كان يوم يضيء بها أشعة الشمس في الأفق، و تجعلني أثور بثورة فكرّية، و روحيّة هائلة بمجرّد أن أتأمله، و أتمعّن النظر في تفاصيل بياض شعاعه.
وصلنا إلى محطتنا المنشودة، و بدأنا بإعداد السفرة منتظرين قدوم أستاذاتنا، سمعنا صوت عجلات سيارة قادمة معلنة قدوم أستاذاتنا أخيراً، إجتمعنا حول السفرة، و بدأنا نأكل لتردف إحدى الأستاذات قائلة لنا:

"ذات يوم ستلتقون بالشخص المثالي، و لكن لا تدركن ذلك، تتساءلن إن كنتّن تتمشون مع الشخص المثالي ثمّ تقولن لا، أخطأتم مرّاتٍ كثيرة، و ظننتم أنكنّ مع الشخص المثالي، و لم يكن الأمر كذلك، لأنّنا في حضور الأشخاص الغير مثاليين نحمل صخب عنيف إلى حد لم يُترك لنا قوة للتفكير".

لم يُجيب عليها أحد، صمتنا جميعنا لندرك حقيقة كلامها، و بعد مرور لحظات قليلة لاحظت إحدى أصدقائي يرغب منّي أن ألتقط له صور، و مقاطع فيديو في أماكن حفلة الشواء، فأخذت بحوزتي هاتفي النقّال رغم وجود هاتف صديقي بحوزته، و بدأ صديقي يتصرّف كشخص مهم، و مشهور يلاحقه كاميرات هاتفي، و هاتف صديقي الآخر الذي إنضّم بنا لاحقاً، و كان هذا شعوراً رائعاً، ليس التصرّف كشخص مشهور، و لكن أنّ هناك من هو مهتم بتصويرك كأنّك مهم بالنسبة له بهيئتك المُرهقة في يوم مشمس، و في لحظة عبث، و مُزاح، و في مكان عادي كحفلة الشواء، إكتشفت أنّه ليس مهمّاً إطلاقاً أن يحيطك الكاميرات، و أعين المّارة، عيون واحدة صادقة تشعرك بالرضا تكفيك، عيون صديق تخبرك أنّك لست بنكرة للعالم.
عشت مع أصدقائي، و أستاذاتي ذلك الودّ لحظات إستثنائية كـ -صديقي الإستثنائي السابق- الذي كان يشبهني، رفعت رأسي إلى السماء، و واجهت رغباتي العميقة بشجاعة، و قررت أن أعيش هذا الودّ كما يريد قلبي، كنت على إستعداد تام للإنفلات، و الذوبان بعد مدّة من إستسلامي للتيّار، ‏لأنّني إعتدت على شعور الإستسلام، و الإعتياد شعور ساحق يتبعه إدمان تغذّيه الأيّام المتشابهة، و إن كنت محظوظة سأنجوا من هذا الإدمان بنجاح تجعلني أتأمّل السواد الحالك أسفل عيناي في المرآة، كنت دائماً في شك من أنّ الصديق المناسب لي مختبئ في مكانٍ ما في هذا العالم، كنت أعلم، و لكن لم أكن أرغب بمعرفة مكان إختبائه، كان لديّ هذا اليقين إلى أن حدث ما حدث، و إلتقيت بـ -صديقي الإستثنائي السابق-، و إتضّح فيما بعد أنّني لست مناسبة له، ثمّ أدركت أنّ لا أحد منّا مثالي، فجميعنا نعاني، فقط عندما نجتمع نكمل النواقص الذي نمتلكه، و نصبح حينها مثاليين.
صديقي عندما إختارني كصديق له من بين الجميع لكي يخطو خطوته معي، شعرت أنّ جميع البشر مُسالمين مثله، بسطاء جداً، و ضئيلي الحجم، فقط عندما كان يمشي معي بوجهه الصارم يملك القدرة المُطلقة في التسبب بسعادتي أو تعاستي، مع ذلك أكون في قمّة هدوئي، لست مقتنعة بفكرة سوء تفاهم الذي حدث بيننا في آب العام الماضي ، أودّ أحياناً ان نتحدّث، و نتفّهم بعضنا، عندما شاركته ما كان يزعجني لم أدرك تغيّره منذ فترة طويلة، كيف أو متى حصل، لكن يوماً ما وجدتنا غريبين كأنّ لم يحملنا مشاعر، و لا يجمعنا رحلة، ندمت على مشاركتي الأخيرة الذي تسبّب في فراقنا عزيزي القارئ، لم أكن على علم أنّ الكلمة لها حدّة، و أحياناً حدّة هذه الكلمة التي قِيلت لك، أو قلتها أنت لأحدهم إمّا أن يهزمك حدّتها، أو رقّتها.
