عودة رجفة اللقاء الغريب
الأسبوع الأخير من اللقاء
الجمعة، ٣٠ تمّوز
هناك أشياء عزيزي القارئ ببساطة لا يمكنها العودة كما كانت، يمكنك فقط المحافظة عليها منذ البداية أو تجنّبها قدر المستطاع إن كنت لا تقوى على ذلك، لكنّك في الغالب لن تصدّقني الآن ظنّاً منك أنّك تستطيع!.
قد تقول في نفسك:
"ربّما لن أستطيع فعلها لكنّني أستطيع المحاولة على الأقل".
لا يا عزيزي القارئ المحاولة ليست كلّ شيء.
هناك أشياء تُبنى على اليقين، و على اليقين فقط، كصديقي الذي تيقّنت به، و أكتب عنه الآن!، و صديقي هذا قد يكون شخصٌ عاديّ جداً للأخرين، و لكن بالنسبة إليّ فهو صديقي الذي أحبّه، حتّى و إنّ الذي تسبب في فصل شعورٌ، و آخر، و قتل كلّ اللحظات السعيدة بعظمتها التي كنّا نحظى بها هو سوء فهم طفيف، فهو في قلبي أكثر من صديق، أكبر من صديق، أصدق من أيّ صديق؛ أمّا التجربة فما هي إلا وسيلة لإفساد الأشياء!.
قد تقول أيضاً:
"لا خسارة في التجربة".
صحيح أنّ المرء يتعلّم بالتجارب، لكن ليست كلّ الأشياء قابلة للتجربة، القلوب مثلاً، مشاعر الآخرين أيضاً، المحبّة كذلك، الوفاء بالحبّ للأصدقاء، أشياء مقدّسة كهذه لا تُبنى إلا باليقين، و الإخلاص، أن تفعل الشيء لأنّك تحبّ أن تفعله لأنّ ذلك نابعٌ من جوفك، من أعماقك، دون سبب أو غاية، لا لأنّك تريد ذلك، و لا لأنّك ترغب في تجربة الأمر، ليس لهدف معيّن، و ليس لسبب معيّن أيضاً، فأحياناً يكون للاشيء قيمة أكثر من أيّ شيء!، و هناك أمور لا يمكن للعقل ترجمتها، هي أشياء تخصّ القلب وحده، لا يمكنك تحويلها إلى مسألة حسابية، أو معادلة رياضية، هي أمور بسيطة جداً تعرفها، و تصدّقها حين تراها، لكنّها، و بالرغم من كلّ بساطتها، لا يمكن شرحها، لا يمكن فهمها، لا تعللّ، لا تبررّ، هي أشياء تحدث فقط، حينها يمكنك الإختيار إمّا أن تتقبّلها كما هي، أو أن تتركها كما هي، لا تحاول حل عقدتها، لا تفسدها، دعها كما هي.
مثل عندما كنت أرى مشاهد مؤسفة بين أيّ صديقين، كحدوث فجوة كبيرة جداً بينهم، يصمت هو ليصمت الطرف الآخر بشكلٍ مميت أيضاً، و ينتهي الأمر بينهم بشكل بائس، و حزين جداً، بهذا الشكل ينتهي علاقتهم نعم؛ ليس بسبب مشاجرة أو موقف عنيف حصل بينهم، إنّما بسبب حالة من الإهمال التدريجي، فالطرف الأول وثق بتواجده الدائم فأهمله، و الآخر لم يتحمّل أن يكون في الهامش بعد أن كان قريب، عندما رأيت ما حصل بين هذين الصديقين، تذكّرت عزيزي القارئ أنّ ما ينتهي ببطء في العلاقات لا يعود أبداً، ثم بعد ذلك أنا أيضاً ظننت أنّني لست مختلفة عنهم، و أنّني إنتهيت مع صديقي -إنتهاء مُجبرة- عليه أنا، و لكن لم أكن أعلم أنّني ساذجة حيال كلّ هذا!، نعم؛ كنت ساذجة قبل أيّام قليلة لأنّ كلمات صديقي كان يجعلني أبكي للحدّ الأنين، لأنّ كلّ لحظة غضب كنّا نمرّه كنت أظن أنّه حان وقت الفراق، لكن إتضّح بعد ذلك أنّ لحظة الغضب هو مقياس لكلّ شخص قدرَ إهتمامه بك!.
عاد إليّ صديقي، و لكنّه متغيّر جداً، أصبح ينطوي على نفسه شيئاً بعد شيء أكثر من قبل، و لا يفصح عمّا يدور بخاطره أو يجول في فكره، و كان الوحدة على إستعداد ليرافقني مجدداً!، لم أتقبّل عودته، و أن لا تتقبّل أمراً ما لا يعني أنّ ثمّة خلل به، لا يعني أنّ عليك إصلاحه، لا تحاول تعديل الأشياء حتّى تناسبك كما فعلت أنا عزيزي القارئ، بل إبحث عن أشياء أخرى تناسبك، قد يبدوا الأمر معقّداً قليلاً لكن هذا يحدث في رأسك فقط، لأنّ كلّ شيء مناسب لما هو له، و عدم مناسبة بعض الأشياء لك يعني، و بكلّ بساطة أنّها ليست لك.
شارف الأسبوع الأخير من اللقاء على الإنتهاء، و اليوم هو اليوم الأخير، في تموز من تلك اليوم عندما بدأ الشمس يغطّي السواد القاتم للقمر بإشراقه، و ككلّ الأيّام السابقة أيضاً إستيقظت من النوم مبكراً، رتبت حجرتي مُهيئة نفسي للذهاب، و ماهي إلا دقائق قليلة حتّى إرتديت معطفي الصيفي، و إنحنيت لأربط حبل حذائي، و رفعت طرحتي، و استقمت، و خرجت من المنزل، ركضت فوق الأرصفة الجافّة، و فوق الأراضي المبللة هنا، و هناك، و في نهاية الطريق إتجهت لجهة اليمين، مع الممر المتوسط المليئ بالحافلات، و الشاحنات، و تحت ضجيج بائعين المخبوزات، تهادى إلى مسامعي خُطى باصٍ ما خلفي، توقفت، و نظرت للخلف، كنت بالكاد أرى أضواء الباص الأخضر مشيراً قدومه، إنتظرت لوهلة محاولة الرؤية، و قبل أن تمتد يدي لإيقاف الباص، أدخلت يدي بجيبي، و أخرجت محفظة النقود، ليس بحوزتي الكثير فبالكاد سيكفي للفطور، وقف الباص، و صعدته مُظهرة بطاقتي للشاشة الصغيرة الذي أمامي.
