بهجة غير متوقعة

 الأسبوع الأخير من اللقاء

الثلاثاء، ٢٧ تمّوز


بدأت هذا اليوم بإستيقاظي مبكراً من النوم كعادتي السابقة، ركبت الباص، و ذهبت إلى الجامعة، و حضرت أول درس كان -درس الإستماع- تناقشنا عن ما فهمناه ممّا سمعناه من الصوتية، شعرت بأنّ جميعهم فهموا إلا أنا، ضلّت أستاذتي تشرح لي، و ضللت لا أفهم، لا أعلم ما حصل بعقلي ذلك اللحظة عزيزي القارئ. 
أنهت درسها، و هي يائسة من عدم إستطاعتي لفهم الصوتية، ثمّ قالت:

"غداً الأربعاء سنتناقش عن الإمتحان بكلّ تأكيد".

و كعادتي السابقة لوحت لها بيدي، و هي تخرج من الصف، إنتظرنا نصف ساعة بالتحديد لنبدأ بدرسنا التالي، ثمّ أتى أستاذنا، و بدأ يشرح درسه، و هو يجيب للسؤال الذي لم يفهمه -صديق الغُربة-، ثمّ بعد ذلك سألت أستاذي سؤالاً كان يشتت إنتباهي دائماً، و ضلّ يفعل معي حركاته التي لا تنتهي حتّى يفهّمني السؤال الذي لم أفهمه، في الحقيقة عزيزي القارئ حركاته تلك ساعدني لأفهم السؤال الذي لم أفهمه، و كلّما شعرت بأنّ إنتباهي تشتت مرّةً أخرى أتذكّر ذلك اليوم حتّى أرجع أستعيد تركيزي شيئاً فشيئاً.
إنتهى درس أستاذي، و خرج من الصفّ مسرعاً، ثمّ وضبّت أغراضي أنا، و -صديقي البريء- لنخرج من الصفّ معاً، و جلسنا على المقاعد البيضاء الذي تقع خارج صفّنا وسط ردهة كلّيتنا، لم يكن هناك أحدٌ غيرنا، كنّا نحن معاً، ضلّ يخبرني:

"سأبدأ أدرّب نفسي على الإمتحان التجريبي، و إذا لم أفهم شيئاً ما سأقول لك حتّى تفهّمِ لي".

أجبته بـ: 

"حسناً".