كعادتي الطفولية الذي لم يغيّره أحد، أكثر مشكلة أعاني منه هو الصدق، مات الكثير منّي في مهزلة الصدق، كنت صادقة معه أكثر ممّا ينبغي، ما زلت أنال ذلك الضربة، و ذلك الخيبة ممّن ظننتهم أحبّتي، إختلف حالنا بعدما كنت صادقة معه، أصبحت الكلمات أشدّ جفاف، و أقلّ لهفة، عدنا غرباء بعد أن كانت الأرواح واحدة، و في النهاية إختفينا من حيوات بعضنا البعض، و إنطفأنا، و كأننا لم نضىء أبداً، عندما أصبحنا غرباء لم أقلق عليه كثيراً لأنَه بالفعل وجد صديقاً يشبهه، صديقاً يخاطب عقله، و يلامس قلبه، و يلاحق تفاصيله الصغيرة عن ظهر حبّ، مع ذلك كنت أنا المميّزة لديه، كان يرى فيني إختلافاً يستحق الوصل، يستثنيني من بين البشر، و يراني الجمع، و الجميع.
لطالما أحببت المرونة الذي كانت تحدث بيننا رغم ما مررناه، أحببت أن يتحدّث الواحد منّا للآخر، و كأنّه يحادث نفسه، دون خوف أو تردّد، لطالما كان وجوده هو الشيء الوحيد الذي أستند عليه، و أختبئ به من غثاثة الأيّام، و شوائبها، وجوده الشيء الوحيد الذي أحببته، و أردته أن لا ينتهي، أو ينقطع عنّي مهما حدث، دعوت الله كثيراً لكي لا يرحل دون أن أخبره بمدى إمتناني به، لكي لا يرفع الراية البيضاء، و يستسلم للنهايات الحزينة التي تحدث بين أيّ صديقين في هذا الدنيا، و يعلن الرحيل قبل أن أكلّفه بمسؤولية حبّي له، و كأنّي كنت كثيرة بحزني إتجاهه، لأنّ لم يكن لي قدرة على نزعه من قلبي، و لكنّه نزع نفسه بإرادته من قلبي.
الآن بعد أن إفترقنا أتمنّى أنّه يكون فخوراً بوجودي في حياته السابقة، أتمنّى أنّه لم يراني عبئاً في حياته السابقة كما أشعر أنا، لك أن تتخيّل عزيزي القارئ إن فقد شخصٍ ما مثلي وطناً، أو فقد صديقاً، لك أن تتخيّل ماذا حدث بي عندما أتاني الخذلان من حيث آمنت، ربّما بعد أيّام أو سنوات طويلة لكن ليس الآن، ربّما سيعرف أنّني كنت الشيء الوحيد الصحيح الذي حدث في حياته، لكن أخشى أنّ في لحظةٍ ما سيضطّر أن يتذكّر كلّ الحبّ الذي كنت أجعله به، و لم يستطع أن يظهره لي، أخشى أنّه يلاحظ كم حياته أصبحت بائسة بدون هذا الحبّ، أخشى تمرّ السنوات، و تتبّدل المشاهد، و تبقى الصورة مثل ما كانت في لقاءاتنا الأولى، أخشى من النظرة الذي كنت أراه يبقى مترسّخة في عقلي، و لا يختفي، أخشى من هذا الثبات المُرعب، فليالي كهذه كنّا معاً نتحدّث كثيراً، مؤسف أنّه الآن لا أحاديث بيننا، و أنّ الليالي باتت تمرّ من دونه، و الأكثر أسفاً أنّه لا يشعر بمرارة ما أكتبه سواي، فقط عزائي على نفسي لأنَني أكتب عن صديقي الذي كان يجمعني سابقاً، و شتّتني بفراقه عنّي الآن.
