سأغيب، لأشرق في مكانٍ آخر

 


بدأ غيابي من كومة من الأشياء الغير المفهومة، أشياء تبدوا واضحة مثل الشمس، أشياء لا يمكن للمرء تخمين ما قد أفكّر به، أشياء أكون قادرة على محبّة كلّ شيء، أشياء مثل قلبي التي حتّى أنا لا يتسّع لي، أشياء مثل أوقات أتحدّث حتّى يملّني الكلام، أشياء أعجز عن فتح فمي به، أشياء أحياناً أراني به رائعة، و أحياناً يجدر عليّ الإختفاء.
ثمّ وقع عليّ إساءةٍ ما، و أخترت عدم الرّد عليه لأنّني كنت مدركة تماماً أنّ الرد الصحيح على صاحبه سيتسبّب أذى له، أذى أكبر ممّا تسبّب لي، ظننت بأنّني سأتحمّل ما سيقوله لي، و لكن هو لم يكن سيتحمّل ما كنت سأقول له، ‏لذلك فضّلت الصمت، و لم أندم على ذلك آنذاك، و لكنّني الآن ندمت!، فلم أكن قط من أولئك الذين يصرخون، و يكسرون الأطباق عندما كنت أبكي، لم أكن من أولئك الذين يعبّرون عن إنهياراتهم برمي تعليقات جارحة للجميع حتّى، عيبي أنّني كنت أنهار على فراشي بهدوء، و الجميع يعتقد أنّني لا بأس به.
أعترف أنّ حياتي لا تناسب ديني نوعا ماً، و لست مُلتزمة تماماً، و أتلذذ بسماع الموسيقى، أحبّ والدتي، و لكن أغضبها، أحبّ أصدقائي، و لكن لا أزورهم، و ربما إغتبت أشخاصاً بلحظة غضب، و رغم هذا أحبّ الله حباً عظيماً لا يتخيّله أحد، و أحمد الله على فضيلة الإحساس بالمعصية، و الرجوع إليه بالندم، لكن مرّ بي شرارة جعلني أحنّ إلى الضوء الذي إمتصّه الضجر من روحي، و إلى السنوات التي ضيعته، و أنا مثقلة بأولويات الآخرين، و أرائهم عنّي، فحصدت القرارات الرديئة التي كدّسته تباعاً لكي لا أغضب أحد، ‏أعلنت التغيير الذي حصل بي بعدما لعنت تحولي البطيء إلى شخص عادي يوافق عليه الآخرون، و يفخرون به، و يأبهون له.
أدركت أنّني كنت أدور في دائرة أبديّة من جلد الذات، و أنّني أمضيت حياتي كطفل مُعاقب يقف مواجهاً للحائط مُديراً ظهره للنافذة الكبيرة التي تحمل خلفها كلّ الأطفال السعداء في ساحة اللعب.‏
لم أريده عاماً مثالياً قط، و لم يبهرني الخطط المرّتبة التي تقضي متعة الترّقب المجهول، أردت فقط أن يكون هذا العام هو عام التخلّي، عام أتخلّى فيه عن كثرة المعارف، و كثرة الجيران في دولة عابرة للقارات لأستمتع بقلّة الأصدقاء القدامى الذي كنت أشعر معهم أنّنا متقاربين كلّياً في السنوات الماضية، أمّا الآن يبدوا لي أنّني كنت أنتمي إلى عالم مختلف كليّاً، يبدوا لي أنّنا أصبحنا لا نتحدّث اللغة عينها، أشعر أنّني أصبحت غريبة عنهم، لا أجد أيّ من كلماتهم، أو إهتماماتهم يُثير شغفي الآن، أصبحت صامتة لأنّ لا أحد منهم يستطيع فهم حديثي كالسابق، و عدم القدرة على تبادل الأفكار مع الآخرين أسوأ، و أفظع أنواع العُزلة على الإطلاق، فالإختلاف عن الآخرين هو أقوى قناع حديدي يمكن للفرد أن يرتديه ليعزل ما بداخله عمّا في الخارج.

عام أتخلّى فيه عن مأدب العشاء البرّاقة الذي كانت العائلة تجتمع حوله كلّ يوم، لأحظى بالمزيد من رحلات الإستكشاف الفردي مع نفسي، ‏لأنّني فجأة إنتبهت بوجود نسخة من نفسي فقدتها بطريقةٍ ما في الطريق، و لا جدوى بأن أرجّع عاداتها، و طبائعها لأنّها أصبحت نسخة غريبة عني، حقاً فقدت حقّ التصرَف على نفسي، فلطالما أنا كنت الحالة الشاذّة بنظر العائلة، الذي تعاطت الإختلاف في صورة مؤلمة.

عام أتخلّى فيه عن تكديس الأشياء الثمينة، و البدء بجدّية في تجميع الذكريات، و التجارب، حتّى لا تلاحقني صورة ماضيي العكرة في خيالي.