بعد هذه اللحظة بلحظات قليلة رأيت باقي أصدقائي يأتون ليجلسون بجانبنا، و هم موضبّون كتبهم بأيديهم، كنت غارقة بينهم كثيراً عزيزي القارئ، أفهّم -صديقي البريء- هذا، و هذا، و -صديقي ذات نشوة فريدة من نوعه- يسألني أيّ قصيدة صوتية أثار إعجابي في الآونة الأخيرة حتّى أرسل له، و يسمعه، ليخبرني برأيه، و الآخرون يتحاورون معاً بأصواتهم العالي جداً عن النقاط الذي لم يفهموه، ناظرت هنا، و هناك بضيق ممّا يحدث هنا، و رأيت -صديق الغُربة- يتصفّح هاتفه، و ظهره علينا جالس بعيدٌ عنّا، تنهدت عندما ناظرته، شعور سيء عندما كنت أمرّ من خلاله، و الآن لا يمكنني ذلك، كان روتيني اليومي، و الآن لم يعد كذلك، فجأة، و كأنّني أصبحت مكاناً مهجوراً، و لم يعد هناك من يحييها مرّةً أخرى، شعرت بأنّ كلّ ما مررناه من صور، و أصوات، و قصائد تمّ هجره بعيداً عن هذه اللحظة، كانت تلك اللحظات نجاتي من سوئي، و خوفي.
لم أستطع أن أطيل نظري عليه لأنّني كنت بين أصدقائي، إنتبهت لشرود ذهني عندما ناظرته، و فجأة نظرت إلى هاتفي حتّى أرسل لـ -صديقي ذات نشوة فريدة من نوعه- الذي تساءل عن أيّ قصيدة صوتية أثار إعجابي في الآونة الأخيرة، و لكن قبل أن أرسل له، هنا في هذه اللحظة حدث ما لم يكن بالحسبان، رأيت -صديق الغُربة- رسل لي إضافة صداقة في برنامج -Snapchat- أطلت النظر على هذا الإشعار الذي فاجئني رؤيته، لأنّني لم أستطع أن أصدّق ما عيني يراه، هذه اللحظة -بكل ما تحمله الكلمة من معانيها- كانت لحظة خاطفة، تحوّل حالي فيها من العاصفة إلى النسمة التي تأسرني آخر الليل، فلولا هذا الإشعار فإنّني كنت على استعداد تام عندما أجبرت نفسي بأنّني سأغيّر الطريق الأكثر أماناً لي إلى طريق أقلّ أماناً -ربّما-، و هذا لأمرٌ مروع بحق عزيزي القارئ. 
كنت مستعدّة تماماً للتخلّي عن كلّ شيء من أجل صداقتنا لولا أنّه تخلّى عنّي أولاً، لا أعلم حتّى كيف إستطعت لأفتح برنامج -WhatsApp- حتّى أرى هل فتح عنّي الحظر أم لا، فرأيته فتح عنّي الحظر، و من ثمّ فتحت برنامج -Instagram- لأرى أنّه في حسابه الأول فتح عنّي الحظر بينما الآخر لا، لم يفتح عنّي الحظر، ظننت أنّني أتوهم، لأنّه بطريقة دافئة جداً إستطاع أن يلمس قلبي، إستغربت أكثر لمَ فعل هكذا؟، و لمَ الآن تحديداً؟، تغيّرت كثيراً عن ذلك الفتاة التي كلّما حزنت أو فرحت تتذكّر صديقها، شعرت بأنّني في أيّام قليلة فقط كبرت كثيراً، و أنّ حزني أصبح دائم، كلّ هذا لأنّ للأسف للألم خبرة واسعة في تهذيب الإنسان، و تغييره إلى إنسان آخر في ليلة، و ضحاها. 
لم أستطع أن أجد أجوبةً تريحنّي لذلك أشغلت نفسي مع أصدقائي حتّى لا أحد يلاحظني، و أنا شاردة ذهنياً، أردت الهروب من بينهم عزيزي القارئ، حقاً أردت أن أختلي بنفسي قليلاً، و لكن لم أستطع، الفترة التي إختاره ليغيب مدّة طويلة لم يكن إختياراً خاطئاً بقدر ما كانت طريقة إخباره لي خاطئة، لم أستطع أن أعاتبه بكلّ سهولة لأنّي شعرت بأنّ كلّ شيء أحببته، و وثقت فيه أصبح يصدمه بتغيّره، كان يجب عليّ أن آمن حقاً بأنّها مرحلة، و أراد قلبه منه ليفعله، و -إصغائه لما يقوده قلبه- إنّه لأمرٌ رائع قبل أن يقول لي بذلك حتّى، و الرحلة التي إتخذها أقصى ما يمكن أن يوضّحه له هو توضيح الأمور الذي شتتّ ذهنه، أو كما إعتدنا أن نقول -وضع النقاط على الحروف-، فإنّ أبشع لحظة قد تمر على المرء بأنّه في الموقف الخطأ يوضّح له كلّ شيء، و يفهم كلّ شيء، و لكن بغضّ النظر عن هذا كلّه، شعرت كثيراً، و بلا توقف بأنّني مصابة بلعنة الفقد، و ذلك لأنّني كلّما أحببت شخصٍ ما فارقني. 
كنّا نتحدث حتّى الخامسة فجراً عزيزي القارئ ثمّ أصبحت خمس ساعات في اليوم ثمّ إلى خمس دقائق في اليوم ثمّ إلى حديث كلّ خمس أيام حتّى أصبحنا لا نتحدّث أبداً، و أحبّ الحبّ، و لكن أحبّ الصداقة أكثر من أيّ علاقة أخرى، لأنّها الشيء السهل، و البسيط، و المتزن التي لا يدخل فيها جنون الحبّ، و لا التشرّه البالغ، و لا العتاب المؤذي، أحبّها لأنّها العلاقة التي تجعل الإنسان خفيفاً دائماً، لم يكن حبّاً بقدر ما كان طمأنينة من الدرجة الأولى مثل أن ينظر المرء إلى شيءٍ ما، و يستريح به بشكل غريب، و يعلوه بهجة غير متوقعة من حيث لا يعلم. 
قضيت باقي الوقت مع أصدقائي لأفهّمهم عن النقاط الذي لم يفهموه حتّى أتى وقت درسنا الأخير، أخبروني أصدقائي بأنّهم يوّدون الذهاب إلى الصفّ، فقلت لهم:

"أذهبوا أنتم، و سألاحقكم لاحقاً".

ذهبوا، و أنا ذهبت أنتظر أستاذتي -توبا- ، أنهت درسها، و خرجت لألتقيها، و أخبرتها:

"أريد أن أتحدّث معك بعد الدرس".

 أجابت عليّ بـ:

"حسناً". 

ثم ذهبت إلى الصف لأرى الطلاب، و الطالبات جميعهم رافعين أياديهم، إستغربت فلَم أفهم لماذا، و لم أهتمّ حتّى، ثمّ فهمت أنّهم كانوا رافعين أياديهم ليصوتوا مَن يريد أن يمتحن يوم الأربعاء، و مَن يريد أن يمتحن يوم الجمعة؟، أنهينا درسنا الأخير مع أستاذتنا -عائشة- ثم قلت لـ -صديقي البريء- :

"سأنتظر أستاذتي -توبا-".