لم أشعر بالخدر في جسدي كالأيّام السابقة، و حمدت ربّي على ذلك لوجود أشخاص قليلة داخل الباص، وقفت لثانيتين ربّما، محدّقة إلى المقاعد الخالية لأختار المقعد المناسب، و الجهة المناسبة للجلوس عليه في هذا اليوم!، بعد أن إخترت مقعداً ما، و جلست عليه قررت أن أستدير للخلف دون سبب، و قبل أن أستدير، بيني، و بين نفسي توسلت للأشياء الجيدة لتحدث اليوم، متجاهلة المراجعة الأخيرة لإمتحان أستاذة -عائشة- و بادئة بالكتابة عن هذا اليوم.
قبل أن أبدأ الكتابة تأملت ركاب الباص، بدأت بالمراهق الذي كان يرتدي لباس أسودٌ على أسود، و كلتا عينيه، و جلّ تركيزه كان على هاتفه الذي بيده اليمين، و المرأة اليافعة التي تحمل في يدها مظلّة، مستظلّة نفسها من حرارة الشمس العالية في موسم الصيف!، و الشخص الجالس على إحدى مقاعد الباص الذي كان يتلّقف بيديه، و يعانق المرأة الجالسة بجانبه، الذي ظننتها أنّها زوجته أو حبيبته!، تأمّلت أيضاً المراهق الذي بدا طالباً في المدرسة الإعدادية، كان يتكئ برأسه على حقيبته، واضعاً في فمه الكمامة، مغلقاً كلتا عينيه، محاولاً النوم في وسط تحرّكات الباص المزعجة!، و الشخص الآخر الذي كان يشرب القهوة، و يا ألهي من رائحة قهوته القوية التي أعادت لي ذكريات تشرين الثاني عام 2020 بصُحبة -صديقي البريء- و -صديقي الجذّاب- في المقهى الذي بجانب مستشفى الجامعة!، و الفتاة التي جلست أمامي مرتدية معطف أزرق فاتح، بشعر مصبوغ باللون الأحمر الغامق، واضعة كحل أسود غامق، إرتدت سمّاعتها اللاسلكية، و هرعت لتصغي للأغاني، من الوهلة الأولى تظنّ عزيزي القارئ أنّها تصغي لأغاني هادئة تناسب هدوء الباص لكنّك على خطأ، كانت تصغي لأغاني الروك!، و هؤلاء الفتيات يخلّفون بداخلي ضحكات مكتومة إمتناناً، و فرحاً أنّ ما زال هناك فتيات جريئات، فمنّ اللمحة الأولى علمت أنّها فتاة جريئة، ربما متمرّدة أيضاً!، و الصديقتان العربيّتان اللاتي أثار انتباهي صوتهنّ العالي جداً، عندما كانوا يتحدّثن عن طلبية مطعمٍ ما، كما لو أنّ مشاكل العالم الكامنة منذ زمنٌ طويل كان على وشك الإنهيار في لحظة قريبة جداً!، و الطفل الصغير الذي لم يرفع رأسه من حضن والدته قط، و لم يترك إصبعها كما لو أنّها ستهرب بعد قليل، لاحظت تشرّب الطفل دفء، و حنان والدته، كنت أنظر إليهم كما لو أنّ أمامي قصيدة من إحدى قصائد -صديق الغُربة- المبهرة جداً!، و العجوزة الموسوسة التي ربّما، و الله أعلم أنّها في عقدها السادس، كلّما كان يمرّ ثلاث دقائق كانت تعّقم كلتا يديها، و تلتفت على من هُم حولها، و تطلب من الذي لا يضع الكمامة أن يضع الكمامة، و تهزّ رجلها بقلق مُلفت للإنتباه، و نفَسها تتصاعد بسرعة كبيرة!، لو كنت عزيزي القارئ شخصٌ عادي لضحكت بإستهزاء على وسوستها، و قلقها المبالغ، الغير مبرر، لكنّني لم أضحك، لأنّني أعلم جيداً ما تظنّه، و تشعر به جيّداً.
و الرجل الذي يتضّح عليه بأنّه في العقد الثالث من عُمره، الذي أخرج ظرفاً أبيضاً من جيبه، و أدخل النقود بمعطفه، و على عجل بدأ يقبّل جبين الورقة بعدما نظر على الورقة، رفع يديه ليمسح دموعه الذي لم يفاجئه نزوله قط، مُهتفاً:
"يا الله، و أخيراً!".
و كأنّه تلّقى خبراً مفرحاً طال صبره على إنتظار هذا الخبر!.
أوقفني منظر الرجل هذا، و أطلت نظري محدّقاً عليه حتّى غادر الباص، و تلاشت صورته من أمامي إلى خلف الباص، و لم يبقى بعقلي إلا طيف سعادته المُلفتة لإنتباهي أنا بإستثناء الآخرين، ظلّ يترّدد طيفه كضوء البرق!، حينها بدأت أكتب، و ضللت أكتب حتّى أوشك الباص على الوصول للجامعة، و أحياناً كنت أكتب حتّى يغمى عليّ من الإرهاق، و حين أمشي في الشارع أشعر أنّ يدي لا يريد أن يبتعد عن الهاتف، كان الكتابة على هاتفي جزءاً من يدي ينمو معها، و يتنفّس.
