الضحكة الإستثنائية من خلف الكمّامة

 الأسبوع الأخير من اللقاء

الخميس، ٢٩ تمّوز


-ها قد أتى اليوم الأخير- قلت لنفسي بادئاً يومي، لم أفكّر بأنّه اليوم الأخير أكثر من تفكيري بأنّه يوم الإمتحان الذي أعددت نفسي من أجله مراراً، و تكراراً، ذهبت إلى الجامعة مبكراً حتّى إلتقيت بأصدقائي هناك، أصبح الساعة ١٠:٣٠ صباحاً حتّى بدأنا إمتحاننا، و من ثمّ أنهيناه الساعة ٠٤:٤٩ مساءاً، خرجت من الكلّية لأرى الجميع مجتمعين حول بعضهم البعض حتّى يلتقطوا صورة جماعية، إلتقطه لهم -صديقي البريء- حتّى ذهبنا جميعاً إلى موقف الباص كعادتنا، وقفنا قليلاً حتّى ركبوا أصدقائي باصات مختلفة متجهين إلى منازلهم، بقيت أنا، و -صديق الغُربة- منتظرين الباص معاً، كان هادئاً جداً كما هو الأيام الهادئة نقول عنه -رِزق-.
أتى الباص، و صعدته، و من ثمّ صعد من خلفي، ظننت أنّنا أصبحنا وحيدين معاً نستطيع أن نجلس بجانب بعضنا البعض كالسابق، لم أدرك أنّ هناك شيئاً ما تغيّر بيننا رغم عودتنا معاً مرّةً أخرى، تحرّك الباص، و أنا جالسة، و هو واقف خلفي، طوال الطريق كنت أفكّر، و أتساءل نفسي:

"كيف أبدأ أتحدّث معه؟، ماذا أقول له؟، كيف أقول له أجلس بجانبي!، كيف أبدأ معه المحادثة يا الله؟".

صحيح أنّ الأمر يبدوا سخيفاً لمن يسمعني أقول له عن مدى محاولاتي في كيف أبدأ الحديث معه لكنّه كان يؤذيني مثل شوكة صغيرة لكنّها في العين، أتينا إلى المحطة الذي ينزل فيه إلتفت إلى خلفي رأيته يناظر لي بالفعل، لوحّت له بيدي مودّعاً دون أن أستطع أن أقول له شيئاً آخر، إصغّر عيناه حينها أدركت أنّه يضحك، كان يضحك من خلف الكمامة، -ضحك نفس الضحكة يالله- قلت لنفسي، و أنا أبتسم، فكان إستثنائياً بحق حتّى في ضحكته، إستمر بمناظرته لي حتّى نزل من الباص، ودّعته، و أنا أقول -أن يضحك قلبه دائماً يا الله-، و هكذا إختفى من أمام أنظار عيناي. 
بعد ذلك راودني يقين غريب عنه عزيزي القارئ، أصبحت متيقّنة من أنّه فقد قدرته على الثقة، و الحبّ، لكن هذا لا يعني أنّه أصبح يسيء للناس، و يكرههم، و يرفضهم، و يخاف منهم، كلّا، ما زال يبتسم في وجوه الجميع، و يضحك معهم، و يتقبلّهم بصدر رحب، صدره ما زال يتسّع للجميع، ما زال يضحك حتّى لو محطّماً، إنّما لا يستطيع البقاء معهم طويلاً، ثمّة شيء في رأسه يحثّه على المغادرة سريعاً، ثمّة شيء بداخله يمنعه من الإنحناء على أحد، يمنعه من الثقة المفرّطة دائماً، يمنعه أن لا يكون متأكداً إلى هذا الحد حتّى لا يخاف -ربما-، يشعر أنّ الجميع غير مناسبين له، يعتريه هذا الشعور دائماً، و لا يعلم ما سببه، -لا يعلم- ربما هو المشكلة!. 
ربما له ذنب أو أنّ هناك خيبة ممتدة من الماضي أو أنّ هذا بسبب درس تعلّمه بشكل قاسي، ربما أمل الشفاء من الماضي بات منعدماً، مخيف ما بوسع هذا -الشيء- أن يفعل به، يحولّه من شخص يضحك مع الجميع طوال وقته إلى شخص لا يعرف أحدهم إن غضب، أعتقد عزيزي القارئ أنّ الندبات السابقة تركت له أثراً أكبر، و أعمق من الذي كان يتصّوره، تركت له شيئاً يشبه خندقاً عملاقاً يحيط به، و يمنعه من الإقتراب من الجميع مجدداً، ثمّة جرح قديم ينزف كلّما إقترب من أحد أو إقترب منه أحد، لذلك أجده وحيداً دائماً، و إعتاد على أن يعيش وحيداً، و أخشى أنّه بدأ يحبّ هذه الوحدة للحدّ الذي أصبح لا يعرف معنى قيمة الرفيق. 
صديقي وصل إلى مرحلة أنّه مستعد عن التخلّي عن كلّ شيء، عن كلّ شخص من أجل أن يبقى وحيداً، هو بطريقةٍ ما يستطيع أن يعزل نفسه بالرغم من الحشود التي تحيط به، و هذا النوع من الوحدة لا يعالجه وجود أحد، إنّها وحدة في الروح لا في الوجوه، أتفهّم لماذا لا يسمح لأحد بالإقتراب من روحه مجدداً، أتفهّم الأشياء التي يفعلها المرء بدافع الخوف لأنّها الأصدق دائماً، أتفهّم لماذا لا يستطيع قبول مجازفة أخرى، ليس لديه سوى وحدته التي يخبأه بها نفسه، و ضوء طفيف يُنير زاويته المظلمة مخافة أن يهلك من الوحشة، و وهجٌ صغير ينير به روحه، و يخبئه بحرص خشية أن يصل إليه أحد، لأنّ كلّ الذين لمسوا وهجه أطفئوه، أطفئوا الروح، و الوهج. 
نعم أحياناً يتألم في وحدته، و يوجعني عجزي أمام آلام الذين أحبّهم، عجزي أمام أحزانهم، أمراضهم، مكنوناتهم الثقيلة التي لا يستطيعون الإفصاح عنها، يوجعني أن يكون الإحساس بهم هو كلّ ما يمكنني القيام به، كلّما كان يغرق نفسه في وحدته التي -تقتلني- كان ينجوا!، لا أعرف كيف كان ينجوا، و لكن كان ينجوا!، و أعتقد أنّ الله كان ينجيّه دائماً عزيزي القارئ، و ما زلت لا أعرف كيف يلطف به في الوقت الذي يحتاج أن يكون وحيداً، و لكنّ الله كان دائماً لطيف، و رحيم في وحدة صديقي. 
ترضيني دائماً فكرة أنّ الله يعلم كلّ شيء عنّنا، يبصر قلوبنا، و يعلم كلّ ما بنا، يعلم المشاكل التي نواجهها، و الصعاب التي نمرّ بها، و الأشياء التي نتمناها، و التي نعاني منها، يعلم ما تخفيه النوايا، و ما يطويه الصدر، و ما خلف الصمت، و ما خلف الإبتسامات الزائفة، و أطمئنّ جداً لكونه قادر على كلّ شيء.

تعليقات