أجاب عليّ:

"أريد أن أنتظرها معك".

إعتذرت منه قائلة له:

"سأجعلك تتأخر عن المنزل بلا سبب فأعتذر منك، و لكن بإمكانك أن تذهب، و لا تنتظرني فأنا سأخبرك بكلّ ما ستجيبه الأستاذة على أسئلتي".

قاطع حديثي قائلاً:

"إنّنا أصدقاء، و ليس بين الأصدقاء إعتذار، و شكر، نحن أكثر من ذلك". 

على كلامه هذا شعرت بأنّه الصديق الذي آتي إليه حين أرغب بالجلوس مع نفسي، لحظات، و خرجت أستاذتنا من الصفّ قائلة لطلابها، و طالباتها: 

"حان وقت الإستراحة، و سألاقيكم في الصفّ بعد ١٠د". 

رأتنا جالسين على الطاولة البيضاء أتت نحونا، و هي تخبرنا:

 "درسي سيأخذ ساعة واحدة أخرى، و لا أريد أن تتأخرون بسببي، فسأطلب منّكم أن ترسلوا لي ما تريدون إخباري به، و أنا سألقي عليه نظرة، و أجيب عليكم خبر غداً". 

وافقنا على طلبها، و ودعنّاها معاً أنا، و -صديقي البريء- و خرجنا معاً من الكلّية، ظننت أنّنا متجهين إلى موقف الباص كعادتنا، و لكن فاجئني قائلاً:

 أريد أن أرتشف معكِ قهوة".

إبتسمت إبتسامة عفوية بشأن ما طلبه منّي، لم أستطع أن أرفض لأنّني أنا أيضاً أريد كذلك، فأراد أن يذهب إلى المقهى الذي يقع بجانب المستشفى، قاطعت حديثه قائلة له:

"أريد أن أذهب إلى مقهى آخر حتّى أتذوق -ميلك شيك بالشوكولاء- الذي أحبّه كثيراً". 