عشت في كتاباتي، و كبرت فيها، و أصبح الخارج لا يعنيني، و لا يكاد يلمسني، فأنا مكتفية بخيالي، و طاقتي للكتابة كانت جنونية، كنت كالمحموم أعيش في الأرق، و من ثم تمّ تغيير نظرتي للموضوع -الأسبوع الأخير من اللقاء- الذي أفسد مزاجي طيلة الأيام الماضية، و تمّ تقوية إمكانياتي الكتابية، و تطويرها منذ أن إفتقرت هذه الموهبة الذي كنت أمتلكها منذ الطفولة الذي فقدتها في بدايات المراهقة، قد لا يهم أيّ أحد كيف كنت، و كيف أصبحت عزيزي القارئ!، و لكن ما يهمّني الآن أنّني ممتنة أنّ تمّ إلهامي من قبل سوء فهم طفيف لصديقي، و السعادة المُلفتة لإنتباهي بإستثناء الآخرين لشخص غريب لا أعرفه!، بل في الحقيقة أتمنّى أحياناً أن يقرأ مُلهميني عن ما أكتبه هذا اليوم، و الأيّام السابقة من إلهامي، حتّى يتيقّنوا أنّ ما تركوه في قلوب النّاس من ذكريات جميلة غير مقصودة ستدوم للأبد، و لن يصيبه الغبار يوماً ما.
نزلت من الباص، و لمجيئي مبكراً إتجهت إلى الساحة الوسطى التي تتوسّطها الجامعة، و جلست في إحدى مقاعد البنّي اللون، شعرت بأنّ عيون -مكان سارّة، و ليس سارا- الذي عندما ناظرته تذكّرت كم مرّة جلست بوسط الأشجار تلك، و صدري يكرر:
"هذا ليس مكاني، هذا ليس العالم الذي أنتمي إليه؟".
و المقاعد الكثيرة الموجودة أمامي، تحدّق بي، و أنا شاردة أفكّر، أنظر إلى الوجوه المرسومة على جدران ذاكرتي، و أقلّب صفحات قصّة -الأسبوع الأخير من اللقاء- التي أوشكت على الإنتهاء، لولا أنّني رفضت عدّة مرّات أن أتجاهل الكتابة عن هذا اليوم، و التجاهل عن قراءته أيضاً بعد الإنتهاء من كتابته اليوم، و كنوع من أنواع التمسّك كنت أمزّق الغلاف كي لا أغلق الدفتر سهواً أو غضباً، كنت أُنادى مراراً، و تكراراً من قبل مَن هم حولي من أشياء دون جدوى، كنت أصمّ القلب لا أريد أن أسمع أحداً سوى الأصدقاء الذي مررت بهم، و مروّا بي، تمرّ أصواتهم بجانبي، و كأنّ اليوم أول يوم حضرته، و ليس آخر يوم، أعرف أنّهم يتحدّثون، إنّما لا أستطيع أن أفهمهم، و كأنّ لغة أخرى أو أنّهم محضُ وهم، فوحده أصواتهم فقط الذي ما زال يترددّ في رأسي، بدا حقيقياً، و مألوفاً جداً، لست أدري كيف أصبحت عالقة بهم إلى هذا الحد!، ثمّة شيء يشبه الأغلال لكنّه يقيّد قلبي، تسائلت نفسي، و قلت:
"كيف يغادر من كان مسجوناً بقلبه؟، كيف أصبت بهم، و أنا الفطن الحذر؟، و المُصاب بالأصدقاء كيف يُشفى؟".
لست أدري على أيّ زاوية الصفوف الذي تشاركناه معاً تركت إنتباهي فيه في تلك الصباح الذي إقتحموا فيها حياتي، و نشروا كلّ هذا الدمار؟، و بالرغم من فوضوية حياتي سابقاً، بالرغم من كلّ الأشياء السيئة التي كانت تحدث بإستمرار، لم أكن متعبة إلى هذا الحدّ من قبل، أصبحت أعرف الآن أنّ وحدها الأشياء التي تأتي من الداخل تهزم الإنسان، و يا لقسوة هزيمته إذا كان الأصدقاء كلّ شيء في داخله، لقد كنتم أدفأ منزل في عمري، و اليوم تمزّقني الوحشة لمجرد سماع -آخر يوم- من جميع مَن أنا حوله، و الذي يمزّقني أكثر أنّ كلمتين تفعل كلّ هذا، كلمتين فقط.
أن يكون للمرء أصدقاء يراهم ، و كأنّهم الخير في هذه الأرض، شعور لا يمكن للكلمتين تلك وصفه، شعور لا يمكن للمرء أن يضعه في كلمتين مناسبة فحسب، مثل -صديق الغُربة- حتّى أنتم أيضاً، لقد كنت أبذل كلّ ما بوسعي كي لا أفارقكم، و لكن في لحظة إحتدام أصبحت رغبة عدم مفارقتكم قرار، فهرعت أبحث عن النهاية، و هو المواجهة، كما واجهت الأيام السابقة، أعترف أنّني أكره الرغبة العارمة بالتخلّي عن كلّ شيء، و كلّ شخص، و هذه الرغبة مرعبة جداً، و لكن كان لا بدّ من المواجهة.
إتصل بي -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه- متساءلاً:
"هل وصلتِ مبكراً في الجامعة أم ما زلتِ في الطريق!".
أخبرته:
"إنّني وصلت بالفعل، أنتظر مجيئك أيضاً".
لحظات قليلة ثمّ أتى، و جلس على المقعد الذي بجانبي متنهداً يقول:
"آخر يوم ها؟".
و ضلّ مبتسماً مترقباً ردّي عليه، لأجيب عليه متنهدة، و مبتسمة أيضاً:
"إيوا!".
أطال نظره، و كأنّه يريد أن يصدّق ما يحدث رغماً عنه، ثم بعد لحظات قليلة بدأ يجهز نفسه للإمتحان الذي سيمتحنه لاحقاً، بعد لحظات من المُذاكرة عاود التنهيدة مرةً أخرى مناظراً لي متساءلاً:
"تصدقي إنّ اليوم آخر يوم؟".