أحياناً أحتاج إلى كتف أتكئ عليها، و لكنّي أرفضها خوفاً من سقطة خذلان الذي مررت به مع -صديقي الإستثنائي السابق-، أحياناً فقط عندما أكون وحيدة أفكر بـ -صديقي الإستثنائي السابق-، طريقة ضحكته، شتماته التي كانك لا يستطيع قولها لأيّ أحد، حركاته الجريئة، عندها يهتزّ قلبي، و لا أنتبه له، و كأنّني صمّاء، فلم يكن الوداع سهلاً قط في الوقت الذي رغبت بالمكوث معه، و من أصعب الأشياء الذي قمت به عزيزي القارئ أنّني غادرته، حتّى قمت بالمغادرة فعلاً، و الأكثر صعوبة من ذلك أنّني أعرف أنّني أعتاد عليها لاحقاً حتّى يصبح أسهل شيء قمت به في حياتي، و أنسى كم أنّ ذلك المغادرة آلمتني حقاً في يومٍ من الأيام، و الغريب أنّ حتّى عندما جربت هذه المرارة عدّة مرّات، و تألمت كثيراً إلا أنّني ما زلت أتألم، و كأنّني أجربها للمرّة الأولى.
اليقين بأنّ لن يغيّر من الأمر شيء، و أنا أتظاهر بهذا القدر الهائل من اللامبالاة، بينما أنا أبالي أكثر من اللازم، إنَه يقتل فحسب، بالرغم من قلقي الدائم من النّاس، و هروبي المستمر من النّاس إلا أنّني كنت أراه المُلاذ الآمن حولي، أظن أنّني أحببته لأنّني وجدت فيه الأمان لا أكثر، و لا أقل.
مَن عانى إهمالاً، و صدمات في طفولته عزيزي القارئ يلازمه شعور إنعدام أهليّته للحبّ، كلّ محبّة يحصّل عليها المرء هي مهددّة بالزوال عنده لاحقاً، و عندما يعيش الإنسان حالة حبّ لا يستحقه فإنّه سيمنح لهذا الحبّ مسمّى أقل خشونة، سيقبل أعذار الواهية المقدّمة له، و يختلق أعذار أخرى، سيصدّق ما لا يمكن لعاقل تصديقه، سيمنح الكثير، و يقبل بالقليل، سيجاهد ليصلح ما لا يمكن إصلاحه، سيرضخ لفكرة أنّه لا يمكنه الإفتكاك منه، كلّ هذا لأنّ الحبّ جعله أعمى.
غفرت لنفسي بعدما إفترق عنّي -صديقي الإستثنائي السابق- لأنّني كنت أبحث عن الحبّ في الأماكن الخاطئة، و لم أكتفي بحبّ ذاتي، و في نهاية الأمر الحبّ ليس بهذه البساطة كما يظنّ البعض منّا، إنّه أقوى منّي، و منك عزيزي القارئ، رغم ذلك يعيش فينا، و بعد لحظة، و لحظة يظهر مخاوف، تنازلات، أحزان ضئيلة، قد يتجاوزه البعض، و قد لا، و أن تحبّ شخصاً أشبه بالإنتقال إلى منزل جديد، ففي البداية تقع فى حبّ كلّ الأشياء الجديدة، مندهشاً كلّ صباح من أن كلّ هذا يخصك؛ كما لو كنتَ خائفاً من أن يأتى أحدهم فجأة، و يقتحم الباب ليقول لك أنّ خطأً فظيعاً قد حدث، و أنّه لم يمكن مقدراً لك فى الواقع العيش فى مكان رائع كهذا، ثمّ على مرّ السنوات تتقّشر الجدران، و يتشقّق الخشب هنا، و هناك، و تبدأ بحبّ ذلك المنزل كثيراً، ليس بسبب كلّ حسناته، و إنّما بالأحرى بسبب سيئاته، و شيئا فشيئاً تصبح على معرفة بكلّ ركن من أركانه، و زاوية من زواياه، و كيف تتجنّب نسيان المفتاح داخل القفل عندما يكون الطقس بارداً فى الخارج، و أيّ من ألواح الأرضيّة يتحرك قليلاً عندما يدوس أحدهم عليه، أو بالضبط كيف تفتح باب خزانة الملابس دون إحداث صرير، هذه هى الأسرار الصغيرة التي تجعل منه منزلك عزيزي القارئ.
