صدفة لا مثيل لها
الأسبوع الأخير من اللقاء
الأربعاء، ٢٨ تمّوز
بدأت هذا اليوم بذهابي إلى الجامعة، و حضوري لدرس أستاذتي -توبا- لتبدأ يومنا هذا بإسماعها لنا بعض القصائد الرومانسية التي قد تأتي في الإمتحان، بدأنا نسمع، و نعبّر عن ما يتحدّث عنه الشاعر، و ما شعرنا به عند سماعنا، أنهت درسها مبكراً، و هي تسألنا:
"اليوم هو آخر يوم يجمعنا مع بعضنا البعض قبل إمتحان الغد، فما الذي تشعرونه بوصولكم إلى هذه الذروة من النجاح، و الإقتراب من نهاية لقاءاتنا الجميلة؟".
مخيف ما بوسع هذه الأيام السريعة التي مرّت عزيزي القارئ أن يفعله بنا بعد إنتهاءنا من الذي جمعنا معاً، شعرت نفسي سيئة لأنّني فقدت قدرتي على التحدّث!، أردت أن أتجرأ، و أقول لها ممّا أنا أشعر به، و لكن شعرت بأنّ لساني قد إنتزع من مكانه بالفعل، راقبت ردود باقي الطلاب، و الطالبات عندما بدأوا يتحدّثوا عن ما يشعرون به، و أصغيت جيّداً للجميع دون إستثناء، رجوت من أستاذتي -بيني، و بين نفسي- أن تنهي الدرس مبكراً أيضاً حتّى يحدث أمرٌ ما يثير دهشتي، و يجدّد ذلك الشغف الذي أطفئه -صديق الغُربة- بفعل تلك الأيّام السيئة الذي عشته في الجامعة في الأيام الأخيرة، كنت أنتظر أن أشعر باليقين، و لم يسعني فعل شيء سوى الإنتظار، -أعرفك صلبة ستتخطين هذه الأيام أيضاً بسلام- قلت لنفسي.
فجأة رأيت -صديق الغُربة- يجهز أغراضه، و هاتفه، أدركت أنّه حان وقت -التصوير الجماعي- للذكرى!، وقفوا الطلاب بجانب بعضهم البعض، و كانت أستاذتي تقف في المنتصف، إنتظروا جميعهم بضع ثواني حتّى إلتقط -صديق الغُربة- صورةً لهم، و هو معهم أيضاً، لحظة تصويرهم مع بعضهم البعض عزيزي القارئ جعلني أتذكّر أنّ بغض النظر عن المواقف السيئة الذي عشتها إلا أنّني عشت معهم أشياء حقيقية، و هذا أمر كافٍ بالنسبة لي لكي أتذكّرهم لاحقاً، و أبتسم، فلا أريد نسيان أحد تشاركت معه أوقاتاً في البهجة، و أوقاتاً في الحنان، و إن كان لذلك نهاية سيئة أو نهاية غير متوقعة، أريد أن تبقى في ذاكرتي تلك الأوقات سلاحاً ضدّ بؤس التاريخ، تاريخي حين أراه دفعة واحدة في لحظة الألم الأخيرة.
أمّا بالنسبة لأصدقائي الذين بتّ أحبّهم منذ أن تعارفت عليهم عندما بدأت أدرس معهم اللغة، فُهم صدفة لا مثيل لها، لم يكونوا مجرّد صدفة مرّوا مرور الكرام، و ذهبوا، بل كانوا حياة أخرى بالنسبة إليّ، و باباً من السعادة إلى روحي، كانوا سبباً إلى بهجة قلبي، و طمأنينة بالي، كنت أراهم الملجأ عندما كنت أهرب من إزعاج منزلنا الذي لا ينتهي من المشاكل العائلية التي كنّا، و ما زلنا نعاني منها، فكما يقولوا -أشرقت عيناي على الدّنيا- بتواجدهم في حياتي، و إنغراسهم بداخلي، أحببت الأيّام، و مرور الأوقات عندما يملأني أحاديثهم، و نبرة أصواتهم المترّننة في مسمعي، صدفة كانت من إحدى الأسباب لإحياء قلبي، و النهوض من فراشي كلّ يوم مبكراً من أجل أن أراهم فحسب، لطالما كانت هذا النوع من الصدفة شيئاً ثميناً أتمنّى دوامه لبقيّة حياتي.
إنتهى وقت الدرس، و أستاذتي، و أصدقائي جميعهم يحاولون معي لكي أتصّور معهم صورة جماعية، في البداية رفضت، و لكن بعد ذلك وافقت لأتصور من هاتف -صديقي البريء- ،فقط من أجل -أستاذتي-، و بعد مرور ٢٥د أتى أستاذنا التالي، و بدأ درسه، و هو يشرح لنا كيف سيكون إمتحان الغد، من أجل بعض الطلاب شرح لنا بعض الدروس الذي فهمناه سابقاً، أنهى درسه، و هو أيضاً يريد أن يتصّور مع الطلاب، و من ثم تصّوروا جميعهم مع بعضهم البعض.
و كعادتنا أنا و -صديقي البريء- عزيزي القارئ أخذنا من حقائبنا ما قد نحتاجه حتّى نجلس على المقاعد البيضاء الذي تقع خارج صفّنا وسط ردهة كلّيتنا، ما إن جلسنا بجانب بعضنا البعض حتّى رأيت -صديق الغُربة- يمرّ من أمامنا، و يتخطانا ليجلس بعيد عنّنا قليلاً، مثلما يتكرر قدوم المطر، و لا أتوقف عن الدهشة بقدومه، مثلما يستوقفني الشروق في بداية كلّ يوم، و أتوق لمشاهدته كما لو أنّها أول مرة -رغم أنني كنت أراه كلّ يوم- إلا أنّني اليوم كنت أراه، و كأنّني هكذا أتأمّل الأشياء التي أحبّها، بنفس دهشته الأولى، بنفس روعته حتّى، و إن إنطفأ.
مرّ الوقت سريعاً حتّى أتى وقت درسنا الأخير، أخذنا درسنا، و من ثم بدأت أستاذتنا -عائشة- تمتحن طالب، و طالبة تلو أخرى، لم يكن إمتحاني يوم الأربعاء لذلك خرجت من الكلّية مسرعة حتّى لا أفوت باص الساعة الرابعة، و النصف، فور ما إن صعدت في الباص أخذت هاتفي، و رسلت لـ -صديق الغُربة- رسالة نصيّة متمنّية له التوفيق في إمتحان اليوم.
أردت أن أسعده برسالتي تلك، أن يكون سعيداً حينما يعلم بأنّ أحدهم تذكّره، و تمنّى له التوفيق من أجل إمتحانه، قد بدا لي أنّ بإستطاعتي منحي هذه السعادة -سعادة مشرقة، بسيطة- لم يكن بإستطاعتي أن أسعده أكثر، لذلك لم يكن سعادة كلّية أبدية، بعض النّاس عزيزي القارئ يلمسون روحك بطريقة تحوّلك إلى شخص آخر منك، شخص أفضّل منك، و -صديق الغُربة- كان منهم.

تعليقات
إرسال تعليق