و لم أستطع أن أجيب عليه سوى بـ:
"ايوا!".
صديقي عاد مرةً أخرى ليدرس إمتحانه، بينما أنا ضللت أتذكّر مواقفي السابقة معه، فهو صديقي الذي دائماً أراه حريص على مناسبات الأشخاص الذي يحيطه، طبيعي جداً يكون مستيقظاً طوال الليل فقط لأنّه يفكّر، و يقول:
"كيف يمكنني إدخال السرور في قلوبهم؟".
ينتابه حماس عجيب أثناء اللحظات التي يعدّ فيه الهدية، يوماً ما سألته:
"لماذا؟".
ليقول لي:
"لمّا تاخذي فهذا متعة لحظية، بس العطاء سعادة دايمة".
حينها دُهشت، و لم أستطع أن أنسى تلك الإندهاش.
عندما إقترب موعد الإمتحان ذهبنا معاً متجهين إلى الكلّية، و في طريقنا صادفنا -صديقي البريء- و جلسنا معاً على المقاعد البيضاء بغضّ النظر عن تساؤلاتنا الذي تساءلناه عن:
"مَن منّا درس إمتحانه جيداً؟".
كّنا نتحدّث مع بعضنا البعض عن هذا، و هذاك بدون أيّ تردد أو إرتباك، محاولين التجاهل عن الإمتحان حتّى لا نتوتّر، نتحدّث هكذا بدون أيّ تقيّد بكلّ سلاسة، و هذا عزيزي القارئ و الله كان أفضل من كلّ لحظة حظينا بها معاً في السابق، و نحن نتحدّث رأينا -صديق الغُربة- يأتي نحو المقاعد البيضاء، أنا، و -صديقي البريء- إستغربنا لأنّه أنهى إمتحانه أمس يوم الخميس، تساءل -صديقي البريء- قائلاً:
"ما الذي أتى به هنا اليوم، ألم يمتحن في الأمس؟".
أجبت عليه:
"لا أدري!".
بعد لحظات قليلة إتصل بي -صديقي الطائش- ليسألني:
"هل وصلتِ الجامعة أم لا!".
قلت له:
"وصلت، و وصل بعض الطلاب، و الطالبات أيضاً".
ليجيب عليّ لاحقاً:
"أنّا آتٍ إذاً".
أتى دور -صديقي البريء- ذهب ليمتحن، و لأنّني لم أستطع مقاومة الجلوس، و عدم فعل شيءٍ ما، ذهبت من خلفه أنا أيضاً لأسمع الأسئلة التي تسأله الأستاذة له، أنهى صديقي إمتحانه متحدّثاً عن والده الذي وافته المنية قبل سنتين -رحمه الله- و حينما تحدّث، و هو غاضب نوعاً ما بسبب ما حدث له حتّى، و إن كان خالٍ من الحبّ، عندما خرج من الصفّ نظرت إليه كثيراً، و لم أتعب من النظر إليه، أعلم أنّ ردة فعلي لم تكن كافية، فكان متعباً حينها.
شعرت بأنّه لم يعد يذهله شيء، حلّ محل شعوره بالحرّية فراغ صغير غير متوقع أخذ يكبر شيئاً فشيئاً، أنا آسفة نيابة عن الأشياء السيئة التي حدثت في أوقاته الرائعة، صديقي منذ أن مات والده، و تلك السنة تحديداً أجزم أنّه أخذ منه الكثير، و الكثير، كانت النذر السيء الذي شاهده في حياته، كانت كلّ شيء عبارة عن إستنزاف حتّى عندما ظنّ أنّه فقد الأمان الذي هو جميلٌ جداً، و أظنّ أنّه هو الشعور الوحيد الذي يستحق عناء البحث عنه، حتّى عندما شعر بالوحدة رغم وجود عائلته معه، و الوحدة رغم وحشتها إلا أنّها هي مصدر كلّ القوة التي إمتلكها الآن.
عدت إلى حيث المقاعد البيضاء لأجلس عليه بجانب -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه-، و أتى -صديقي البريء- نحونا قائلاً:
"أنا أنهيت إمتحاني، و الآن سأذهب إلى منزلي".
قمنا جميعنا لتوديعه، و قبل توديعنا أوقفته قائلاً:
"-صديق الغُربة- يريد أن يتحدّث معك قبل أن تذهب".
سألني قائلاً:
" ألم يقل لكِ ماذا يريد؟".
قلت له:
"لا، لم يقل!".
ثم بعد ذلك أراد توديعنا مرّةً أخرى بالمعانقة، و حينما عانقته شعرت بالتوهّج في جميع أطرافي من فرط الإنشراح الذي كنت أشعر به كلّما كنت إقترب منه كنت أبتعد عن نفسي أميالاً، و كأنّ نفسي لم تجد موقعها إلا فيه، أمّا الآن أظنّني أنّني انحرمت من هذا التوهّج، ثمّ قلت له مودعاً:
"كنت أشعر بالإرتياح معك كلّما أكون معك، و لسوف يارب أن نكون دائماً معاً".
إبتسم لي ثمّ ذهب -صديقي البريء-، و ذهب من خلفه -صديق الغُربة- الذي ظننته أنّه لن يعود مرّةً أخرى في الجامعة، و بقيت أنا أنتظر دوري مع -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه- ثمّ وصل -صديقي الطائش- الذي إتصل بي قبل لحظات قليلة، و جلس ليتحدّث معنا قليلاً ليأتي دور -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه-، و ذهب ليمتحن هو أيضاً، بعد ذلك إقترب نحونا -صديقنا الذي يتحدّث لغة السواحيلية- الذي كان هو الوحيد حقيقياً بيننا في الصفّ، و وضع أمامي فوق الطاولة البيضاء إصبع من الشوكولاء المأكول منه قليلاً، قائلاً:
"كُلي قليلاً، تبدين متعبة".