هكذا هو الحبّ، أنت الذي بداخلك هذه الأحاسيس الرائعة، و عليك أن تعيشها وحدك فيما تُهيم في الظلام، على ذهنك، و جسدك أن يتحمّل الحبّ، أنت وحدك فقط، و لكن لا تقبل بحبّ ناقص عزيزي القارئ، حبّ لا يمنحك الكثير، و لا يغيّر فكرك، و لا يزحزحه، حبّ لا يبثّ فيك الحياة، حبّ لا ترى نفسك من خلاله، حبّ لا يجعلك ترى حياتك من جهة جميلة، حبّ لا يجمّل واقعك القبيح، و ربمّا ستتساءل كما تساءلت أنا عزيزي القارئ:

"كيف سنطمئنّ لإستحقاقنا الحبّ في حين أنّنا لم نفهم إلى الآن لمَ لَم ننجح في تحصيل محبّة عائلتنا في المقام الاول؟".

-يا لكثافة ما رأيته في شرود ذهني عندما كنت أحدّق في صديقي الذي أراد منّي أن أصورّه- قلت في نفسي.
محكوم على الإنسان بأن يكون في لحظة من اللحظات سعيداً، هنيئاً، خالي البال و التفكير، و فجأة يشعر بموجة من الهمّ تمرّ عليه لا يعلم لها مصدراً، و على المرء أن يبقى مشغولاً للحدّ الذي يُلهيه عن تعاسته. 
صديقي الذي أراد منّي أن أصورّه لاحظ شرود ذهني عندما كنت أحدّق فيه، أتى ليجلس بجانبي دون أن يتفوّه بشيء، و أرى أنّه لا بأس عندما يرانا صديقنا بأنّنا منطفئين، و يأتي ليجلس بجانبنا بهدوء دون أن يتفوّه بشيء، و يجلس بجانبنا فقط لكي يشعرنا أنّه معنا فيما نمرّ فيه، مهما كان هذا الامر، و كلّ ذلك دون أن يتفوّه أحدنا بكلمة لبعضنا البعض.
إعتقدت بأنّ قلبي لن يتحمّل حدث معيّن بعد ما مررت به مع -صديقي الإستثنائي السابق- و لكن إتضّح أنّه يتحمّل، كنت أشاهد نفسي أتحوّل إلى قطع صغيرة ثم أعيد بناء نفسي دون تدّخل أيّ أحد، الغريب أنّ البشر يمتاز بقدرة يجعله يتجاوز أصعب الأمور حتّى، و ينتهي تدريجياً مع الزمن.
إنّها فترة تمرّ على المرء، و يشعر بالعبء ليس فقط على الآخرين، و لكن حتّى على نفسه، فهو يشعر أنّه بحاجة إلى الإنغماس في عمق عوالمه التي يمتلكها، و لم يكتشفها بعد، ‏يريد أن يعرف ما الذي يحدث على الرغم من قلّة صبره للبلوغ إلى النهاية، يريد أن يصبح شخصاً، و يذهب إلى مكانٍ ما، و يريد إنقاذ حياته من لا شيء، فقط يريد، و لكن لا يفعل أيّ شيء لينهي مسألة ما يريده حقاً، فقط هكذا، سيعرف المرء أنّ بداخله هناك ما يحتاج الكتابة عنه ليستريح، و لكن لا يستطيع إخراجه، و هذا أمر يشبه ما يكون بطفل صغير مذعور مختبئ في جوف حجرته خوفاً ممّا حدث، هو يعلم أنّه هناك، و لكن ليس هناك أيّ سبيل للإمساك به، و إخراجه من ذلك الجوف.
بعد كلّ هذه الثرثرة عن -صديقي الإستثنائي السابق- تأكدت الآن بأنّ الأشياء السيئة تحدث، و الأيّام الثقيلة لن تنتهي من إزعاجها لي، و بذاءات الحياة غير قابلة للإنتهاء، و أنّني أريد أن أكون كقوس قزح طوال الوقت، و لكن لا أستطيع بأيّ حال من الأحوال، هذه هي الحياة مليئة بالحظوظ السيئة، و الإرتباكات المؤلمة، و لحظات الفشل التي تبكي كثيراً بسببها، ‏سأعرف كلّ هذا، و أكثر، و لكنّي على صعيد الآخر، الحياة ذاتها التي عرّفتني على كلّ هذا الضياع تمنحني أيضاً بلحظات سعادة لا نهائية، سأشاهد وجهي في المرآة يكبر، و يتشكّل، و ينضج لأصبح أنا، و سأقع في حبّ نفسي الجديدة عند كلّ منعطف الحياة، سأعرف حماس الوصول إلى أهدافي الصغيرة، ‏و الكرم الربّاني التي غمرني الله بها في أضعف حالاتي، و أشدّها إحتياجاً، و أخيراً سوف أضحك، و سأجرب آلاف الضحكات العالية، و سوف أشعر بإمتنان لأنّني أعيش في حياة كنت ألعنها سابقاً لانّها بائسة، و لكنّي الآن أعيش، و كأنّي لم أبتئس من أيّ حزن من قبل!.