لم يرفض طلبي، و وافق حتّى ذهبنا معاً إلى المقهى، و نحن نتحدّث عن هذا، و هذاك، قضيت وقتاً رائعاً برفقته في المقهى، و تصوّر كلٌ منّا صورةً للقهوة بزاويته الذي يحبّه، و شاركنا الصورة معاً في برنامج -Instagram- ،أنهينا شرب قهوتنا ثم خرجت من المقهى معه متجهاً إلى موقف الباص، صعدنا باصين مختلفين حتّى ذهب كلٌ منّا إلى طريقه، هو إلى منزله، و أنا إلى منزلي أيضاً، وصلت إلى المنزل، و سرعان ما دخلت إلى دورة المياه حتّى أخذ -دشّاً دافئاً- ثمّ خرجت، و أنا متجاهلة تماماً ما يجب عليّ تناوله اليوم، والدتي حاولت معي كثيراً، و لكن لم أستطع أن أتناول لا أعلم لماذا.
بدأت أدرس للإمتحان حتّى تفاجأت بقدوم رسالة غير متوقعة من -صديق الغُربة- في الساعة ٠٩:٢٩ مساءً، وجدت نفسي منزوية من دون تخطيط، و لا رغبة، كنت في معمعة الدراسة، و كان مطلوب منّي أن أعيش هذه اللحظة، و أدرس للإمتحان، و لكنّي فجأة وجدت نفسي أنزوي لوحدي، وجدت نفسي أجلّت الدراسة، و بدأت بتأمّل الرسالة لأختلي بنفسي، ظننت أنّه لن يعود عزيزي القارئ لأنّني إستكثرت نفسي عليه، و هذا أسوء ما قد يحدث بين أيّ إثنين، حاولت أن أتدارك الوضع، و أن أكمل دراستي للإمتحان حتّى تفاجأت بقدوم رسالة منه مرةً أخرى في الساعة ١٠:١٣ مساءً، أكملت دراستي للإمتحان متجاهلاً رسالته، و لكنّني في الحقيقة لم أستطع التجاهل، و لم أستطع أن أدرس للإمتحان بكلّ جدية لأنّني كنت أتذكّر رسالته، و سبب عودته المفاجئ لأنّني ظننت أنّه لم يتبقّى بيننا شيء نتقاسمه لنكون معاً.
كان الصمت سيّد المواقف الذي تعايشناه معاً في الكلّية خصوصاً الأيام الأخيرة، المسافة التي كانت بيننا كانت تؤذيني، و عندما تقطّعت سُبل الوصال بيننا حينها أدركت أنّ لا شيء قد يعيدنا لبعضنا، كنت فقط مندهشة كيف تحوّل المشاعر الصادقة إلى مجرد ذكريات سابقة؟، كيف يمكن للصمت أن يعترينا بعد أن كنّا لا نتوقف عن التحدّث؟، كيف أنّ أسرارنا أصبحت -سراب- كما يقولون؟، كيف عُدنا غريبين بعد أن كنّا أقرب شخصين؟، أكملت دراسة للإمتحان -قدر ما استطعت- حتّى أصبح الوقت ١٢:١٨ صباحاً، وضّبت أغراضي، و رتبّت حجرتي مُهيئة نفسي للنوم، فور ما أطفأت مصباح حجرتي ألقيت نفسي على الفِراش، و أجبت على رسالته. 
تحادثت معه، و عرفت أنّه عندما رغب بالخروج من حياتهم إستطاع الخروج كما يخرج المرء من منزله للذهاب إلى الشارع، تجاوز حزنه، و البراعة في تجاوز الحزن هذا بحد ذاته موهبة، حيث أنّه تقابل مع أصدقائه الآخرين، و قضى بعض أوقاته مع إبن جارهم الذي يحبّهم، و مرّر أيامه بصُحبة عائلته، و هناك آخر عزيزي القارئ لا يفعل شيء حيال حزنه غير أنّه يعيشه كاملاً حتّى يستهلكه حزنه هذا لبقية حياته، هربت من مواجهته في البداية، و تركت الأمور بدون أن أقول له، إخترت أن أعيش كلّ شيء بداخلي دون أن أظهر له، و أن لا أعطيه الحق في أن يفرض أسوأ ما فيه عليّ، قررت أن يكبر المسافة بيننا، و ننتهي بفعل الصمت حتّى لا يكون مصير نهايتنا موقف مؤسف، و مؤلم يكلّفني سنين من الحسرة. 
و للأسف سرعان ما تراجعت عن قراري هذا بسبب -اللهفة- التي تشبه رجفة لقاءاتنا الغريبة عندما كنت بصحبته، و كنّا نتحدّث للحدّ أنّنا لم نشعر كم من الوقت قد مضى، لم أكن ألقي بالاً لما كنت أقول له لأنّ الحديث معه كان سلساً من دون جهد كما هو التنفس، محادثتنا كانت مليئة بالكلمات عزيزي القارئ، و من قال أنّ الكلمات لا تفعل شيئاً؟، بل أنّها تلمس، و تغرق، و تنقذ، و تدفء، تجعلك تطير، و تتسع، و أحياناً تلصقك في الأرض لتتمزق، أمّا أنا فإنّني فرحت بالحديث معه، -و أخيراً ضحك روحي- قلت لنفسي، لم يكن محادثته في أعلى القائمة كما إعتدت أن أراه هكذا، و لكن بعد أن تحادثنا أصبح في أعلى القائمة كالعادة.
أحببت عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي، و لكن لم أكن أعلم أنّ هذه العودة لاحقاً سيكون مؤقتاً!، في وسط محادثتنا سرعان ما خفت بأنّه عاد إليّ لكي يودعني مرّةً أخرى، بإمكاني مواجهة كلّ شيء ما عدى مصطلح -الوداع- تجدني عزيزي القارئ أضعف أمامه، مثل المسافر يحزنني سفره، و الشخص الذي يكتب كلماته الأخيرة ثم يترك حسابه في مواقع التواصل الإجتماعي للأبد أحزن لأجله، وفاة شخص حتّى، و إن كان غريباً لا أعرفه تمام المعرفة، الإنتهاء من آخر حلقة للمسلسل الذي إعتدت أن أشاهده طيلة الشهر، التخلّي عن علاقة لأيّ سبب كان، إنّني أكره الوداع بكل أشكاله، لم يكن من المهم أن نعود كما كنّا سابقاً، كان المهم أن نعود فحسب لأنّني أدركت حجم التشابه بيننا كان كبيراً، حين خيّم علينا الحزن كلانا كنّا حزينين. 
ثم أدركت لابد أن يستسلم الإنسان من وقت لآخر، أن يستريح، أن يشاهد الحياة، و هي تعبر من أمامه، و كأنّها شيء لا يخصه، و لا يعود إليه، تحادثنا حتّى شعرت بالنعاس، و بعدما إنتهينا من المحادثة لم أنم بسرعة، ضللت أقرأ المحادثة مرة، و مرتين، و ثلاث لأجل الكلمات التي قالها، نعم لطالما كنت أسرف دوماً في الأشياء التي أحبّ، فما كان لإنسان أن يستمتع بإكتشاف مسرّات الكون كلّها حتّى في الجنة، إذا لم يكن لديه صديق يسعه أن يتقاسم معه مباهجه، كذلك أنا عزيزي القارئ.



تعليقات