إستغربت من ملاحظته السريعة، فشكرته بدوري، و تساءلت نفسي:
"هل أبدوا متعبة حقاً؟".
قطع حبل تساؤلاتي ضحكة -صديقي الطائش- بقهقهة عالية جداً، قائلاً:
"المسكين معجبٌ بكِ أيتها المحظوظة!، لمَ لا تظهري له ردة فعل مناسبة لإهتمامه الغير واضح فحسب إنّما الحقيقي بك؟".
لأقرص رجله قائلاً له:
"ليس وقته الآن، أصمت".
إستمّر ضاحكاً لردة فعلي الذي لم يستغرب منه، -صديقي الطائش- كان محقاً عزيزي القارئ، -صديقنا الذي يتحدّث لغة السواحيلية- لم يكن واضحاً فحسب بل حقيقياً، لأنّ الوضوح قد يكون زيفاً أحياناً، لكنّ الحقيقة واضحة دائماً، كان حقيقياً، و أجزم لك عزيزي القارئ أنّه لم يخسر الكثير لكنّه كسب ذاته، و بضع أشياء حقيقية، ليست كثيرة كالتي حصل عليها حين صادف بعض الأصدقاء المزّيفين، لكنّه في الوقت ذاته أكثر بكثير ممّا تتصور، قد يكسب المرء محبّة أحدهم ببضع كلمات منمّقة، و بضع تصرفات ودودة، قد يكسب المرء رضا الآخرين ببضع مجاملات مرغوبة، قد يكسب المرء المال بشيءٍ من الكذب، قد يكسب المرء الشهرة بقليل من التملّق، و الإدعاء، لكنّه سرعان ما يخسر كلّ ذلك حين يبلغ مرحلة معيّنة يتطلب أن يكون فيها حقيقياً، و هنا يكمن كثرة القلّة الحقيقية، في أنّها غير معرّضة للتلاشي، و التمزّق في أول صدّام حقيقي.
إنّ الأشياء الحقيقية كـ -صديقنا الذي يتحدّث لغة السواحيلية- تصمد دائماً لأطول وقت ممكن، لا يوجد شيءٌ دائم في هذه الحياة، و لكن هناك فرق بين الأثر الذي تتركه الأشياء، هناك أشياء أثرها الجميل يغمر حياتك حتّى بعد أن تفقدها، هناك أشياء يلتصق بك سوءها، و أذاها مهما حاولت إنتزاعه، و التخلّي عنه تظلّ تلك البقعة السوداء التي خلّفها مرسومة عليك تكاد تصبح جزءاً منك، أن تكون حقيقياً لكي لا تفقد نفسك، ما قيمة الشيء الذي يمكن أن تخسر ذاتك من أجله؟، أيّا كان ثمنه، لا يستحق، حتّى و لو بدا لك أنّه يستحق، ما هذا إلا وهم و سراب، لا ينقذك من الظمأ، و لا يكفيك عناء الركض، كن حقيقياً مثل -صديقنا الذي يتحدّث لغة السواحيلية- عزيزي القارئ، حقيقياً فحسب، و هذا ليس بالأمر الشاق، لكن صدّقني أنّ هذا أعظم شيء يمكن أن تفعله في حياتك.
لم أستطع أن أكل الشوكولاء الذي أعطاني إياه جرّاء ألم ضرسي الذي كان يزعجني تارّةً، و يهدأ تارّةً أخرى، لكنّني إحتفظت به، ثمّ أتى دور -صديقي الطائش- ليمتحن، ذهب، و بقيت لوحدي أنتظر كِلا أصدقائي اللذين ذهبوا ليمتحنوا، بعد لحظات قليلة رأيت عودة -صديق الغُربة- في كلّيتنا، رأيت صلابته الظاهر عليه، كان صلباً جداً للحدّ أنّي كنت أنصدم منه كلّ يوم، أتفهّم هذه الصلابة التي يغلّف بها حياته لكي لا يلمس أحداً مخاوفه، الذي لم يَقل لأحد أنّه مخاوفه، لم يكن سيئاً نعم، و لكن ساءت به لمن هُم حوله، الذي ظننتهم أنّ هؤلاء، و أنا.
إنتهى -صديقي الطائش- من الإمتحان، و أتى نحو المقاعد البيضاء، جلس ليتحدّث عن مدى سهولة الإمتحان الذي خاضه مع أستاذتنا، ثمّ إنتهى -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه- من إمتحانه أيضاً، عاد من صفّه جائعاً، إستأذن منّي ليأكل إصبع من الشوكولاء المأكول الذي أعطاني إياه -صديقنا الذي يتحدّث لغة السواحيلية- فسمحت له ليأكل، و بدأ يأكل، لحظات، و خرجت الأستاذة، و أتت نحونا قائلة:
"حان دور سارا".
و ذهبت عائدة للصفّ، و ذهبت من خلفها أنا أيضاً، فور أن جلَست في مقعدها الخاص، قالت:
"أقفلي الباب!".
تساءلت نفسي مستغربة:
"الأستاذة لم تقفل الباب مع الطلاب، و الطالبات الأخريات، لمَ أنا الآن؟".
بدأت إمتحانها متسائلة:
"كيف حالك؟".
أجبت عليها متنهدّة:
"أنا بخير، ماذا عنك أنتِ؟".
تجاهلت سؤالي لتنتبه على تنهدّي قائلة:
"لمَ التنهد؟".