عام أتخلّى فيه عن الغضب، القلق، الكُره، الإمتعاض، الشكوى، و التقليل الضمني من شأن الآخرين، و أستبدل كلّ هذا بالمزيد من الإمتنان، الحبّ، الرحمة، الفهم، التسامح، الدهشة، و الإعجاب؛ حتّى لا أبدأ يومي بمزاج غير مُريح، حتّى لا أنهك نفسي لإسعادها فقط لأنّني في آخر الليل أنام وحيدة يائسة من المحاولة الفاشلة.

عام أتخلّى فيه عن الصرامة، التشنج لأستمتع ببعض التراخي لأنّ ظهري أصبح يؤلمني، لأنّ في مرحلةٍ ما يجدر على المرء بفعل المستحيل حتّى لكي يتغيّر، لأنّ هذا التغيّر لم يكن مجرّد حلماً كان يحلم به كلّ ليلة.

عام أتخلّى فيه عن الطمع في أشياء لا أحتاجها لأفسح المجال لأشياء أجمل في حياتي، ‏حتّى لا ينتابني نوع من الشعور بالوحدة، و كأنّني الوحيدة هنا التي لا تشكّل جزءاً حقيقياً من هذا المجتمع.

عام أتخلّى فيه عن المثالية، و الكمال لأتنفس قليلاً.

عام أتخلّى فيه عن الأحذية العالية، فلا بأس أن أكون أقصر قليلاً، و أكثر إرتياحاً.

عام أتخلّى فيه عن الجدالات العميقة لأجرّب نعمة الصمت، فلا بأس بأن أنطفئ في نظر الجميع، و لكن لا أريد أن أنطفئ في نظري أنا.

عام أتخلّى فيه عن صُحبة المُزعجين الذين تفرضهم علينا الظروف، لقضاء المزيد من الوقت مع نفسي، حتّى لو كان هناك أصدقاء قلّ بيننا الحديث، و اللقاء، حتّى لو أنّهم يبقون الأفضل، و نذكرهم في كلّ حديث بكلّ حبّ، و لمعان، يضلّ الأولوية هو القضاء المزيد من الوقت مع نفسي.

عام أتخلّى فيه عن الخوف لأبدأ مغامرات تضخّ الأدرينالين في كلّ خليّة مع جسدي، لأنّ المرء أحياناً من شدّة الخوف كلّما يحادثه شخص أكثر من مرّة يضعه في قائمة أصدقائه.

عام أتخلّى فيه عن الرسميات بما يسمح لي ببدء حوارات عميقة مع أشخاص لا أعرفهم.

عام أتخلّى فيه عن الكبرياء الذي يمنعني من التعلّم كطفل في مجالات جديدة.

عام أتخلّى فيه عن الغرور الذي يجعلنا نبدوا كحمقى.

عام أتخلّى فيه عن بعض الإعاقات التي تحرمني من قضاء الوقت مع نفسي عندما أتذكّر الذين رحلوا من حياتي إلى الأبد، و لا أقصد في كلامي الأحياء عزيزي القارئ، بل الأموات.

عام أتخلّى فيه عن حذر الأمهات لأسمح لنفسي الشجاعة أن تجرّب الحياة بدلاً من مشاهدتها، فتخلّيت عن كلّ ما تمنيّته، و قلت في نفسي:

"أنّني سأغيب، لأشرق في مكانٍ آخر، مكان لا أرى فيه أشخاص كالشخص الذي أخبرني أنّه وقع في غرامي من اللحظة الأولى، و لأنّني خُذلت كثيراً إعتقدته أنّه يكذب، فلم أصدّقه.
مكان أقضي فيه مدّة قليلة لأتأقلم، لأنّني لا أعرف النوم إذا إنتقلت من حجرة إلى أخرى، أحتاج إلى عدّة دقائق حتّى أتأقلم مع وسادتي الجديدة، لي عتمتي، و رائحتي، و أصوات إعتدت عليها، إنعكاسات الضوء من نافذتي أحفظها، و خيالات لا تفارقني كلّ ليلة قبل لا أنام".

ببساطة عزيزي القارئ الأمر بدأ بقهوة إرتشفتها مع إحدى الأصدقاء الأوفياء في مركز التسّوق يدعى -الحجاز- و إنتهى بنضوج سريع، و التعرّف على أفضل الأشخاص الذي ما زالت الحياة تحضنهم، و العمل جاهداً لبناء مستقبل مبهر يناسبني كشخصية مختلفة عن الجميع.

لا بأس أن تغيب عزيزي القارئ، لتشرق في مكانٍ آخر، فأحياناً تحدث أشياء تبدوا لك فظيعة جداً، لكن لاحقاً تدرك أنّ النهاية ليست أقل من رائع جداً.



تعليقات