كلّ يوم ثمّة معركة تجري داخلنا، في جانب هناك الخوف، و الذنب، و الندم، الأمور السيئة كلّها، و في الجانب الآخر هناك الأمور الجيّدة الأمل، و التواضع، و الإيمان، هل تعرف عزيزي القارئ أيّ جانب كان يربح دائماً؟، الجانب الذي كنت أغذّيه بوصولي إلى مرحلة مُخيفة من حياتي، فللمرّة الأولى أشعر أنّه لم يعد يهمني قدوم رسالة أو مكالمة، لم أعد أنتظر حدوث شيء، لقد تغيّرت بشكل غريب، لم أعد كما كنت سابقاً، فإكتشفت أنّي أعيش على تراكمات، و هذه التراكمات جعلتني شخص عصبية، و مستفزّة مع الجميع، لم أعد الشخص الطيّب مع الجميع كما كنت مع -صديقي الإستثنائي السابق-، حتّى المشاركة في المواقع التواصل الإجتماعي أصبح مجهداً، لذا البقاء في المنزل منشغلاً بين روتينك المحبّب إلى قلبك، و الممل بالنسبة إلى غيرك هو أفضل.
أصبحت صامتة، لا أحد يستطيع فهم حديثي، إنّه لأمر رهيب أن يلتزم المرء الصمت في الوقت الذي لديه الكثير ليقوله، و لكن لا يعرف كيف يقوله فيصمت، أصبحت لا أصدّق أنّ أحدهم يشعر بذات ما أشعر به، و إن إستطاع أحدهم أن يكتب قلبك العميق في سطرين عندما تقرأ اقتباس أحدهم ينقبض قلبك، و رغم كلّ ما سبق أصبح هناك قوة أريدها، ليست القوة التي تفرّق بين الفوز، و الخسارة، بل ما أريده هو أن أكون قادرة على إمتصاص تلك القوة القادمة من الخارج، و الوقوف ندّاً لها، القوة التي تحمّل الأشياء بهدوء أشياء مثل:الهدوء، سوء الحظ، الحزن، الأخطاء، سوء الفهم، أن أكون قوية، و حسب.
-صديقي الإستثنائي السابق- لم يكن سيء أبداً، و لا يمكن أن أتحدّث عنه بكُره، لأنّه في يوماً ما كان صديقي، هو فقط أراد إخباري بطريقته الخاصة أنّ لا أحد يدوم إلى الأبد، مع ذلك ظننت أنّ آخر نوبة ضحك حقيقية ستكون حينما كنت في فناء المدرسة الثانوية، ثم تغدوا الحياة بعد ذلك جدّية أكثر ممّا كنت أتخيّل، و لكن آخر نوبة ضحك حقيقية كانت عندما عشت الودّ الذي أصبحت أشتاق إليه الآن، لأنّ بعد تلك الودّ لم أرى أيّ ودّ آخر يشبهه، إنّني أشتاق الآن لذلك الودّ عزيزي القارئ، ذلك الودّ الذي جعلني ممتّنة للغاية لِما أنا فيه من النعم بينما غيري يتمنّى ذلك، و لكن بالنهاية يبقى ذلك الودّ الذي أردته مجرّد رغبة شديدة رغبت بها كلّ لحظة.
الأمر الذي نتج بعد كلمّا مررت به، أنّه أصبح بإستطاعتي أن أتجرأ على فعل كلّ الأشياء، و أن أجرؤا حتّى على أن أكون إنسانة معيّنة، من المؤكد أنّني لم أعد كما كنت، قطعاً غيّرتني الحياة، لذا سأوصد الأبواب لكن لا أعرف متى سأفتحهم مجدداً؟.
أنا أعترف أنّ الودّ الذي عشته مع أصدقائي اليوم كان لا بأس به، و لكن مع ذلك أتمنّى في يومٍ من الأيام أعيش هذا الودّ مرّةً أخرى لتصبح الحياة أفضل من الآن بكثير.

تعليقات