لأجيب عليها بالحقيقة الكاملة فور تساءلها، تحدّثت عزيزي القارئ عن يقين -صديقي الساذّج-، و أنّ ليلة واحدة قادرة على صنع إنسان آخر، لا يشبه الذي قبله، تحدّثت عن ذهاب يوم -صديق الغُربة- كاملاً، و هو صامت في الأيّام السابقة، و أنّ صمته هذا أقوى، و أبلغ مقاومة شاهدته، تحدّثت عن خسارة توقعاتي في -صديقي الإستثنائي السابق- الذي لطالما أردته، و أحببته سابقاً، و أنّ من المؤسف أنّني لا أستطيع أن آمل منه الكثير كما ينبغي، تحدّثت عن جوعي الدائم للمزيد من التعمّق في -صديقي الجذّاب- لأنّ عندما عرفته وقعت فيه كمصيدة بدائية في اللحظة التي يعبر فيها الشخص من الطفولة إلى النضج، تحدّثت عن إحدى أعظم صور الحبّ في نظري، و هو أن يثنى أحدهم ركبتيه في خلوته مع ربّه، و يرفع يديه متضرّعاً لله، و يرسل أسماء أستاذاته اللاتي وافتهنّ المُنية، و ذهبوا إلى ربّ العالمين مرتبطين بأمنيات صالحة لهم، و أنّ لا أحد يذكر شخصاً في دعائه إلا، و قد صدق حبّه، تحدّثت عن سلسلة من الأخطاء التي فعلتها في حياتي سابقاً، و الذي لم أتعلّم منها بعد لأنّني ما زلت أفعل هذه الأخطاء!، تحدّثت عن الحبّ، رغم سوء فهم النّاس له إلا أنّه مسألة تتطلب أحياناً مجهوداً ضئيلاً من المرء، تحدثت عن إختلاف أبي مؤخراً، الذي بات لا يشبه شيء، و أنّه بات يحمل بداخله مزيج من مشاغبة الطفولة، و حنان الأبّوة، و أنّني بتّ أشعر بالدهشة من حديثه معي -أحياناً-، و أنّني أشعر بالحنّية له من تصرفات الآخرين الجاف معه، و عن تجديد إطمئناني معه بعد تغيّره، تحدّثت أيضاً عن تمنّيي الدائم بأنّ يختفي المسافات الذي صنعه الغرباء بيني، و بين أبي، تحدّثت عن شقيقتي الكبرى التي لم تعد تجد نفسها في نفسها، و أنّها تشعر -أحياناً- أنّها منحت الجميع كلّ شيء، حتّى ذاتها، تحدّثت عن صعوبة بأن يكون المرء غريباً بعد أن حظى بكلّ هذا القرب، تحدثت أيضاً عن وجود الريبة في كلّ شيء، حتّى عندما ظننت أنّ كلّ شيء على ما يُرام، تحدّثت عن سبب إختياري لإحدى أصدقائي بأن يكون صديقي عند إنطفاءه رغم إمكانية إختياري عند توهجّه، و أنّني تأكدت بعد حين أنّني إخترت عتمته رغم أنّني رأيت النور فيه، تحدّثت عن نفسي مدافعة، و أنّ كلّ ما أردت فعله هو أن أكون على طبيعتي، و أبيّن لإحدى أصدقائي السابقين شفافيتي الجديدة، لم أكن أعلم أنّني سأفجّر القنبلة، و هو بدوره يعلن الفراق، بالنهاية صعبٌ عليّ أن يكون شخص عادي بعدما كان شخصي المفضّل!، تحدّثت عن سبب سرحاني أو حزني -كما تساءلت الأستاذة- أثناء إلقائها الدرس، فقلت لها:
"إنّني مؤمنة بكلّ صدق، لذلك أحياناً أتذكّر بعض الأشياء قليلاً فأبتسم إبتسامة كثيرة، و طويلة، كعناق أو كلمة قِيلت، أو إحساسي بالزمن الذي كان يتعطّل للحظة رغم عدم تعطّله!".
أعترف لك عزيزي القارئ أنّني تحدّثت بلا توقف، و كانت الأستاذة منصتة جيّدة لكلّ ما قلته لها، و بعد إنتهائي من الحديث أجابت عليّ قائلة:
"إنّ الله يخبئكِ لمن يشبهكِ، و كل الذين ذهبوا عنّا لم يكونوا أصدقائنا يا سارا!".
سألتني الأستاذة قائلة أيضاً:
"لمَ إخترتي كلّ تلك المواضيع لتتحدّثي عنها اليوم؟، و لمَ أنا تحديداً؟".
أجبت عليها:
"لا أعلم، شعرت بأنّ الصلة بيننا قوية، و كأنّنا معاً منذ أن تعرّفنا على بعضنا، فمعك أنتِ أكثر من الأساتذة أستطيع أن أتحدّث معها عن أتفه فكرة تخطر في عقلي، أتحدّث لك عن كلّ شيء، فعلياً في كلّ شيء، حتّى في أقلّ الأمور شأناً".
بعد أن صمتت لدقيقة قالت:
"إنتهى الإمتحان".
شكرتها، و قمت من مكاني لأفتح باب الصفّ، و قبل أن أفتح الباب، قالت:
"إقرأي كُتباً كثيرة، و إجعلِ منكِ شيئاً واضحاً، شاهدي مسلسلات قصيرة، و تعلّمي أموراً حقيقية، و صادقة بينكِ، و بين نفسكِ، إصغِ لموسيقى كلاسيكية في بعض الأوقات، و لا تشوهي نفسكِ بالكذب كالآخرين، فقط لكي تحظي بأجمل شعور يحظى بها كلّ إنسان".
إبتسمت على نصيحتها الإستثنائية كإستثنائيتها، و ودّعتها، و خرجت من الصفّ لأصادف -صديقي الطائش-، و -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه- ينتظراني في ردهة كلّيتنا، جلست على إحدى المقاعد البيضاء لأتحدّث مع أصدقائي أثناء إجراء إمتحان باقي الطلاب، أخيراً جميعنا إنتهينا من الإمتحان عزيزي القارئ، و ودّعني -صديقي الطائش- ليذهب إلى منزله، ثم بقيت مع -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه-، و خرجت معه نحو الساحة الوسطى التي تتوسّطه الجامعة، و جلسنا في إحدى مقاعد البنّي اللون، و قبل أن أخرج معه تراسلت مع -صديق الغُربة- لأتأكد هل هو باقٍ؟ أم ذاهب!، أجاب عليّ:
"سأذهب، و لكنّني سأعود بعد لحظات قليلة".
جلسنا نتحدّث أنا، و -صديق ذات نشوة فريدة من نوعه- قليلاً ليذهب هو أيضاً إلى منزله، ثمّ ذهبت إلى مكاني المنشود، مكان سارّة، و ليس سارا، و جلست على إحدى المقاعد الموجودة هناك ذات بنّي اللون أنتظر قدوم -صديق الغُربة-، و بعد لحظات قليلة أتى، و كان منظره مريع جداً من الخارج بعد أن تراكمت عليه كلّ هذه الأحزان فوق بعضها، الآن لا أعرف أيّ حزن غيّره إلى هذا الحد!، عندما جلس في المقعد الذي أمامي يروي عطشه شارباً ماءه، صامت، يناظر الأشجار الذي حولنا، أدركت أنّ الصمت الطويل، و فجوة المسافة، و الوقت غيرّتنا على بعضنا كثيراً، -للأسف أنّك كنت من أعزّ العابرين في حياتي- قلت لنفسي.
تقابلنا اليوم، و عاد رجفة لقاءاتنا الغريبة الذي إعتدنا عليه في السابق، و كلما كنّا نتقابل كنّا نجلس صامتين في البداية، كما يشرب كلٌ منّا ملامح الآخر -كما حدث اليوم-، كانت تأتيني رجفة غريبة أشعر بها عندما أراه فحسب، أظن أنّه طبيعي جداً، لأنّي قلت لنفسي أنّه من الممكن أن يكون من أعراض عودة الحياة لجسدي، ثمّ بعد ذلك أصبحنا نتحدّث طويلاً للحدّ أنّني لا أتذكّر الآن، و أنا أدّون حادثة عودتنا، عن ماذا كنّا نتحدّث في الأساس!، إنّني أتذكّر شعوري فحسب، الشعور بالرغبة في ألّا ينتهي الأمر، أن تظلّ بيننا الأمور هكذا دائماً، أحياناً كنت أشعر بأنّ ليس لدّي الكثير لأقول له، لطالما كنت أودّ أن أتعبه من سماع قصصي، و لكن لم أستطع، ربما لأنّني كنت أقول كلّ شيء للشخص الغير المثالي الذي أعيش معه الآن، ربما لهذا السبب لم أستطيع أن أتفوّه أمامه بكلمة.
لطالما كنت أريد أن أقول له شيئاً لطيفاً مثلي، لكنّه كان يخرج منّي حزيناً مثلي، لم يكن في وسعي ترتيب الكلام في نسق يليق به، لم يسعفني المجاز، و لا الشِعر، كلّ تشبيهاتي البارعة عن صديقي لطالما كان ينسحب أمامه، لهذا عندما كنت أراه كنت أصمت -كما حدث اليوم-، و كنت أنظر إليه، و كأنّني قلت له كلّ شيء، كأنّه يعرف كلّ شيء، لا أعرف عنه عزيزي القارئ، و لكن بالنسبة إليّ، لقد أصبح ما بيننا شيئاً عزيزاً على نفسي، قريباً إلى قلبي، لا يعنيني ماذا هو النهاية في هذه العلاقة، أو إلى أين ينتهي بنا الأمر، أو ما هو شكل هذه العلاقة، و لكن كلّ الذي كنت أعرفه أنّ هذه العلاقة تمثّل شيئاً كبيراً مميزاً لدّي.
أمّا الشيء الغريب الذي شعرت به، و لم أتفوّه به لأيّ شخصٍ قط، هو أنّني فقط مع -صديق الغُربة- شعرت بالحرّية التي لطالما حلمت بها، تنفّست بسهولة، إستطعت أن أصخب مكاني المنشود بقوّة ضحكاتي الصاخبة دون أن يخرسني أيّ شخص، فجأة إسترحت عن هذا العالم، و لم يخطر في عقلي أن أكلّ أو أمِلّ أبداً من التحدّث، و الإستماع، تيقّنت منذ أن رافقته أنّه شخص غير مثالي، لكنّني أدركت بعد حين أنّه إنسان آخر، إنّه هو فحسب، و بالرغم من مجيئه إليّ كنت أذهب إليه أيضاً، و كأنّه لا يتركني، و لا يأتي إليّ أيضاً، هكذا عالقة في المنتصف، رغم تحبّذي لإنطوائي عن عائلتي في المنزل، و عن بعض أصدقائي في الحياة، كنت أتحدّث معه كثيراً، رغم قلّة حديثي مع والدتي، و مع بعض أصدقائي الذين يجهدون أنفسهم بإرسال رسالة نصيّة لي كنت أتحدّث معه كثيراً، كنّا نستلطف بعضنا بعضاً بالحديث، كنت أظن أنّنا معجبين بأحدنا الآخر بكلّ تأكيد، لكنّني أخذت هذه العلاقة على محمل الجد أمّا -صديق الغُربة- فلم يأخذ.
كان صديقي مختلف جداً، و كان لي حياة مختلفة معه كلّما كنت أتحدّث معه أو أرافقه، تختلف تماماً عن الحياة التي إعتدت أن أريه لأصدقائي، و لجارنا، و لعائلتي، و كان هذه الحياة على إختلافها إلا أنّها كانت حلوة، كنّا صديقين مختلفين عن بعضنا البعض كما قلت، و لكن كان لكلّ واحدٌ منّا تجارب مختلفة تماماً، و رغم ذلك كنّا نتحدّث وجهاً لوجه، كنّا نوفر الطمأنينة لبعضنا، كان الإطمئنان شعوري نحوه، و كان هذه الشعور يُرافقني أين ما ذهبت، و أكثر شعور ندرة في حياة المرء هو الإطمئنان.
رغبت به نعم عزيزي القارئ، و لطالما رغبت به، و لكنّه صنع فارقاً بيننا، لأنّ الأسباب التي جمعتنا في البداية أصبحت تبدوا لي الآن هشّة للغاية، فشيئاً شيئاً أصبح كلّ شيء يبدوا واضحاً، فبدأت أتخلّى عن كوني الطرف الأكثر إصراراً، و -صديق الغُربة- لم يعد يشعر بالفضول كالسابق، لأنّ في البداية ظننت أنّه أمر بسيط، لم أتوقع أنّ الأمر سيكبر إلى هذه الحدّ.
في الأيام السابقة، و بعد أن حاكَ بيني، و بين -صديق الغُربة- نسيج ضيّق من الشجارات، و الخلافات العنيفة، لم أستطع أن أدرك بكلّ سهولة أنّه الصديق الغير المثالي لي، و أنّ لن سيكون بوسعي أن أتحمّله، و أنَني لا أستطيع أن أطلب منه كلّ ما يحتاجه قلبي، لا أخفي عنك عزيزي القارئ، أنّني لم أستطع على كسر هذا الفجوة الذي أحدثه بيننا رغم كلّ شيء، شعرت أنّ تمّ كسر شيء وطيد كان بيننا، بعد ذلك إشتقت للسلام اللامتناهي الذي كان بدواخلنا عندما كنّا معاً، تمنيت أنّنا لم نقترب من النهاية، تمنيت ألا نتغيّر على بعضنا، أن نظلّ أصدقاء للأبد، و بغضّ النظر عن كلّ ما حدث بيننا، بغضّ النظر عن محاولات -صديق بنفسجيّ يحبّ اللون الأبيض- للتخلّي عن -صديق الغُربة- و المُضي قدماً عنه، إلا أنّني لم أشعر بالحياة إلا مع -صديق الغُربة-، لم أشعر بأنّ روحي تتوهج، و داخلي يضيء أكثر من أكون مع أحدٍ غيره.
شعور الحبّ الذي كان يعتريني تم إضاءته، و لكنّني كنت مقيّدة في هذا الشعور لأنّني كنت أعلم أنّنا سنتغير على بعضنا لاحقاً!، كنت أعلم أنّ نهاية علاقتنا سيكون فراق عزيزي القارئ، و كان هذا اليقين واضح لي كوضوح الشمس منذ البداية، مع ذلك تجاهلت هذا الشعور، و إستمريت مع -صديق الغُربة-.
و ها نحن ذا تغيّرنا، رغم ذلك كان لدّي رغبة في البقاء رغم إعترافي بحقيقة شعوري الذي حاولت أن أفهمّه بالشكل الصحيح، و لكنّه أصرّ أن يسيء فهمه لي بشكل طفيف، كنت أعرف أيضاً أنّنا لن نكون مثل السابق -أصدقاء- كنت أدرك أنَنا حتماً سنتغيّر يوماً ما، و يصبح بيننا رسميات، فتخلّيت عن -صديق الغُربة-، حتّى لو كان لدّي رغبة في البقاء معه، -ليتنا لم نتغيّر إلى هذا الحدّ- قلت لنفسي.
كالظلام الذي يبدأ يتسلل إلى الشوارع أثناء غروب الشمس بعد أن كان أشعة الشمس يشعّ في كلّ جهة، كحُزن الطفل الذي يعلم أنّ بكاءه لن يغيّر وجهة نظر والديه العنيدين، إنتهيت من الحديث، و قمت لأتجه إلى موقف الباص، و لم يمرّ دقيقة واحدة حتّى أتى الباص، و صعدته مع -صديق الغُربة-، وصل بنا الباص إلى محطاتنا المنشودة، و كأّي صديقين يفترقا، ذهب كلٌ منّا إلى طريقه، هو إلى يوم آخر نحو أصدقائه الذي سيلتقي بهم، و أنا إلى المنزل وسط شجار شقيقتي الكبرى، و والدتي، بين وحدة حجرتي، و مأوى مطبخنا، فتحت باب منزلنا عائداً من اليوم الأخير الذي حظته مع أصدقائي طيلة 11 شهراً، و أنتهى الأسبوع الأخير من اللقاء، و أنتهى كلّ اللقاءات أيضاً، و لكن سيزال هناك حبّ خاص سأكنّه لأصدقائي جميعهم، و لن أنزعه أو أمحيه بكلّ بساطة، لأنّني شعرت أنّه أكبر منّي، أقوى منّي.
و في الوقت ذاته لا أريد أن أصل إلى مرحلة سيطيب بها خاطري من كلّ الأحداث السيئة التي حصلت بجانب الأحداث الجميلة أيضاً، لا أريد أن أنكر جميل أيّ صديق أو زميل، رغم سوء البعض منهم الذي شهدته طيلة الشهور الذي قضيته معهم، لا أريد أن أقول عنهم أنّهم ماضيي حتّى لو لم يكونوا موجودين في حاضري، هذا ما أريد فعله، بعض الأمور قد تفعل، و لكن لا شيء يدوم إلى الأبد، و العلاقات كذلك عزيزي القارئ.
الخاتمة:
هل رأيت عزيزي القارئ؟، كما قلتُ لك سابقاً، كلّ الذي حصل بيني، و بين -صديق الغُربة- هو سوء فهم طفيف فقط لا أكثر، و سوء فهم طفيف هو الذي فصل بين شعور، و آخر، هو الذي قتل كلّ اللحظات السعيدة الذي حظينا بها، و الذي كنّا سنحظى بها في المستقبل، هذا ما يفعله -سوء فهم طفيف- بالمرء عزيزي القارئ.
أن يأمن المرء، و هو يتحدّث، و ينفعل، و يعبّر عن مشاعره، أن يأمن المرء عفويته محبوبة، و مقبولة، أن لا يحتاج المرء إلى التصنع كي يبقى مرغوباً، أنّ كلّ ما يعانيه المرء من نفسه لا يمثل مشكلة للأخر، فقط هذا كلّ ما يحتاجه المرء.

تعليقات
إرسال تعليق